العنوان اليمن.. صراع النفوذ والقوة بين إيران والعرب
الكاتب رشاد الشرعبي
تاريخ النشر الخميس 01-يناير-2015
مشاهدات 67
نشر في العدد 2079
نشر في الصفحة 53
الخميس 01-يناير-2015
مؤتمر الحوار الوطني الشامل انتهى بسيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة والجيش
تمدد جماعة الحوثي جاء بقوة السلاح ودعم إيران والتواطؤ الدولي
بقاء "صالح" عرقل جهود المصالحة وأفشل حكومة الوفاق الوطني في جمع أحزاب المعارضة الرئيسة
دول الخليج وبالأخص السعودية والإمارات توهمت تحقق مآربها بضرب الحوثي لحزب الإصلاح اليمني
الحوثيون قدموا اليمن لقمة سائغة لإيران تهدد به أمن الخليج وتسيطر على ممر التجارة الدولية
أمام الخليج الاختيار بين دعم اليمن ضد الحوثي أو تركها فريسة لوكلاء إيران والتضحية بأمنهم القومي
رشاد الشرعبي
بخطواتٍ متسارعة، يتجه اليمن نحو المستقبل القريب المجهول رغم المؤشرات المقلقة التي ترسمها الأوضاع المتدهورة في بلد فقير يضم 25 مليون نسمة، ويكتسب موقعه الإستراتيجي أهمية كبرى بالنسبة للأمن الخليجي والعربي، إذ تمتد سواحله من مضيق باب المندب بالبحر الأحمر حتى خليج عدن بالمحيط الهندي, في ظل تنافس إيران و"تنظيم القاعدة" لإحكام السيطرة عليه, ودلائل انهيار الدولة فيه على نحو يهدد المنطقة برمتها وليس دول الخليج العربي فقط.
وكما تسارعت الأحداث في اليمن مطلع عام 2011م, ضمن ما عُرف بثورات "الربيع العربي", الذي انتهى بالسقوط الشكلي لنظام الرئيس السابق "علي عبدالله صالح" (تُوِّج رئيساً لليمن الشمالي في عام 1978م), فإن عام 2014م, كانت أحداثه متسارعة بشكل عكسي تمددت خلاله جماعة الحوثي بقوة السلاح ودعم إيراني وتواطؤ دولي, على غالبية مساحة الشمال اليمني 150 ألف كيلو متر(إجمالي مساحة اليمن550 ألف كيلو), وابتلعت معها الدولة بمؤسساتها ومعسكراتها وأجهزتها المختلفة.
الجماعة التي خاضت منذ عام 2004م ست حروب ضد القوات الحكومية، وكانت المملكة العربية السعودية طرفاً في إحداها, ظلت متماسكة في محافظة صعدة المحاذية للحدود السعودية، والمعقل الرئيس لمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي, وبررت معاركها بالدفاع عن النفس ضد انتهاكات نظام الرئيس السابق "صالح"، ومن بينها تضييق الخناق على أي نشاط ثقافي ودعوي للمذهب الزيدي (هو أقرب مذاهب الشيعة إلى السُّنة وحكم المنطقة 1000 عام).
وفي عام 2014م ومع اختتام مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي استمر قرابة 10 أشهر, ومشاركتها في نقاشاته للعديد من القضايا بينها قضية صعدة نفسها, دشنت مرحلة جديدة من الحروب ضد أطراف عدة وبمبررات متنوعة، استهدفت تضليل الداخل ودغدغة المجتمع الدولي, وانتهت بالسيطرة على مؤسسات الدولة ومعسكرات الجيش ومعداته، وفرضت نفسها كأمر واقع حتى تمكنت من السيطرة على العاصمة، وتكاد تنتهي من التمدد على كامل المساحة لما كان يعرف قبل وحدة شطري اليمن (عام 1990م) بشمال اليمن.
عراقيل "صالح"
وكانت البلاد قد حصلت على وعود بالدعم الاقتصادي والفني والسياسي بعد سيرها في عملية تسوية سياسية أشرفت عليها دول مجلس التعاون الخليجي سميت "المبادرة الخليجية", وبمباركة ودعم المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي, وبموجبها صعد للرئاسة في فبراير 2012م, النائب السابق لصالح (عبد ربه منصور هادي).
وفشلت حكومة الوفاق الوطني التي تشكلت بموجب المبادرة الخليجية في تكوين ائتلاف يجمع أحزاب المعارضة الرئيسة (اللقاء المشترك ويقودها تجمع الإصلاح الإسلامي)، وحزب الرئيس السابق والحالي (المؤتمر الشعبي), تسببت فيه عدة عوامل، أبرزها بقاء الرئيس "صالح" رئيساً للمؤتمر، ووضعه العراقيل، وعمليات تخريب وتدمير ممنهجة, إضافة إلى اختلالات في أداء الوزراء، بمن فيهم المحسوبون على تيار ثورة الشباب, وهو ما عرقل استيعاب تلك الوعود التي كان للسعودية النصيب الأكبر فيها.
ومنذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء ورفضها تنفيذ اتفاقية السلم والشراكة الوطنية التي وقعت عليها في 21 سبتمبر 2014م, برعاية ممثل أمين عام الأمم المتحدة, وخاصة ما يتعلق بسحب مليشياتها المسلحة من العاصمة صنعاء والمؤسسات والوزارات وإعادة سلاح الجيش المنهوب, توقف ضخ المساعدات؛ ما يهدد اليمن بكارثة اقتصادية لم يعرفها من قبل.
تمدد المليشيات
وتجاوز الأمر ذلك, وتمددت مليشيات الجماعة إلى بقية المحافظات، وسيطرت على المؤسسات والمعسكرات، ونصبت مسؤولين من جانبها بديلاً عن آخرين صدرت بحقهم قرارات إعفاء جمهورية أو رفضوا الانصياع لتوجيهات الجماعة, بل إن كثيراً من رؤوس الأموال الوطنية وليس فقط الأجنبية غادرت البلد، ويلحق أذى الجماعة بممتلكات واستثمارات من تبقى منهم تحت رحمة قرار زعيم الجماعة الذي يديرها من محافظة صعدة بعقلية عبثية وتواصل مباشر مع طهران.
ورغم تبني دول مجلس التعاون الخليجي لمبادرة حسمت ثورة الشباب اليمني السلمية التي أدهشت العالم، كونها في بلد عدد قطع سلاحه أضعاف سكانه, إلا أنها تساهلت أثناء تنفيذ بنود "المبادرة الخليجية" وآلياتها التنفيذية, وألقى الوضع في مصر بظلاله على اهتمام دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، والتي كانت تتوهم أن ضرب قوة حزب الإصلاح اليمني (الامتداد الفكري للإخوان المسلمين) على يد مليشيات الحوثي سيحقق لها ما تتمناه.
خديعة تجاوزت الحدود
لكن دول الخليج لم تتوقع تحول جماعة الحوثي وتحالفها مع "صالح" وتواطؤ الرئيس "هادي", إلى طاووس يظلل بريشه الشائك اليمن ويقوّض دولته الهشة، ويقدمه لقمة سائغة لإيران تهدد من خلاله أمن الجزيرة العربية والخليج، وتتمكن الجماعة من الوصول إلى مضيق باب المندب ممر التجارة الدولية الذي يعبر منه 75% من صادرات النفط الخليجي, إلى جانب منح "تنظيم القاعدة" الفرصة ليجد له مسرحاً واسع المساحة خاصة في الشرق والجنوب ويستهدف من خلاله المملكة العربية السعودية وغيرها.
لقد بدت دول الخليج العربي في قمتها الأخيرة بالعاصمة القطرية الدوحة كمن يصحو متأخراً على وقع ناقوس الخطر الذي يزعج أذنيه، ويهدد أمنه واستقراره, وأعلنت رفضها لسيطرة مليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء وبقية المحافظات، ونهبها لسلاح الدولة وثروات البلد, ووصفت ذلك بالاحتلال، وأكدت ضرورة إنهائه في أقرب وقت ممكن, واتخذت قراراً غير معلن بإيقاف الدعم المالي لليمن، وهو ما حاولت الولايات المتحدة إقناعها بخطره وتمكين الحوثي والجماعات الأخرى بتقويض ما تبقى من دولة ومنع بنائها من جديد.
جماعة الحوثي اعتبرت ما خرجت به قمة الدوحة الخليجية تدخلاً سافراً في الشأن الداخلي اليمني, وواصلت حديثها وتبرير حروبها المتعددة التي لا تتوقف بأنها لتخليص الدولة من الفاسدين ومواجهة التكفيريين و"تنظيم القاعدة", وهي التهمة التي توجهها لكل من يختلف معها, بمن فيهم ناشطو اليسار والتيار القومي، وقبل ذلك قيادات ومنتسبو حزب الإصلاح, وتوج زعيمها ذلك بتوجيه الاتهام للرئيس "هادي" بأنه مظلة للفساد و"القاعدة" والإرهاب.
الرئيس "هادي" فقد غالبية صلاحياته الرئاسية، وصار ممنوعاً من تجاوز الخط الواصل بين منزله ودار الرئاسة، وحُرم حتى من مغادرة البلاد لإجراء فحوصاته الطبية السنوية المعتادة جراء معاناته من مرض القلب, وترفض الجماعة أي قرار يصدره ولا يوافق هواها، وآخره تعيين رئيس لأركان الجيش, وكذلك تمنع أي مسؤول صدر بتعيينه قرار جمهوري في وقت سابق من مزاولة عمله، وفي مقدمتهم محافظو المحافظات وتنصِّب بدائل عنهم.
الحنث بالاتفاقيات
تمارس جماعة الحوثي ومليشياتها مختلف أنواع الانتهاكات والممارسات المتعارضة مع مضمون اتفاق "السلم والشراكة الوطنية", وهو الاتفاق الذي كان يعالج مشكلة سيطرتها على العاصمة صنعاء ومحافظة عمران (المدخل الشمالي لصنعاء), وإيقاف الحرب في محافظة الجوف بين مسلحي الجماعة ورجال القبائل, فيما تجاوزت الاتفاق إلى السيطرة على بقية محافظات الشمال الأكثر كثافة سكانية والتحكم بمنافذ البلاد الجوية والبحرية والبرية.
مؤخراً تزامنت عملية استكمال سيطرة الجماعة على مؤسسات الإعلام التابعة للدولة مع عمليات تحريض واعتداء ضد الإعلاميين المعارضين، وفي المقدمة العاملون في مكاتب قنوات "الجزيرة"، و"العربية"، و"سكاي نيوز"، و"الـBBC عربية" وغيرها, وهناك تحركات مختلفة لإغلاقها بطريقة تبدو قانونية من قبل جماعة صارت رغبات زعيمها وقادة مليشياته هي القانون ذاته, ولا تحتكم لأي قانون آخر.
الانهيار أو النجاة
والآن أصبح اليمن أمام طريقين لا ثالث لهما؛ الأول: هو التشظي التام، وانهيار ما تبقى من دولة، وتنازع جماعات متصارعة عليه، وتحوله لما يشبه "الكانتونات الصغيرة"، ولن يبقى فيه حتى دولتين أو أربع دويلات, وسيبقى منطلَقاً لإيران و"القاعدة" وغيرهما لاستهداف التجارة الدولية ودول الخليج العربي ودولاً أخرى في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.
وطريق ثانٍ: يتمثل في وجود إرادة حقيقية لدى دول الخليج وفي مقدمتها السعودية للتدخل بشكل متنوع للحفاظ على كيان الدولة، وتقوية سلطة الرئيس "هادي" وحكومة الكفاءات التي تشكلت مؤخراً, ونسج علاقات مع أطراف يمنية لها حضور شعبي كشأن حزب الإصلاح الإسلامي الذي أعلن مراراً حرصه على تلك العلاقات ومصالح اليمن وجيرانه، وتأكيده المستمر على أنه حزب يمني خالص وليس امتداداً لأي جماعة أو تنظيم خارج اليمن.