; دولة الخلافة والحركة الوهابية (الحلقة التاسعة والأربعون ) | مجلة المجتمع

العنوان دولة الخلافة والحركة الوهابية (الحلقة التاسعة والأربعون )

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1981

مشاهدات 131

نشر في العدد 512

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 20-يناير-1981

وكان لنشر الدعوة بالبيان بعيدًا عن القسر والرهبة عاملًا مهما في انضمام كثير من القبائل مع الدرعية. 

ذكرنا في الحلقة السابقة كيف بدأ الصراع والاختلاف والخلاف بين الحركة الوهابية في مرحلتها الثانية بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبينا كيف توسعت الحركة جهة الحجاز واستمالت كثيرًا من قبائلها ثم وجد الشريف غالب نفسه مضطرًا لعقد الصلح بينه وبين الأمير عبد العزيز. 

وقد كانت بنود الصلح تنص على الآتي:

 ١- الاتفاق على رسم حدود فاصلة بين نجد والحجاز. 

٢- تعيين تابعية القبائل المرابطة على الحدود لكل من الطرفين. 

٣- السماح لأهالي نجد بدخول مكة لأداء فرائضهم. 

٤- معاملة أولئك الحجاج معاملة حسنة طيبة.

وتم عقد هذا الصلح عام ۱۲۱۳ هـ ـ ۱۷۹۸م وتذكر بعض المصادر أن

هذا هو الصلح الثاني.

وتشعر بنود الاتفاق أنها لصالح الدرعية وأنها تمثل جانب القوة في هذا الاتفاق وسيحقق لها هذا الاتفاق عدة مصالح أهمها:

١- أن الأراضي التي وصلت إليها الدعوة ستكون تحت سلطة الدرعية وتابعة لها. 

٢- تحقيق رغبة أهل نجد وما جاورها من زيارة بيت الله الحرام الذي منعوا من حجته وزيارته منذ أمد بعيد، وقد نودي في مكة بعد عقد الصلح بالأمان وعدم التعرض لآل سعود وإتباعهم باليد أو اللسان. 

وبدأ حجاج نجد فعلًا بدخول مكة عام ۱۲۱۳هـ - ۱۷۹۹م وعلى رأسهم الأمير سعود ومعه الشيخ علي وإبراهيم ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب واستمر الأمير سعود يحج إلى مكة.

٣- سيمكن هذا الصلح نشر الدعوة بسهولة بين القبائل الحجازية بل وفي مكة والمدينة وإذا كانت كثير من القبائل خضعت للحركة الوهابية قسرًا ورهبة فإن هذا الصلح سيترك فرصة جيدة لبيان الدعوة وأسسها وأهدافها. وهذا ما حدث فعلًا فقد اعتنقت بعض القبائل التي كانت تابعة للشريف غالب مبادئ الحركة الوهابية وبدأ سلطان وتأثير الدعوة يصل إلى تهامة وعسير. 

وكانت كل المؤشرات تشير إلى أن الحركة بدأت تستثمر هذا الصلح وتجني من ورائه بسهولة ويسر كثيرًا من المصالح، وبدا واضحًا أن الخاسر فيه هو جانب الشريف غالب ولذلك بدأ الشريف يتخوف من تحركات واتساع الحركة وأخذ يتحين الفرص لنقض الصلح، فاتهم بادئ الأمر الدرعية بأنها تعمل على نقض الصلح وذلك أنها تراسل مشايخ القبائل التابعة له للتخلي عن الشريف غالب، واعتبر الشريف ذلك نقضًا للصلح، فأرسل وفدًا ليطلع الدرعية على حقيقة الأمر كما يراه الشريف وكان على رأس هذا الوفد عثمان بن عبد الرحمن المضايفي. 

وقد تكون اتهامات الشريف على جانب من الصحة فإن الدرعية في ذلك الوقت أولت اهتمامها بالجبهة الغربية من شبه الجزيرة العربية، وليس مستبعدًا أن تراسل زعماء القبائل فيما تريد.

وعلى أي حال فإن الأمير عبد العزيز رد على الوفد بأنه سيعمل على إنهاء مثل هذه الأمور إلا أن الأحداث بعد ذلك عصفت بالصلح كلية. 

فقد وصلت الأنباء إلى الشريف غالب بانضمام كثير من قبائل الحجاز وعلى رأسهم ابن بشار شیخ محايل سعدي وأحمد بن زاهر شيخ بارق وهي من أكبر القبائل مما آثار الشريف غالب واستثار غضبه وعلم يقينًا إلا فائدة من وراء الصلح. 

فطلب من وزيره في «القنفذة» أن يجهز جيشًا لمقاتلة المنضمين للدرعية، فكانت مقتلة كبيرة انتصر فيها وزير الشريف عام ۱۲۱۷ هـ. ١٨٠٢م. إلا أنه لم يتمكن من فرض سيطرته على تلك القبائل فعاودت العصيان فعاود الشريف قتالهم، وتتابع العصيان على الشريف غالب من قبائل جنوب مكة وجنوبها الشرقي، وظل الشريف ينتدب السرايا القتال وكانت كثير منها تبوء بالفشل. وكان ذلك كافيًا بإنهاك قوة الشريف وهيمنته.

أضف إلى ذلك انشقاق عثمان بن عبد الرحمن المضايفي شيخ قبيلة العدوان حول الطائف ووزير الشريف وصهره هذا الانشقاق الذي كان -حقيقة- نهاية قوة الشريف وبداية فتح الطريق لدخول مكة والمدينة من قبل الحركة الوهابية.

وكان هذا الانشقاق نتيجة خلاف بين الشريف وبين عثمان عندما أزمع الشريف غالب على حرب بلدة العبيلة «الواقعة بين تربة والطائف» ولمحاربة القبائل التابعة للدرعية، فنصحه عثمان المضايفي بعدم الإقدام على ذلك الأمر فلم يعره اهتمامًا. واتهمه بممالأة الدرعية وزجره بكلمات أثارت غضبه وثقل عليه ما وجهه له الشريف غالب من الاتهام ففارقه وأعلن عصيانه ودخوله في طاعة آل سعود في الدرعية وسافر إلى الدرعية واستقبل هناك استقبالا كبيرًا وكان «أول ما نطق به عثمان أن قال: يا عبد العزيز بشرني بالإمارة وأبشرك بمكة تملكها وأطلب منك أن تخلي لي المجلس الأمور سأبديها فاختلى معه وحدثه بكلام طاب له وأمره على الطائف»... ونزل بلدة العبيلة وجمع حوله كثيرًا من قبائل الحجاز وأعلنت تلك القبائل خروجها على الإشراف وأرسل عثمان بعد ذلك إلى الدرعية يطلب عونها ضد الشريف غالب وصدرت أوامر الدرعية إلى قوادها في بيشة ورينة وغيرهما بالمسير لمساعدة عثمان المضايفي، ثم زحف عثمان على الطائف حيث كان الشريف غالب متحصنًا بها متأهبًا ومستعدًا لحربهم. فحاصرته قوات عثمان وبقي محاصرًا، وبدأت القبائل تتفرق من حوله فاضطرب الأمر عليه، فنازلته قوات عثمان، فلم يستطع الصمود طويلًا، وقد بلغه أن قوات من الدرعية قد زحفت على مكة فأخلى الطائف وانسحب إلى مكة فزعًا مرعوبًا وبخروجه من الطائف تداعت قوة جيشه المعنوية فترك بعض المكلفين بحراسة الحصون حصونهم، فتمكنت قوات الدرعية من اقتحام الطائف واحتلالها، ثم ضبط عثمان الطائف وسلمت له جميع نواصيه وبواديه فأقرته الدرعية على إمارة الطائف وما يتبعها وكان ذلك عام١٢١٧ هـ ـ ١٨٠٢م. 

وبعد أن تم احتلال الطائف أصبح الطريق مفتوحًا للقوات السعودية لدخول مكة المكرمة فجهزت الدرعية جيشًا كبيرًا بقيادة الأمير سعود، وانضم إلى الجيش القوات التي قامت بالاستيلاء على الطائف. 

وتحركت هذه القوات إلى مكة المكرمة وكان ذلك في موسم الحج حيث تجمع في مكة كثير من الحاج الشامي والمصري والمغربي وغيرهم وحاول الشريف استمالتهم للحرب معه ضد الحركة الوهابية وكادوا يخرجون معه إلا أنهم أثروا بعد ذلك الرجوع إلى بلادهم فغادروا مكة بعد الحج وكذلك غادرها صنجق جدة ومن معه من الحامية العثمانية التابعة لجدة.

فوجد الشريف غالب نفسه وحيدًا في مكة وقد أحاطت به الجيوش التي لا طاقة له إزاءها فلم يكن له بد من الخروج من مكة والتوجه إلى جدة.

وترك أمر مكة بيد أخيه عبد المعين، فكتب عبد المعين كتابًا إلى الأمير سعود ما عرضه له طاعته واستعداده لتسليم مكة على أن يستبقيه في شرافتها، وحمل إليه هذا الكتاب وفد من علماء مكة فاجتمع هذا الوفد بالأمير سعود في معسكره في وادي السيل بين الطائف ومكة، فقبل الأمير ما عرض عليه الشريف عبد المعين وزود الوفد بكتاب أمان عام لأهل مكة ضمنه موافقته على بقاء الشريف عبد المعين في شرافة مكة، وسنتعرض لهذا البيان فيما بعد. وعلى أثر ذلك دخل سعود مكة المكرمة في ۸ محرم ۱۲۱۸ هـ - ١٨٠٣ م وبعد أن استتب الأمر للأمير سعود في مكة زحف بجيشه إلى جدة فوجدها محصنة تحصينًا قويًا وطوقت بخندق حولها، فحاصرها عدة أيام فلم يفز منها بشيء فتركها وعاد إلىمكة ومنها رجع إلى الدرعية.

ولما علم الشريف غالب بارتحال الأمير سعود إلى الدرعية خرج بجيشه قاصدًا مكة فتحصن بعض الجيش من قبائل نجد في قلعة جياد والبعض الآخر في بستان الشريف غالب بالحصب، فدخل الشريف غالب مكة دون معارضة من أخيه عبد المعين، واحتلها وأرسل بعض جنده لحصار قلعة جياد وبستان المحصب ودام الحصار نحو خمسة عشر يومًا، ثم فر بعض المحاصرين من تلك القلعة والبستان بعدما قدمت المدافع بعض جدرانها فاقتحمها جند الشريف غالب، واستسلم لهم من بقي فيهما من جند الدرعية.

ثم زحف جند الشريف إلى الطائف فحاصرها ولكنه فشل في هذا الحصار ولما – وصل نبأ استرداد الشريف غالب لمكة المكرمة إلى الدرعية كان الأمير عبد العزيز في هذه الأثناء قد اغتيل بيد أحد الأكراد وذلك عام ١٢١٨ هـ ـ ١٨٠٣م واستلم من بعده ابنه سعود أمر البلاد.

وأصدر الأمير سعود أوامره إلى عبد الوهاب أبو نقطة أمير المع وعسير ونواحي تهامة بأن يسير إلى جدة ليكون قائدًا عامًا للجيوش السعودية التي أعدت الحرب الشريف غالب، وتمكنت القوات السعودية من هزيمة قوات الشريف غالب 

وواصلت قوات الدرعية التقدم جهة مكة وحاصرتها حصارًا قويًا وسدت الطرق المؤدية  لها حتى ساعت الأحوال في مكة وعم الجوع واشتد الغلاء حتى فضل معظم السكان الهروب والالتجاء إلى الجيوش السعودية بل دخل كثير من الأشراف في طاعة آل سعود. 

ولم يعد يوجد في مكة القوة الكافية للدفاع عنها، وأدرك الشريف أنه لم يعد قادرًا على تفادي دخول قوات الأمير سعود فأرسل يطلب الصلح، وعلى أثر هذا الصلح دخل الأمير سعود مكة منتصرًا.

ولما تمكن سعود من مكة المكرمة كان من السهل عليه أن يدخل المدينة المنورة فدخلتها جيوشه عام ۱۲۲۰ هـ وبايعه أهل المدينة – كما بيناه في مقال سابق.

الرابط المختصر :