العنوان البيت الذهبي.. إني رزقت حبها
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 28-يناير-2006
مشاهدات 59
نشر في العدد 1686
نشر في الصفحة 60
السبت 28-يناير-2006
الهدية الرمزية وإشعار كل زوج زوجه أنه محل اهتمامه وإعجابه.. يزيد الحب
الكلمة الطيبة والثناء والامتنان أصل ثابت في قاموس الأسرة
التوبة من المعاصي تعيد المحبة لأن الحب رزق والعبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه
بدت مبتهجة سعيدة، تبدو عليها علامات الرضا والسرور وسط صديقاتها، إذ إنها تتوشح ذلك الوشاح الذهبي الجميل الذي يلف كل زوجين ما اتقيا الله وسارا على منهاجه... كان لسان حالها يوحي لهن ويقول ما قالته السابقات: زوجي يدخل علي بسامًا، ويخرج بسامًا، إن سألت بذل، وإن أعطي أجزل، وإن أذنبت غفر، وإن أحسنت شكر، عوني في الشدائد بعد الله، إن غضبت عطف، وإن مرضت لطف، لما عناني «أهمني» كاف، لا يمل طول العهد، وهو الشعار «الثوب» حين أجرد، والأنس حين أفرد، والسكن حين أرقد، فلله الحمد والمنة.. إنها أحست واستشعرت نعمة الحب والود الذي يظلل حياتها الزوجية مع زوج يحبها ويتقي الله فيها.
كم هو جميل ذلك الحب الذي يسمو ويرتفع على المصالح والمطامع فيكون خالصًا لوجه الله، وكم هي جميلة تلك المحبة التي ترتفع على الأنا وحب الذات ليتلاشيا ويحل محلهما الإيثار والحب الكبير.. جميلة تلك الوشائج التي تترجم إلى أقوال وأفعال تدل على وافر المحبة والوداد.
حبل التواصل
إن نعمة الحب من النعم العظيمة التي تحتاج إلى ري ورعاية، ولم لا؟ فهو سبب لمحبة الله -عز وجل- واتباع رسوله الكريم ﷺ، وهو حبل التواصل والتآلف بين الناس، وبه يرتقي المحبون في الله منابر النور يوم القيامة، فما أعظم هذا الحب إن كان خالصًا، وما أجزل ثوابه عند الله.
وإن أصحاب تلك القلوب الدافئة العامرة بالحب الممزوج بالإيمان لهم أقدر الناس على العطاء، حين يفوح عبقهم عبر الآفاق، وحين ينتشر دفء قلوبهم ليعم الجميع.. ومنهم الزوج المحب لزوجه المتودد إليها والزوجة الودود لزوجها، وهو حب مأجور صاحبه غير مأزور ما لم يعطل طاعة أو فريضة لله.
ولا نعني بالحب ذلك الشعور الأهوج الطائش الذي يلتهب فجأة وينطفئ فجأة، إنما هو التوافق والتقارب الروحي والإحساس العاطفي النبيل بينهما، حب وتعاطف ينمو ويزيد ويقوى مع مرور الأيام، ولقد جعل الله الزواج سكنًا يجلب المودة والرحمة، فقال: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الروم: 21).
فليست المودة هي التي تنشئ الزواج، إنما الزواج هو الذي يثمر المودة ويورق المحبة والرحمة بين الزوجين، إذا قام على أساس متين صحيح حسب ما شرع الله وأراد.
وقد امتن الله على الزوجين بآية المودة والرحمة لما لها من عظيم الأثر في دوام واستمرار الحياة الزوجية، ولا أدل على ذلك من قول المصطفى ﷺ واصفًا النساء من أهل الجنة: «الودود الولود العؤود على زوجها، التي إذا غضبت جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها، وتقول: لا أذوق غمضًا حتى ترضى» «النسائي».. فقدم الود على بقية الصفات، إذ هو مدخل وطريق إليها جميعًا وهي تابعة له.
لكننا في كثير من الأحيان نعاني من جدب في منابع المحبة، وقحط وجفاف في أرض العواطف، فإذا بالحال ينقلب من ود وصفاء إلى كره وبغضاء وكدر وعناء، ومن عواطف دافئة إلى عواصف عاتية تعبث بكل صغير وكبير بأرض الأسرة، فيتهدم البنيان!
فما السبب في ذلك الفراغ العاطفي الذي يعاني منه الكثير من الأزواج والزوجات؟ وأين ذهبت المحبة وأيامها الخوالي يوم كانت الكلمة الطيبة هي الشعار، واللمسة الحانية هي الدثار، والبسمة الرقيقة قوة دافعة إلى الأمام، فتفرغ الزوجان إلى الرسالة الحقيقية التي من أجلها خلقا، ولأجلها يعيشان، ونبذا كل المشكلات ومعضلاتها وراءهما، وانصرفا من قيل وقال إلى معالي الأمور من تربية للأولاد على منهج الله، والنظر في جراحات الأمة، وقضايا المجتمع.
استعادة الحب المفقود
كيف تستعيد ذلك الحب المفقود ليعود للبيوت دفؤها وبريقها؟ وكأني ببعض القوم يصيح مستنكرًا: أهذا وقت الحب؟ هل نحن مراهقون؟! ألا يكفينا ما نحن فيه من حوادث وأمور جسام، وما يحل بأمتنا من تفرق وانقسام، وتقولين لنا كيف نحب وكيف تنمي ذلك الحب!!!
وأقول لهؤلاء جميعًا إن ما أصابنا من دمار وويلات وشقاق وجراحات إنما بدأ صغيرًا بدمار الأسرة وخرابها وانقسامها، بعد أن جف معين المحبة ومخزون المودة، فلم يعد له نصيب فيها، ونسينا أو تناسينا أن المجتمع هو أسر مجتمعات وأفراد وهيئات ولا تقوم له قائمة إن لم تقم على منهج الله متحابة متآزرة متآخية، والمثل المشهور يقول «فرق تسد» دليل على ما أقول.
ألم يذكر الله -تعالى- الحب في القرآن الكريم في أعلى درجاته -حب الله ورسوله ﷺ- حين رفعه فوق أي حب، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ (البقرة: ١٦٥)، وربط بينه وبين الاتباع والطاعة مبينًا ثمرته، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (آل عمران: ٣١).
ألم يتعبد المتعبدون، ويسهر المتهجدون، ويظمأ الصائمون حبًا لله؟ ألم يستن المستنون برسول الله ﷺ حبًا له ولله؟ ألم يبذل الشهداء أرواحهم حبًا لله؟ كم من عابد وقانت وراكع وساجد وحامد وشاكر، أحبوا الله فتلذذوا بطاعته وعبروا عن ذلك الحب العظيم بتلك الأفعال والأعمال! إنه الحب.. القوة الدافعة التي تفعل ما لا يفعل غيرها ما اقترن بالإيمان
مشاعر دافئة
والحياة الزوجية التي تسقط من قاموسها الكلمات الطيبة والمشاعر الدافئة، والمحبة الصادقة، هي حياة أفلت أنجم السعادة فيها وولت إلى غير رجعة، واتباع الزوجين رسول الله ﷺ في حياتهما معًا يكون باتباع منهجه والسير على خطاه في تلك العلاقة فلا يشوبها ظلم أو إهمال، أو بغضاء تؤدي لضياع الحقوق، القدوة في ذلك رسول الله ﷺ الذي ضرب لنا المثل العظيم في الحب والوفاء، إذ يسمي عام موت زوجه خديجة -رضي الله عنها- «عام الحزن»، ويحبها ويوقرها حية وميتة، ولا يأنف أن يعلن ذلك ويقول «إني رزقت حبها»!
بل إنه يعلن حبه عائشة -رضي الله عنها- حين سئل عن أحب الناس إليه، فقالها بصراحة «عائشة»، وها هي تسأله وتريد أن تطمئن على منزلتها في قلبه، كيف حبي عندك يا رسول اللهﷺ؟ فيقول لها: هو كالعقدة، أو ما معناه، فليس الحب عيبًا أو ضعفًا أيها الأزواج، وإنما تزلزل بنيان الأسرة واهتزت أركانه حينما فقد ذلك الشعور بالحب وفتر في النفوس، فاختفى أثره باختفاء ما يدل عليه، فضعفت الأسرة وضعف لضعفها المجتمع.
وإن حب الزوج لزوجه له أثر عظيم في نجاح مشروع الأسرة الكبير، والبيوت السعيدة هي التي تقوم على المودة والرحمة التي يجمع الله بها الأزواج في الدنيا، وفي الآخرة تقر أعينهم بطيب اللقاء في جنات النعيم.
من زهور المحبة
إخلاص النية، وطاعة الله ورسوله أساس لأي عمل.
القاعدة الأساسية أن حب الله فوق أي حب.
مما يجلب المحبة الاجتماع على ذكر الله واهب الحب.
التوبة من المعاصي تعيد المحبة؛ لأن الحب رزق والعبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه.
النصيحة في الله واجبة وهي تشعر بالحب إذا كانت بشروطها وآدابها.
الكلمة الطيبة والثناء والشكر والامتنان أصل ثابت في قاموس الأسرة.
الهدية الرمزية وإشعار كل زوج زوجه أنه محل اهتمامه وإعجابه.
التحية الحارة في كل الأوقات بند مهم من بنود نشر المحبة.
الحلم وكظم الغيظ والعفو والتسامح يولد المحبة في النفوس المؤمنة، كما أن معالجة الخطأ تكون برفق ولين ومحبة
تقبل كل زوج زوجه كما هو مع محاولة الارتقاء للأفضل والكمال لله وحده.
حسن الظن والثقة والاحترام المتبادل والتفاهم والمشاركة في الآلام، وترك السخرية والإهانة والألفاظ البذيئة، يسهم في بذر المحبة.
احترام كل من الزوجين أهل وأقارب الآخر والتشجيع على صلتهم وبرهم، والموازنة بين حب الزوج وحب الأهل، شعارنا في ذلك «فآت كل ذي حق حقه».
من أسباب فتور الحب في الحياة الزوجية
النظر إلى الزواج على أنه عادة وليس عبادة.
عدم قيام كل من الزوجين بدوره الحقيقي المكلف به.
انشغال كل من الزوجين، أو أحدهما بالعمل، أو الدراسة، أو الأولاد انشغالًا كليًا.
كثرة العتاب والاعتراض على بعض ما يفعله أحدهما من أعمال لا تضر بالأسرة «كشراء بعض الأشياء والاعتراض على اختيارها».
كثرة المشاغل والانشغال بماديات الحياة.
الروتين في نواحي الحياة الزوجية المختلفة.
وسائل الإعلام ولزوم بعض الأزواج الشاشة الصغيرة.
تراكم المشكلات الزوجية وعدم استماع كل من الزوجين للآخر.
عدم جلوس الزوجين معًا جلسة انفرادية ولو لدقائق.
عدم الاهتمام بالمظهر واعتبار ذلك أمرًا لا ضرورة له.
الحرج من إظهار مشاعر الحب بعد عمر طويل من الحياة الزوجية واعتبار ذلك عيبًا.
وأخيرًا -أعزائي الأزواج- إن التقدم في السن لا يحول دون التعبير عن المشاعر الطيبة وإظهارها؛ إذ إن طول العشرة يزيد من عمق المودة والرحمة، وإن اشتراك الزوجين معًا -أحيانًا- في بعض أعمال المنزل التي قد يظن البعض عدم أهميتها كترتيب المكتبة، أو البيت، أو الحديقة، أو العمل في المطبخ لهو من أقوى أسباب تنمية الحب بينهما.
كلنا يأمل ويتمنى أن يعيش سعيدًا، لكن السعادة لا تأتي عفوًا ولا تنال بالتمني، بل إننا نشارك في صنعها بأيدينا، ونحققها بأعمالنا، فحدد هدفك في الحياة واتخذ الأسباب الموصلة إلى بناء أسرة متحابة يظللها الحب وتعلوها السعادة.