العنوان خطبة الوداع.. إعلان إسلامي لحقوق الإنسان
الكاتب علاء سعد حسن
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004
مشاهدات 69
نشر في العدد 1587
نشر في الصفحة 52
السبت 31-يناير-2004
■ تضم معالم عامة على طريق الإسلام.. وفهرسًا جامعًا لكتابه الخالد.
■ أكبر شاهد على رشد منهج النبوة وتفرد أسلوب الإسلام.
■ ركزت على حقوق النساء وحذرت من مكر الشيطان، ودعت إلى التمسك بالكتاب والسنة.
خطبة الوداع ذلك اللقاء الأخير بين سيد البشر محمد بن عبد الله رسول الله وبين هذه الجموع الغفيرة من الأمة الإسلامية.. ها هو النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي اليوم في ضاحية من ضواحي مكة ... مكة التي خرج منها مطاردًا ثاني اثنين إذ هما في الغار قبل عشر سنوات، يلتقي اليوم في عرفات بجموع هائلة من مختلف أنحاء الجزيرة العربية، جموع هائلة يقدرها كتاب السير بين مائة وعشرين ألفًا ومائة وأربعين ألفًا([1])، يحتشدون خلف النبي الخاتم يأخذون عنه مناسكهم، ويزيلون عن أنفسهم آخر أدران الجاهلية لينعموا بروعة الإيمان.. لقد كانت خطبة الوداع لقاءً خالدًا فريدًا بعد دعوة وجهاد ومحنة وابتلاء وثبات وبطولة ودماء وأشلاء وتربية وبناء، دامت ثلاثة وعشرين عامًا كاملة، فماذا يدور في هذه اللحظات بخلد القائد الأعظم والنبي الخاتم وهو يتابع هذه الجموع الحاشدة التي تسد الآفاق وتملأ الوادي الرحيب؟ وتمر بخاطره ذكريات دار الأرقم بن أبي الأرقم، والمسلمون الأول يتخفون بصلاتهم في الشعاب ويخفون في جنح الظلام إلى الدار ليأخذوا عن النبي الكريم معالم الدين الجديد ولم يتجاوز عددهم الأربعين([2])..
وتتتابع ذكريات خباب بن الأرت يستنصر الرسول صلى الله عليه وسلم، والدماء تسيل من جسده ووجهه، وسمية وياسر حيث الصمود الخالد والنبي يدعوهما للصبر ويبشرهما بالجنة، وبلال بن رباح في رمضاء مكة مطروحًا على البطحاء يكوى بالحجارة المحرقة ونداؤه الخالد «أحد أحد»، وتمر بالذهن لقطة عابرة لفتيان قريش وهم يترصدون باب النبي ينتظرون خروجه ليقتلوه، فيخرج من بين أيديهم بحفظ المولى وفداء علي ورفقة الصديق يشق طريقًا جديدًا لدين الله في أرض الله..
رسالتنا تغييرية تربوية: اليوم يقف النبي صلى الله عليه وسلم في وادي عرنة وحوله فرسانه وفيهم الصناديد الذين طالما حاربوه وأذوه وصدوا عن دعوته، يقفون اليوم بين يديه يتلقون عنه معالم الطريق، ويأتمرون بأمره ويفدونه بأرواحهم وما يملكون، يقف النبي فوق ناقته القصواء وحوله خالد بن الوليد وأبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وربيعة بن أمية بن خلف.. اليوم يبلغ خطبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجموع المحتشدة ربيعة بن أمية بن خلف صائحًا فيهم مبلغًا ما ينطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم([3])!! ابن أمية بن خلف أحد زعماء الكفر الذين طالما أرهقوا النبي وعذبوا أتباعه!!!
أو تذكرون؟! عندما اشتد ضغط قريش على رسول الله في عام الحزن فتحرك إلى الطائف فكذبه أهلها وأخرجوه وقذفوه بالحجارة، وعرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم قولته الخالدة وأمله الباهر ونبوءته النابغة ومنهجه الأصيل: «بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا»([4]).
اليوم يشرق الأمل وتتحقق النبوءة وتتضح عبقرية منهج الإسلام.. اليوم في خطبة الوداع تتجلى عظمة الرسالة والرسول وتفرد القائد.. إن أي زعيم حين تتوافر له أسباب القوة والبطش يستطيع أن ينتصر على أعدائه، وأن يقهر مخالفيه فيحقق انتصارًا ماديًّا قد يكون ساحقًا أو ماحقًا، قد يبيدهم أو يستذلهم.. لكن الانتصار الكبير الذي حققه رسول الله لم يكن قهرًا ماديًّا، ولا ذلًا للرجال والشعوب، لقد فتح النبي القلوب قبل أن يفتح الدروب، فخضعت النفوس طائعة مختارة لحكم الله، واستعلت بالإيمان وعزت بالإسلام وباتت تفدي النبي الكريم بكل ما في الحياة...
من غير محمد صلى الله عليه وسلم في التاريخ قديمه وحديثه استطاع أن يحول أعداءه إلى أتباع بررة وجنود أشاوس! وأي دين غير الإسلام استطاع أن يحول أعداء الدين والدعوة إلى أبطال الدين ورجال الدعوة وحملة الرسالة؟!
لقد حمل رسول الله الرسالة إلى هؤلاء وصبر على جهلهم وجاهليتهم حتى أخرج منهم على عين الله رسلًا ينطلقون برسالة الإسلام إلى العالمين، يقف الواحد منهم على أعتاب المدائن الفارسية فيجيب القائد الأعلى لجيش فارس: أن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد([5])، وهكذا تحول أعداء الأمس إلى شركاء يحملون الرسالة يدًا بيد وقلبًا بقلب.
خطبة الوداع ويوم الحج الأكبر شاهد تاريخي لا يكذب على رشد منهج النبوة وتفرد أسلوب الإسلام، فما نزل الدين إلى الأرض ليطبق على الناس الأخشبين ولا ليزيلهم من الوجود، بل نزل الدين إلى الأرض ليزكي النفوس الجاحدة فينقلها على يد رسول كريم ومرب عظيم من قاع الكفر إلى قمة الإيمان، ومن وهدة الجاهلية إلى نور الهداية.. فرسالتنا تغييرية تربوية لا نسفية تدميرية.
إجمال بعد تفصيل
اليوم يقف الحبيب المصطفى فوق ناقته القصواء يخطب في زهاء مائة وأربعين ألفًا من المسلمين تمتلئ بهم الآفاق، وقد طهرت جزيرة العرب كلها من رجس الجاهلية، فماذا يدور في خلد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يشعر أنه يودع تلك الأمة الخالدة؟ وأية رسالة يريد أن ينهي بها مشوار رسالته الطويل الشاق؟ وما هي الأمانة التي يريد أن يحملها تلك الجموع الغفيرة لتنقلها بعده إلى الأرض قاطبة؟
إن تلك الكلمات النورانية التي توشك أن تنبلج على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لابد أن تلخص قيم الإسلام التي ظل النبي يؤصلها في حياة الناس ثلاث وعشرين عامًا كاملة..
هذا هو أكبر تجمع عرفه الإسلام في تاريخه منذ البعثة إلى ذلك اليوم، فكان على النبي أن يعالج آخر تصورات الجاهلية العالقة في بعض الأذهان، ويزيل من الوجود آخر أذيالها المهترئة، وهو ينتقل في خطابه الخالد من الصفوة التي طالما رباها وخاطبها في دار الأرقم ثم في دار الهجرة- مهاجرين وأنصارًا، ينتقل من تلك الصفوة المنتقاة إلى العامة التي جاءت من كل فج عميق وألوف مؤلفة منهم حديثي عهد بجاهلية لم يفقهوا من الإسلام وتعاليمه الكثير.. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد خلال هذه الخطبة الخالدة على حقائق رسخها الإسلام بالفعل خلال عقدين كاملين من الزمان، فجاءت فيها الإشارات الأساسية إجمالًا موجزًا بعد تفصيل استغرق حياة النبوة كلها.. كانت خطبة الوداع معالم عامة على طريق الإسلام العظيم، وجاءت كلمات الرسول فهرسًا عامًا لكتاب الإسلام الخالد الذي عاشه منذ البعثة وأقامه في حياة البشر، ورؤوس أقلام مختصرة موجزة، فمن أراد من هذه الجموع المحتشدة أو من الأجيال التالية أن يستزيد علمًا ومعرفة في باب من تلك الأبواب فعليه أن يقرأ الباب كاملًا من خلال تعاليم القرآن الكريم وتطبيق النبي الأمين خلال سيرته العطرة كلها.
يقول البوطي: ويريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتقي بهؤلاء الحشود المسلمة الذين جاءوا ثمرة جهاد استمر ثلاثة وعشرين عامًا، ليلخص لهم تعاليم الإسلام ونظامه في كلمات جامعة وموعظة مختصرة يضمنها كوامن وجدانه ونبرات محبته لأمته... ([6])
أما المعالم الرئيسة التي تناولها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع فهي:
1 - حرمة الدماء والأموال والأعراض وعصمتها([7]): «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»([8])...
۲ - البراءة من قيم الجاهلية: وأهمها إراقة الدماء وأكل الربا، وهما الطريقتان الأساسيتان اللتان يأكل بهما القوي الضعيف حيث يستبيح دمه بالقتل ويأكل ماله بالربا فيزداد القوي الغني قوة وغنى، ويزداد الضعفاء الفقراء ضعفًا على ضعف وفقرًا فوق فقر «ألا وأن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وربا الجاهلية موضوع».
3- عدل الإسلام المطلق والمساواة الحقيقية والشفافية النزيهة، فلا حصانة ولا استثناء، إن كان الربا قد حرمه الله فأول ربا محرم هو ربا العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت دماء الجاهلية موضوعة فأول دم يضعه النبي تحت قدمه هو دم بن ربيعة بن الحارث- عم النبي صلى الله عليه وسلم «وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب»... فهل عرفت الدنيا عدلًا مثل ذلك العدل!
يصدر القانون النبوي فيكون أول تطبيق عملي له على أهل بيت النبوة.. إن كثيرًا من القوانين التي تصدر اليوم هنا وهناك قد تكون صالحة من الناحية النظرية، لكنها تفقد مصداقيتها وتسقط من حياة الشعوب لغياب القدوة التطبيقية من ناحية ولتعدد الاستثناءات المزهقة لها من ناحية أخرى، لكن القانون في الإسلام عبادة وطاعة يحرص المسلم عليه مع القدرة على تخطيه لتحقيق العدل والمساواة وهما من دعائم بناء المجتمع المسلم والشفافية الكاملة داخل المجتمع المسلم الذي أسسه النبي فكل ما يدور في بيت أهله معلوم للجميع سواء كان على المستوى الاقتصادي «ربا العباس»، أو كان على الصعيد الاجتماعي «دم ابن ربيعة بن الحارث»، ولقد رأينا من قبل العلاقات الأسرية داخل بيت النبي القائد تناقش على الملأ في صراحة مذهلة([9])، فلا مجال لإشاعة مغرضة، ولا مداراة لحقيقة قائمة .. بيت القائد بيت من زجاج لا يخفي خطأ ولا يتستر على فساد. ([10])
وهو حق القبيلة والعائلة والأسرة إلى مفهوم القصاص وهو حق المجتمع «دم الجاهلية موضوع»، فمفهوم الثأر الذي هو دماء الجاهلية مفهوم جاهلي لا يتوافر فيه العدل ولا التحقيق المنصف مع الجاني، ولا البحث في أسباب الجريمة وخلفياتها، بينما القصاص وهو القانون الذي يحكم المجتمع وتقوم على تطبيقه الدولة في إطار من التحقق والتثبت يلغي الفوضى الجاهلية ويؤمن المجتمع المسلم ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:179).
4- التحذير من مكر الشيطان وحيله.. لقد انتهت الوثنية الصريحة العارية من الأرض الإسلامية أبدًا، لكن حيل الشيطان ستتخذ أشكالًا جديدة أكثر خبثًا وأقل حدة ووضوحًا لتصرف الناس عن الطريق السوي المستقيم، «إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم».
5- النسيء تبديل لقوانين الله وتضليل للناس عن المبادئ والمفاهيم العالمية، «إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان»، فلم تكن أشهر العام تقويمًا إسلاميًّا مقصورًا على المسلمين وحدهم، لقد عرف التقويم قبل الإسلام وبعده، فالتاريخ والتقويم وأشهر العام من حقائق الوجود الثابتة ومعاييره الراسخة: إن الزمان قد استدار کهیئته يوم خلق الله السماوات والأرض ... فالزمان وتقويمه من سنن الله الكونية الثابتة منذ الخليقة. وإن التبديل في تلك القيم الثابتة وقلبها على أعقابها هو زيادة في الكفر والضلال.
ولعل النسيء الزماني المقصود هنا قد انتهى من الوجود إلى غير رجعة، لكن النسيء القيمي مازال جاثمًا مخيمًا على حياة البشر، فالقوى الأكبر تفرض على الناس تبديلًا في القيم الإنسانية الثابتة التي ترتبط بالبشرية أكثر مما ترتبط بأي شرع أو دين، فصار حق الشعوب المغلوبة على أمرها التي احتلت أراضيها واعتدى على كرامتها وسيادتها في المقاومة إرهابًا، وأصبح المعتدي صاحب حق وطالب سلام، والمدافع عن حقه مجرمًا يعرقل السلام والاستقرار العالمي! كما ظل الكيل بمكيالين هو ديدن تلك القوى، فكما كان هؤلاء يحرمون النسيء عامًا ويحلونه عامًا وفق أهوائهم ومصالحهم، فإن أولئك يتلاعبون بالقيم الإنسانية وفق الأهواء والمصالح، وهكذا انتهى النسيء الزماني بينما بقيت أنواع أخرى من النسيء يكبل بها القوي الضعفاء ويشل حركتهم ...
6- حقوق المرأة في الإسلام تخصيصًا بعد تعميم وإجمالًا بعد تفصيل: «اتقوا الله في النساء، فإنكم إنما أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، إن لكم عليهن حقًا ولهن عليكم حقًا»، فحقوق المرأة في الإسلام مرتبطة بحقوق الرجل، فلقد جاء الإسلام ليحرر البشر كل البشر أو الإنسان كل الإنسان من رق العبودية بمعانيها المختلفة سواء المادية منها أو النفسية أو الجسدية، ولم تكن المرأة من هذه القاعدة بوصفها إنسانًا جاء الإسلام لتحريره وتكريمه وصيانة حقوقه العامة والخاصة، لقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من رق المادة وقيم المادة الطاغية ليصبح للإنسان المجرد بوصفه روحًا ونفسًا وجسدًا بغض النظر عن مستواه الاقتصادي وطبقته الاجتماعية قيمة حقيقية في هذا الوجود، فجعل الإسلام العبد الحبشي بلالًا والرومي صهيبًا والمرأة الضعيفة سمية أئمة الهدى وقدوات البشر.
ولا يخفى أن الجاهلية سواء القديمة منها أو الحديثة لم تعل من قيمة المرأة أو تخفض منها إلا على ضوء ما تملكه من مادة ومال ومكانة وطبقة اجتماعية، ولذا رأينا في المجتمع الجاهلي الذي تقوم ثقافته على وأد البنات، نساء يشار إليهن بالبنان يقدرهن المجتمع، وينحني أمام مالهن ومكانتهن مثل خديجة رضي الله عنها التي كانت سيدة في قومها قبل الإسلام، وكذلك هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان التي كانت ترفع معنويات الفرسان في القتال، ولقد كانت إحدى المحركات الأساسية للمشركين في غزوة أحد، والشاعرة المجيدة الخنساء، وغيرهن.
الجاهلية تعبد المادة المجردة، فهي لا تئد من الإناث ولا تحقر إلا من كانت فقيرة ضعيفة، أما الإسلام الذي جاء ليرفع قيم الإنسانية المجردة فوق قيم المادة الطاغية، فقد كان تكريمه للمرأة خطًا طبيعيًّا منسجمًا مع قيم الحضارة التي أقامها على الأرض، فساوي الإسلام بين الرجال والنساء في وحدة المنشأ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً﴾ (النساء: ١)، وساوى بينهما في الأجر والثواب ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾(آل عمران: ١٩٥)، وجعل النساء شقائق الرجال، ووحد بينهما في علاقة الولاية التي عبرت عنها الآية الكريمة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ۷۱)([11]) ، ثم ساوى بينهم في الحقوق والواجبات ومنها الكرامة الإنسانية العامة، وحرمة الدماء والأموال، وأعطى النساء حق الاختيار للزوج والعشير وخول لها إدارة مالها، وحملها أمانة نشر رسالة الإسلام مع الرجل سواء بسواء، وحثها على العلم والتعلم، ووزع الأدوار بينها وبين الرجل بما يضمن اتساق حركة المجتمع، ورغم كون حرمة الدماء والأموال والأعراض في بداية الخطبة كانت تشمل النساء ضمنا مع الرجال، إلا أن قرب عهد الناس من الجاهلية جعل الرسول ﷺ يخص النساء بفقرة خاصة من فقرات خطبته رفعة لمكانتهن وتأكيدًا على حقوقهن، مع ملاحظة أن ما جاء في هذه الخطبة بشأن المرأة كان تلخيصًا موجزًا لواقع ضخم شاده الإسلام في العدل والمساواة، فكان أول من آمن بالإسلام من العالمين امرأة هي خديجة الله عنها، وأول من استشهد في سبيل الإسلام سمية رضي الله عنها([12])، فلقد شاركت المرأة المسلمة في بناء صرح هذا الدين مع الرجل رضي مشاركة الشقيق للشقيق ...
7- التمسك بالكتاب والسنة هو ضمان العصمة من الزلل والضلال والانحراف عن منهج الإسلام القويم، فبهما معًا نفهم الإسلام، وبتحكيمهما معًا يطبق الإسلام ويسود، فما كانت السنة إلا تفسيرًا عمليًّا للقرآن الكريم، وما كان القرآن الكريم إلا دستور المسلمين الخالد الذي أنزله الله لهم هاديًّا ومرشدًا وقائدًا لما فيه سعادة الدارين معًا، «لقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به کتاب الله وسنة رسوله».
8- طاعة الأمراء واجبة لكنها مشروطة باتباع الكتاب والسنة، فالطاعة للحكام إنما هي طاعة لله ولأوامره ابتدءًا وانتهاء، وهي على هذا لا تكون للحاكم بقدر وجاهته الشكلية ولا مكانته الاجتماعية، لكن الطاعة تكون للحاكم بقدر تمسكه واعتصامه بالكتاب والسنة مصدري التشريع، فالطاعة في الإسلام طاعة مبصرة عاقلة ناصحة مسترشدة «اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدّع ما أقام فيكم كتاب الله تعالى»...
9- حقوق الرقيق والضعفاء، وهو تأكيد على مبدأ المساواة البشرية التي أقامها الإسلام في الأرض وتأكيدًا على هذه المساواة المطلقة، فالناس متساوون في الحقوق والواجبات كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى - والتقوى محلها القلب ومردها إلى الله تعالى، يحاسب عليها في الآخرة، أما حقوق الناس في الدنيا فهي مكفولة بالعدل والمساواة. ولا يخرج هذا التأكيد المنفصل على حق الرقيق عن كونه تخصيصًا بعد تعميم، وإجمالًا بعد تفصيل رأيناه واقعًا معاشًا في حياة النبوة كلها.. «أرقاءكم أرقاءكم أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، وإن جاءوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم«.
10- الأخوة الإسلامية العالمية أساس من أسس الإسلام استحق التأكيد مرة بعد مرة، فلقد استهل النبي صلى الله عليه وسلم خطبته بالتأكيد على حرمة الدماء والأموال والأعراض ثم ختمها بتأكيده على معنى الأخوة الإسلامية الجامعة، وحذر من قتال المسلمين بعضهم البعض معتبرًا إياه ضلالًا بعد هدى ورجعية بعد إيمان، «تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض».
وبعدما ألقى رسول الله خطبته الجامعة الخالدة، حمل المسلمين أمانتهم في تنفيذ بنودها ونقلها إلى العالمين من بعده، فأخذ عليهم العهد والميثاق بإبلاغ شاهدهم الغائبين منهم، واستشهدهم على إبلاغه إياهم تلك التعاليم النورانية فشهدوا، «ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟.. قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهده.. ونحن نشهد أن النبي ﷺ قد بلغ وأدى ونصح، ونشهد لهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أنهم أدوا وبلغوا بنقلهم هذه الخطبة الخالدة إلى الأجيال المتعاقبة من بعدهم، ونشعر أن في أعناقنا أمانة تطبيق لبنود هذه الخطبة، كما أن في أعناقنا أمانة تبليغ لها لمن بعدنا، فالبلاغ والتبليغ والدعوة مهمة عامة انتدب لها النبي صلى الله عليه وسلم عامة المسلمين ولم يقصرها على طبقة الصفوة من أهل العلم والثقافة، ولكنه جعلها مهمة المسلمين جميعا «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب»، ولقد أطلقها من قبل «بلغوا عني ولو آية».
وأمانة التبليغ تدعونا أن نعترف أن لكل عصر وسائل مكافئة لتبليغ الرسالة، فلقد أصبح الإنترنت والفضائيات اليوم الوسيلة المكافئة للقيام بمهمة التبليغ، فهل ندرك هذه الحقيقة ونعمل على توظيفها التوظيف الأمثل لأداء أمانة التبليغ التي حملنا إياها النبي ﷺ؟!
لم تكن هذه الإشارات العامة الموجزة في خطبة الوداع إعلان مبادئ ودعائم يقام عليها المجتمع المسلم، لكنها كانت تلخيصًا لما تم بناؤه بالفعل من دعائم راسخة كالجبال الرواسي على أرض الواقع، وهكذا تكون المقارنة الأخيرة بين منهج النبوة وإعلانه الدعائم الأساسية للمجتمع المسلم وإعلان حقوق الإنسان في الإسلام، وبين أي إعلان آخر حديث أو قديم لحقوق الإنسان في أن ما أعلنه المصطفى ﷺ
في خطبة الوداع كان ملخصًا لواقع حقيقي أقامه فعليًّا على أرض الواقع، بينما كل الإعلانات الأخرى لا تتعدى أن تكون طموحات وآمالًا أغلبها نظري لا يصمد للتطبيق العملي، هذا إن لم يقصد معلنوها التمويه على الرأي العام العالمي، وما قضية حظر الحجاب بفرنسا عنا ببعيدة.
------------------------------------
الهوامش
[1]) ) الرحيق المختوم للمباركفوري 459- المنهج الحركي للغضبان 2/ 199
[2]) ) ابن هشام 1/362- الرحيق 90
[3]) )ابن هشام 2/605- الرحيق 460
[4]) ) صحيح البخاري 1/458
[5]) )إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء محمد الخضري, ص 100- فقه السيرة للبوطي 78
[6]) ) فقه السيرة للبوطي, ص 341
[7]) ) المنهج الحركي, ص 200
[8]) )جميع النصوص الخطبة التي وردت في هذا البحث نقلناها كاملة عن البوطي, ص 338- 339 زهي من صحيح مسلم والبخاري وابن إسحق وابن سعد
[9]) ) في حادثة الإفك وغيرها من قصص سيرته صلى الله عليه وسلم مع زوجاته
[10]) ) الغضبان, ص 200
[11]) )من مقال بعنوان القوامة بين السلطة الأبوية والإدارة الشورية للباحثة هبة رؤوف عزت من موقع إسلام أون لاين
[12]) )المنهج الحركي 1/122