العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة.. التوسع الحقيقي للحركة الوهابية
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1980
مشاهدات 146
نشر في العدد 499
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 30-سبتمبر-1980
الحلقة السابعة والثلاثون
• كانت حجة سعود بن عبد العزيز الأولى حافلة، حيث جمع معه أهل نجد والجنوب والإحساء والبوادي وغيرهم، وكانت حجتهم حافلة بالقوة والشوكة وكانت هذه الحجة استعراضية واستطلاعية لقوة الحركة الوهابية
• دخلت جيوش سعود المدينة المنورة عام 1220 ه وبايع أهل المدينة سعودًا وهدمت جميع القباب التي على القبور والمشاهد
يعتبر التوسع الحقيقي للحركة الوهابية والوجود الفعلي للدولة السعودية الأولى حينما غزت الرياض ومن بعدها مكة والمدينة، ووصلت الجيوش السعودية إلي جنوب العراق وجنوب بلاد الشام، وكان هذا التوسع مؤشرًا ودلالة جديدة فإن دولة الخلافة الإسلامية يهمها خصوصًا في حالة ضعفها أن تبقى لها سيطرة - ولو اسمية - على الحجاز، فكانت حريصة على عدم الصدام، ولذلك فقد تركت إدارة البلاد الحجازية منذ دخلت تحت طاعة الدولة العثمانية بيد أسرة قتادة التي حكمت تلك الديار فعليًا، من عام.. وكانت سلطة إشراف مكة تعود إلى عسير التي تخضع لحكم الأسرة الزيدية، وكثيرًا ما كان يقع القتال بين أسرة عسير وأشراف مكة والمدينة، والذي يهمنا هنا مرحلة تلك المنطقة المكرمة في إبان ظهور الحركة الوهابية فلنلق الضوء يسيرًا عليها.
كانت الحجاز في تلك الفترة بيد أحمد بن سعيد، والذي كان يكره العثمانيين بسبب واليهم محمد أبو الذهب حاكم مصر، الذي كان قد عزله من شرافة مكة، وولى مكانه غيره، إلا أن أحمد هذا قد قام على خلفه وقتله، وتمسك لنفسه بالشرافة، فالتقى بهذا مع السعوديين على خصومة العثمانيين، فسمح لأهل نجد بالحج عام 1183 ه وكانوا قبل ذلك قد منعوا بسبب الدعوة الوهابية، وبعد ثلاثة أعوام ثار الأشراف في مكة على أحمد بن سعيد وعزلوه، وولوا مكان الشريف سرور بن مساعد الذي استمر شريفًا في مكة 1186 - 1202 ه، وتوفى الشريف سرور بن مساعد عام 1202 ه، فخلفه أخوه عبد المعين بن مساعد، ولكنه لم يلبث سوى يوم واحد حتى اعتزل الأمر، وتنازل لأخيه الآمر غالب بن مساعد، ولكن الشريف غالب اختلف مع الحركة الوهابية.
ولقد عزم سعود بن عبد العزيز على فتح مكة، فمهد لذلك بحجتين في عهد والده، ففي سنة 1214 حج سعود بن عبد العزيز حجته الأولى، وجمع معه غالب أهل نجد والجنوب والإحساء والبوادي وغيرهم، وكانت حجة حافلة بالقوة والشوكة بخيلها وجيشها وأثقالها ورجالها، وقضوا حجتهم على أحسن الأحوال، ولم ينلهم مكروه ورجعوا سالمين، وكانت هذه الحجة استعراضية واستطلاعية لقوة الحركة الوهابية، ثم حج حجته الثانية وكانت كالأولى والتقى فيها الشريف غالب في مكة.
وفي سنة 1217 اختلف غالب الشريف وعثمان بن عبد الرحمن المضيافي، وخرج عثمان من مكة ونابذ الشريف، ووفد على عبد العزيز وبايعه على دين الله ورسوله والسمع والطاعة، وعلى إثر ذلك حصلت حرب بين غالب الشريف وكان في الطائف وقتها، وبين عثمان المضيافي استطاع عثمان دخول الطائف وفر غالب إلى مكة، وقرر عبد العزيز ولاية عثمان على الطائف، واستعمله أميرًا عليها وما جاورها.
وفي إثر هذه الوقعة أمر سعود بن عبد العزيز على جميع النواحي، وسار بجيشه إلى الروضة قرب الزلفى، فأقام فيها أيامًا حتى اجتمع إليه البوادي فرحل منها قاصدًا الحجاز، ونزل العقيق الوادي، وكان ذلك وقت الحج وكانت الحواج الشامية والمصرية والمغربية وأمام مسقط وغيرهم في مكة وهم في قوة هائلة وعدة، فهموا بالخروج إلى سعود والمسير إلى قتاله ثم تخاذلوا وانصرفوا إلى أوطانهم، وفر غالب الشريف إلى جدة هو وأتباعه من العساكر وحمل خزائنه وذخائره وبعض أمتاعه وقوته.
ودخل سعود مكة بعدما أحرم ومن معه، فاستولى عليها وأعطى أهلها الأمان وبذل فيها من الصدقات والعطاء لأهلها شيئًا كثيرًا، فلما فرغ سعود ومن معه من الطواف والسعي، فرق أهل النواحي يهدمون القباب التي بنيت على القبور والمشاهد الشرقية، وكان في مكة من هذا النوع شيء كثير في أسفلها وأعلاها ووسطها وبيوتها، فأقام فيها أكثر من عشرين يومًا ولبث أتباعه في تلك القباب بضعة عشر يوما يهدمون ويباكرون إلى هدمها كل يوم، حتى لم يبق في مكة شيء من تلك المشاهد والقباب إلا أعدموها وجعلوها ترابًا.
ثم رحل سعود من مكة واستعمل عليها أميرًا عبد المعين بن مساعد الشريف، واتجه إلى جدة قبل أن يحصنها غالب الشريف، وحاصرها أيامًا فوجدها محصنة بسور حصين وخندق دونه، فرحل منها ورتب جندًا من أتباعه في قصر من قصور مكة ورجع قافلًا إلى الدرعية.
ولم تهدأ الحروب بين غالب الشريف وآل سعود بل استمرت الحروب مدة طويلة حتى 1228 ه.
أما المدينة المنورة فقد دخلتها جيوش سعود عام 1220 ه وبايع أهل المدينة سعودًا، وهدمت جميع القباب التي على القبور والمشاهد.
وأما ظهور قوة الحركة الوهابية والدولة السعودية الأولى في بلدان العراق والشام، فيروي ابن بشر في أحداث سنة 1216 أن الأمير سعود سار بالجيوش قاصدًا كربلاء، ونازل أهل بلد الحسين، فحشد عليها المسلمون وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة، وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين، وأخذوا ما في القبة وما حولها وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر، وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت والجواهر، وأخذ جميع ما وجد في البلدان من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة، وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر، ولم يلبثوا فيها إلا صحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال، وقتل من أهلها قريب ألفي رجل، ثم ارتحل سعود قافلًا إلى وطنه.
وفي سنة 1218 غزا سعود البصرة والزبير مرة ثانية.
وفي سنة 1222 سار أيضًا سعود بجيوشه ناحية العراق إلى كربلاء والبصرة للمرة الثالثة.
وفي سنة 1225 سير جيوشه جهة الشام إلى المزيريب وبصرى، وغنم غنائم كثيرة وقتل من أهل الشام عدة قتلى، وحصل في الشام رجفة ورعب عظيم من تلك الغزوة.
ومما لا شك فيه أن هذا التوسع الفعلي للحركة والدولة السعودية يعني أشياء كثيرة بالنسبة لدولة الخلافة، فشرعت دولة الخلافة في أخذ الاستعدادات لمواجهة وضرب الحركة الوهابية والقضاء على الدولة السعودية.
ووقع اختيار دولة الخلافة على محمد علي، كي يقوم بهذه المهمة وهو اختيار جيد، لأن الولاة في العراق والشام ليسوا قادرين- حقيقة- على مواجهة الحركة الوهابية ممثلة بالدولة السعودية إلا أن هذا الاختيار سيعطي محمد علي قوة ومكانة، حين انتصاره على الحركة، ربما يزيد بعد ذلك من طموحاته في السيطرة والتوسع، ورغم ذلك فإن الاختيار يبقى جيدًا ومناسبًا، فأعطى الخليفة العثماني محمد علي ولاية جدة، وكان قد وصل في هذه الأثناء إلى مركز الخلافة السلطان محمود الثاني، وكلف بعد ذلك محمد علي بالقضاء على الحركة الوهابية، فأرسل أول حملة عام 1226 بقيادة ابنه أحمد طوسون في حملة قوامها 8000 من المشاة، وقد انتقلوا عن طريق البحر، و2000 من الفرسان، وقد ساروا عن طريق البر، ووصلت الحملة البحرية إلى ينبع واحتلتها، وانحاز الشريف غالب إلى الحملة، ووضع إمكاناته تحت تصرفها، وأشار على الحملة أن تتجه إلى المدينة المنورة فانطلقت نحوها واحتلت بدرًا، وتابعت نحو الصفراء فالتقت جيش عبد الله بن سعود وكان معه خمسة عشر ألفًا من المقاتلين، وفي اللقاء الأول في الصفراء هزم طوسون إلا أن السعوديين لم يتعقبوه، مما جعله يأخذ شيئًا من الراحة أولًا ثم تصل إليه النجدة التي طلبها، وتقدم جيشه نحو المدينة واستطاع دخولها عام 1227 بعد أن حاصرها مدة من الزمن، ثم توجه نحو مكة المكرمة فدخلها عام 1228 بالاتفاق مع الشريف غالب ثم جاء محمد علي بنفسه إلى جدة ومنها توجه إلى مكة واستخدم الشريف غالب في معظم أموره ثم قبض عليه، وأمر بنقله إلي مصر ومنها إلى سالونيك، حيث بقي فيها حتي مات عام 1231 وأرادت الجيوش المصرية التوسع نحو نجد وعسير إلا أنها هزمت في الحناكم شرقي المدينة المنورة، كما هزمت الحملة التي اتجهت نحو عسير، إلا أن خضوع الحجاز للحملة لم يكن كافيًا، لأن قوة الدولة السعودية كانت قادرة على رد وتحجيم أي تحرك خارج مكة والمدينة، ولما توفى سعود بن عبد العزيز وولي مكانه ابنه عبد الله عام 1229 رأى محمد علي أن يكسر الحصار، وأن ينتهي أولا من عسير، ثم يلتفت إلى نجد، فطرق عسير من الشمال والغرب، ولكن جيوشه هزمت على كلتا الجبهتين، كما وصلت جيوش نجد إلى شرق الطائف، وكانت بقيادة فيصل بن سعود إلا أنها هزمت أمام المصريين هزيمة منكرة، إذ جاءتهم نجدة على رأسها محمد علي باشا بنفسه، فاستغل والي مصر هذه الهزيمة وبدأ يطارد خصومه، ويشن حربًا لا هوادة فيها على القرى ما جعلها تستسلم لمجرد اقترابه منها فتقدم في بلاد شهرين وانتصر علي عسير، وفي هذه الأثناء كان طوسون في المدينة فتقدم أيضًا نحو الشرق، ووصل إلى بلدة الرس واستقر في الخبرا حتى جاءت جيوش عبد الله بن سعود إلا أن صلحًا تم بين الطرفين وعرف باسم صلح الرس، وينص على:
- أن تضع الحرب أوزارها بين الطرفين.
- انسحاب المصريين من نجد ويستقل آل سعود بحكمها.
- يبقى الحجاز تحت حكم محمد علي يسيره باسم العثمانيين.
- عدم اعتراض سبيل أي حاج من الطرفين.
- تأمين النقل في نجد وبينها وبين الشام ومصر وتركيا والحجاز.
وبموجب هذا الصلح رحل المصريون عن نجد، وسافر طوسون إلى مصر، إلا أن محمد علي قد رفض الصلح وسير حملة بقيادة ابنه الكبير إبراهيم باشا، والتقى الطرفان فانتصر المصريون في المعركة الأولى في شرقي المدينة، ثم دخلوا الخبرا والرس وعنيزة بعد معارك جانبية، ثم وصلوا إلى الدرعية، ورغم دفاع أهلها المستميت، فقد اضطر عبد الله بن سعود إلى التسليم وقبول الصلح في 7 ذي القعدة سنة 1233 ه الموافق 9 سبتمبر 1818 م فأوقف القتال وأتى عبد الله إلى إبراهيم باشا، وبعد المقابلة قبل عبدالله تسليم الدرعية بشرط عدم التعرض للأهالي بسوء، والسفر إلى الأستانة، ورد ما أخذه آل سعود من مكة والمدينة، ودخل إبراهيم الدرعية وأمر أسرتي آل سعود وآل الشيخ بالرحيل إلى مصر، فرحلوا إلا من اختفى منهم، وهدم مدينة الدرعية وقطع نخيلها وخربها، وأرسل عبد الله إلى الأستانة من طريق مصر، ووصل مصر في 17 محرم 1234 وقابل محمد علي باشا ثم سافر إلى الأستانة، وقتل بالقسطنطينية بمجرد وصوله عام 1818.
وبعد أن هدأت الحال في بلاد الحجاز ونجد سافر إبراهيم باشا راجعًا إلى مصر في صفر 1235 الموافق 10 ديسمبر 1819.
وهكذا انتهت الدولة السعودية الأولى بعد أن دامت ستًا وسبعين سنة، وبزوالها تقلصت قوة الحركة الوهابية في جانبها الجهادي، وعادت الإمارات الصغيرة إلى نجد.
وعادت الإحساء ذات كيان خاص، أما أشراف مكة فكانوا يتبعون محمد علي والي مصر، أما عسير فقد عادت إلى حكم الأسرة اليزيدية.
ولعل هذه العجالة في تاريخ الحركة الوهابية وتوسعها جهة العراق والشام وسيطرتها على الحجاز، وما أعقب ذلك، يعطينا صورة كافية نتمكن من خلالها من تقويم خطوات الحركة.
في الجانب المنهجي وهذا ما مثلته مقالات سابقة، والجانب الواقعي والممارسة العملية، وهذا ما يكمل تمثيله هذا المقال، وبهذا نكون متهيئين للتقويم المنهجي والواقعي، وهذا ما نفعله في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى.