; مشكلة الأتراك المسلمين في بلغاريا... ليست مسألة عثمانية | مجلة المجتمع

العنوان مشكلة الأتراك المسلمين في بلغاريا... ليست مسألة عثمانية

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

مشاهدات 91

نشر في العدد 935

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

صفحات تاريخية

بلغاريا تزعم أنه لا وجود لأقلية تركية لديها، والمسلمون فيها بلغار أصليون.

مدن من الخيام لـ 300 ألف مهاجر تركي من بلغاريا.

من يحل مشكلة هؤلاء المهاجرين الإنسانية؟

 

لقد تتبع الرأي العام الدولي في الفترة الأخيرة النزاع القائم بين تركيا وبلغاريا حول قضية الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا، وأبدى اهتمامًا كبيرًا بمأساة هذه الأقلية التي تزعم بلغاريا بأنه لا وجود لها، وإنما المسلمون في بلغاريا هم في الأصل بلغار أُجبروا قسرًا على يد العثمانيين على اعتناق الإسلام.

هل هذا الادعاء البلغاري حقيقة تاريخية أم مجرد دعاية؟

للإجابة على هذا التساؤل سوف نرجع في هذا المقال إلى مصادر المؤرخين البلغار الذين بحثوا هذا الموضوع، على أن تلقي آراؤهم ووجهات نظرهم الضوء على حقيقة أصل الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا، هل هم بلغار أُجبروا على اعتناق الإسلام أم هل هم أتراك في الأصل؟

 

تأسيس الدولة البلغارية الأولى:

احتفلت بلغاريا قبل 8 سنوات بمرور 1300 عام على إنشاء الدولة البلغارية الأولى، باعتبار أن دولة بلغاريا الأولى أُنشئت عام 680م.

والمعروف أن أصل البلغار شغل الأوساط التاريخية عدة قرون، فقد نسب علماء التاريخ الشعب البلغاري في البداية إلى العنصر السلافي، ولكن تخلوا مؤخرًا عن هذه النظرية، ووافقت جميع الجهات العلمية على أن الدولة البلغارية الأولى أسست من قبل الأتراك في عام 680. وقد أيّد ذلك أستاذ التاريخ البلغاري «إيفان شيشمانوف» حيث سعى هذا الأستاذ إلى إجراء دراسات واسعة حول أصل البلغار ومنشئهم... وذلك في كتاب صدر له عام 1900. وبعد أن توصل في دراساته إلى نتائج إيجابية ملموسة، تأكد له أن أصل البلغار من القبائل التي استوطنت في البداية على حافة نهر الفولغا.

وعند استناد البروفيسور «شيشمانوف» إلى المراجع والمعلومات المتوفرة لديه، توصل إلى أن اسم بلغاريا مشتق من كلمتين هما «فولغا – آري» التي تعني «رجل الفولغا» في اللغة التركية، واعتُبرت دراسة الأستاذ «شيشمانوف» التي تقول بأن قدامى البلغار هم أتراك في الأصل حقيقة علمية في أوروبا وفي بلغاريا أيضًا.

بعد مرور 85 عامًا من نشر الأستاذ «شيشمانوف» كتابه حول أصل البلغار، تأكد لدى علماء التاريخ والأجناس أن أصل البلغار هم من الأتراك، فلقد ذكر الأستاذ «ديميتري أنجيلوف» الأستاذ في جامعة صوفيا، في كتاب له تحت عنوان «الشعب البلغاري ونسبه» نشر عام 1971: «إن الذين أسسوا الدولة البلغارية الأولى هم من الأتراك، كما أنهم كانوا يتكلمون اللغة التركية، وهذه حقيقة ثابتة لا تقبل الجدل [1]».

قَبلَت مصادر علمية مستقلة هذه الحقيقة وتبنتها.

على سبيل المثال تذكر الموسوعة الأمريكية في القسم حول بلغاريا (الجزء الرابع ص 742) «يأخذ البلغار اسمهم من بلغارز، وهي قبيلة من أصل تركي، قطنت الأراضي المدرجة إلى الشمال من البحر الأسود في القرن السابع، ثم توجه أفراد القبيلة عبر الدانوب حيث سيطروا على القبائل السلافية التي كانت تقيم في تلك المنطقة في القرن الخامس والقرن السادس [2]».

كما تذكر الموسوعة نفسها في القسم المخصص لتاريخ بلغاريا (ص 751) «غزا في القرن السابع البلغار، ذوو الأصل التركي، المقيمون في منطقة الفولغا، السلاف المقيمون إلى الجنوب من الدانوب وسيطروا عليهم وأنشأوا أول وحدة سياسية تضم السلاف والبلغار، ولكن كون البلغار أقلية، فلقد انصهروا تدريجيًا مع السلاف إلى أن خسروا هويتهم العرقية ولغتهم [3]».

هكذا نستنتج من كتابات ودراسات المؤرخين البلغار، ومما ذكر في المصادر العلمية المستقلة بأن أجداد البلغار الذين قطنوا البلقان، وأنشأوا الدولة البلغارية الأولى كانوا أتراكًا ويتكلمون اللغة التركية.

 

ماذا حدث خلال الحكم العثماني:

استولت القوات البيزنطية عام 1018 على الدولة البلغارية الأولى التي أُنشئت عام 860، واستمر العهد البيزنطي يسيطر على بلغاريا حتى عام 1187 عندما أُنشئت الدولة البلغارية الثانية، وهذه الدولة قُضي عليها من قبل الأتراك العثمانيين، والمعروف أن الحكم العثماني بدأ عام 1396 وانتهى عام 1878. والدولة البلغارية التي أُنشئت بعد هذا التاريخ يُطلق عليها اسم الدولة البلغارية الثالثة.

زعمت بلغاريا مؤخرًا أن الحكم العثماني أثناء هيمنته على أراضيها أَكره البلغار على اعتناق الإسلام بالقوة.

هل هذه المزاعم حقيقة؟ هل حقًا أَكره العثمانيون المواطنين البلغار على تغيير هويتهم العرقية وانتمائهم الديني؟ أم هل استقدم العثمانيون بعد بسط سلطتهم على الأراضي البلغارية عددًا كبيرًا من الأتراك من أناضوليا ووطّنوهم في هذه الأراضي البلغارية؟

نذكر بعد الرجوع إلى المؤرخين البلغار أنه مباشرة بعد احتلال الجيش العثماني التركي لبلغاريا، عبرت موجات متعددة من المهاجرين الأتراك شبه جزيرة البلقان، واستقرت في مناطق مختلفة منها.

نستشهد في هذا السياق بما ذكره الأستاذ «كريستو كريستوف» مدير دائرة التاريخ في الأكاديمية البلغارية للعلوم، في كتاب نشره عام 1969: «عندما غزا الأتراك أرض البلغار تراجع السكان الأصليون إلى الجبال المحيطة بالمنطقة».

ثم أضاف: «قطن السكان الأتراك القادمون من أناضوليا المنطقة التي أخلاها هؤلاء السكان في تلال ترافيس، مقدونيا، ورودوبس، كما قطن الشعب التركي أيضًا المدن... ومن هنا أخذت المدن البلغارية في القرن الرابع عشر والخامس عشر طابع المدينة التركية حيث أكثرية السكان مسلمون [4]».

كما استعرض المؤرخان البلغاريان «ستراشيمير ديميتروف وكريستو مانشاف» في كتابهما الذي نشر عام 1969 المعلومات التالية حول الموضوع: «عندما احتل العثمانيون البلقان، استوطنت جماعات كبيرة من الأتراك الأوغوز في البلقان، كما تجمع عدد غفير من الأتراك الأوغوز في شرق أناضوليا في القرن الرابع عشر، وذلك بسبب الغزو المنغولي القادم من الشرق. كانت هذه الجماعات تبحث عن موطن لها تستقر فيه وأرض خصبة للزراعة والحصاد، إن قدوم هذه الموجات من نحو الغرب كان من شأنه أن يغير الطابع العرقي لأناضوليا، فلقد دفعت هذه المجموعات التركية الجماعات اليونانية والهيلينية التي كانت تُكوّن الأساس العرقي للإمبراطورية البيزنطية نحو السواحل، واستقرت المجموعات التركية في الأجزاء الداخلية من شبه جزيرة أناضوليا، وهكذا تم احتلال شبه جزيرة البلقان، تقدمت هذه المجموعات التركية وانتقلت مرة أخرى نحو الغرب واستوطنت الأراضي المحتلة حديثًا».

وامتدادًا إلى ما سبق التطرق إليه من معلومات تاريخية سجلها المؤرخون البلغار حول وجود الشعب التركي في بلغاريا منذ القرن الخامس إلى التوطين في القرن الرابع عشر، نجد أن الوثائق البلغارية الرسمية التي نُشرت من قبل مديرية الصحافة البلغارية في عام 1951، تذكر ما يلي: «يتعايش في الجمهورية الشعبية البلغارية عدة أقليات وطنية ومجموعات عرقية: الأتراك، الغجر، الأرمن، اليهود والبوماك وغيرهم.

ولقد استوطنت هذه المجموعات بلغاريا في مراحل مختلفة من التاريخ. ابتدأ الاستيطان التركي في القرن الرابع عشر حيث استقر الأتراك في المناطق القريبة من الطرق الرئيسية والأماكن ذات الموقع الاستراتيجي، وتتابع تدفق الأتراك نحو بلغاريا وخصوصًا في القرن الثامن عشر ولأسباب استراتيجية، أثناء الحروب الروسية – التركية، قامت الدولة التركية بتكثيف استعمارها لبلغاريا من جهتي الشرق والشمال الشرقي [5]».

ومن جهة أخرى تذكر الموسوعة البلغارية المختصرة الصادرة عن الأكاديمية البلغارية للعلوم في عام 1963، المعلومات التالية حول موضوع الأقلية التركية في بلغاريا:

«تشير إحصاءات عام 1956 إلى أن عدد سكان بلغاريا 7,613,759 وسكان بلغاريا متجانسون من حيث جنسياتهم ووطنيتهم، يُكوّن البلغار أكثرية السكان، يأتي بعدهم الأتراك. هؤلاء الأتراك الذين استقروا في بلغاريا بعد أن تم احتلال جزء كبير من جنوب شرق أوروبا في القرن الرابع عشر... كما تشير إحصاءات عام 1956 إلى أن عدد السكان الأتراك في بلغاريا وصل إلى 656,555 «هاجر قسم كبير من السكان الأتراك من بلغاريا، وبشكل خاص بين عامي 1950-1951»، ويقيم الأتراك في بلغاريا في مناطق شرقي رودوبس، كرلوفا، سلاتيك ولودوغوريا».

ومن الجدير ذكره أنه عندما حصلت بلغاريا على استقلالها عام 1887 كان عندئذ عدد الأتراك المسلمين يفوق عدد السكان البلغار، وعندما ضمت بلغاريا جنوب دوبرودجا من رومانيا في عام 1940، تم عندها أيضًا ضم 150,000 تركي مسلم إلى عدد الأتراك المسلمين في بلغاريا.

كما تشير الإحصاءات البلغارية بأن عدد السكان الأتراك في بلغاريا وصل عام 1965 إلى 780,928 وعند احتساب نسبة 2%، يصبح عدد سكان الأقلية التركية المسلمة الآن أكثر من 1.5 مليون، باستثناء 300,000 مسلم من البوماك.

كما اعترف جيفكوف، رئيس بلغاريا في عام 1981 بأن الأتراك في بلغاريا متساوون مع بقية السكان، وأن الدستور يضمن لهم حقوقهم المدنية وحق تعليم أولادهم.

وهكذا يكون جيفكوف قد اعترف وبكل صراحة بوجود الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا، ولكن ها هو اليوم يقول بأنه لا يوجد أتراك مسلمون في بلغاريا بل إن المسلمين البلغار هم أصلًا بلغار، أُجبروا على اعتناق الإسلام، أين الحقائق التاريخية التي ذكرناها من هذا الادعاء؟

 

(1) «الشعب البلغاري ونسبه»، صفحة 117، نشر عام 1971.

 

(2) الموسوعة الأمريكية في القسم حول بلغاريا «الجزء الرابع ص 742».

 

(3) الموسوعة نفسها في القسم المخصص لتاريخ بلغاريا (ص: 751).

 

(4) ديميتار كوزف - كريستو كريستوف، تاريخ بلغاريا بإيجاز، صوفيا: 1969، ص 83.

 

(5) مديرية الصحافة، الأقلية التركية في الجمهورية البلغارية، صوفيا 1951، ص 3.

الرابط المختصر :