العنوان بيت المقدس بين الأطماع الصهيونية والعجز العربي
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 05-أكتوبر-2002
مشاهدات 105
نشر في العدد 1521
نشر في الصفحة 49
السبت 05-أكتوبر-2002
معالم على الطريق
تأتي ذكرى بيت المقدس فتطل على أصناف من البشر وألوان من الناس، تبارك هذا وتلعن ذلك، وما هذا إلا لأنهم يقفون منها مواقف شتى: منهم من يريد وأدها، ومنهم من يفتح لها قلبًا ويفديها بالمهج والأرواح، وبالنفس والنفيس أما من يريد وأدها، فهم أعداء الأمة الذين يعلمون خطرها وقوتها وبعثها للهمم والنفوس هم من يعلمون أن هذه الذكرى تأبى إلا أن تظل خفاقة عالية ترسل أشعتها في أرجاء الأمة تلملم أوصالها وتبعث رقادها وتوقظ وسنانها، وأما من يفتح لها قلبًا ويفديها بالمهج والأرواح، فهؤلاء هم ذلك الشباب الناهض الذي رضع لبان أمته وشرب شهد رسالته وطعم رحيق عقيدته، وهم قلة صامدة، وفتية صابرة وطبيعة مجاهدة، يذوبون في محيطات القوة الغادرة وبحور الخيانة السادرة، وأوحال الترهلات الخائرة العاجزة التي تحيا حياة السائمة والهوام تسام الخسف وتراق الدم ولا تحس لها نخوة أو تسمع لها ركزًا.
أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة *** تمر بي الموتى يهز نعوشها
وهل أنا إلا مثلهم غير أنني *** بقايا ليال في الزمان أعيشها؟
ويجب أن يعلم هؤلاء أن الحقوق لا تؤخذ إلا بالسواعد الفتية، وأن المغتصب لا يؤخذ إلا غلابًا، وأن الكلمة التي يراد لها أن تتحقق لا بد لها من عزم وسلاح وقوة.
من كان ذا عضد يدرك ظلامته *** إن الذليل الذي ليست له عضد
جاء اليهود إلى فلسطين قلة ولكنهم مدربون منظمون مسلحون محميون من الاستعمار، وعاش العرب في فلسطين كثرة غير مدربة ولا مدركة للخطر ولا منظمة، يتآمر عليهم السلطات الأجنبية والعربية، نعم مع هؤلاء الغافين عواطف الشعوب بمن فيهم العلماء والصلحاء الذين تتفطر قلوبهم وتسيل مدامعهم، فيصدرون الفتاوى ويقيمون المؤتمرات لنصرة القضية، ولكن أين السميع والمجيب من أولي الأمر، ومن يملك التنفيذ ويقود الجموع والجيوش ويعد للأمر عدته لقد صدرت الفتاوى من العلماء في جميع أنحاء العالم الإسلامي وعلى رأسهم الأزهر بجميع علماء مذاهبه على وجوب الجهاد فاجتمعت لجنة الفتوى بالجامع الأزهر يوم الأحد ١٨ جمادى الأولى ١٣٧٥هـ الموافق أول يناير ١٩٥٦م برئاسة الشيخ حسنين محمد مخلوف عضو جماعة كبار العلماء، ومفتي الديار المصرية سابقًا، وعضوية الشيخ عیسی منون عضو جماعة كبار العلماء وشيخ كلية الشريعة سابقًا (الشافعي المذهب)، والشيخ محمد شلتوت عضو جماعة كبار العلماء (الحنفي المذهب) والشيخ محمد الطنيخي عضو كبار العلماء ومدير الوعظ والإرشاد (المالكي المذهب)، والشيخ عبد اللطيف البكي عضو جماعة كبار العلماء ومدير التفتيش بالأزهر (الحنبلي المذهب)، وبحضور الشيخ زكريا البري أمين الفتوى، ونظرت في الاستفتاء الآتي وأصدرت فتواها التالية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد اطلعت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف على الاستفتاء المقدم إليها عن حكم الشريعة الإسلامية في إبرام الصلح مع إسرائيل التي اغتصبت فلسطين من أهلها وأخرجتهم من ديارهم وشردتهم،- نساء وأطفالا وشيبًا وشبانًا - في آفاق الأرض واستلبت أموالهم واقترفت أفظع الآثام في أماكن العبادة والآثار والمشاهد الإسلامية المقدسة، وعن حكم التواد والتعاون مع دول الاستعمار التي ناصرتها وتناصرها في هذا العدوان الأليم وأمدتها بالعون السياسي والمادي لإقامتها دولة يهودية في هذا القطر الإسلامي بين دول الإسلام، وعن حكم الأحلاف التي تدعو إليها دول الاستعمار والتي في مراميها تمكين إسرائيل ومن ورائها الدول الاستعمارية وتفيد اللجنة أنه يجب على المسلمين أن يعينوا المجاهدين بالسلاح وسائر القوى على الجهاد في هذا السبيل. وأن يبذلوا فيه كل ما يستطيعون حتى تظهر البلاد من آثار هؤلاء الطغاة المعتدين.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠)، ومن قصر في ذلك أو فرط فيه أو خذل المسلمين عنه أو دعا إلى ما من شأنه تفريق الكلمة وتشتيت الشمل والتمكين لدول الاستعمار والصهيونية من تنفيذ خططهم ضد العرب والإسلام وضد هذا القطر العربي الإسلامي فهو - في حكم الإسلام - مفارق جماعة المسلمين ومقترف أعظم الأنام، حيث يعلم الناس جميعًا أن اليهود يكيدون للإسلام وأهله ودياره اشد الكيد منذ عهد الرسالة إلى الآن، وأنهم يعتزمون ألا يقفوا عند حد الاعتداء على فلسطين والمسجد الأقصى، وإنما تمتد خططهم المدبرة إلى امتلاك البلاد الإسلامية الواقعة بين نهر النيل والفرات؟
وقد أشار القرآن الكريم إلى أن موالاة الأعداء إنما تنشأ عن مرض في القلوب يدفع أصحابها إلى هذه الآلة التي تظهر بموالاة الأعداء، فقال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)﴾ (المائدة: ٥٢).
وكذلك يحرم شرعًا على المسلمين أن يمكنوا إسرائيل ومن ورائها الدول الاستعمارية التي كفلت لها الحماية والبقاء من تنفيذ تلك المشروعات التي يراد بها ازدهار دولة اليهود وبقاؤها في رغد من العيش وخصوبة في الأرض، حتى تعيش كدولة تناوئ العرب والإسلام في أعز دياره وتفسد في البلاد أشد الفساد، وتكيد للمسلمين في أقطارهم، ويجب على المسلمين أن يحولوا بكل قوة دون تنفيذها، ويقفوا صفًا واحدًا في الدفاع عن حوزة الإسلام وفي إحباط هذه المؤامرات الخبيثة التي من أولها هذه المشروعات الضارة، ومن قصر في ذلك أو ساعد على تنفيذها أو وقف موقفًا سلبيًا منها فقد ارتكب إثمًا عظيمًا.
وبعد: فهل أفادت هذه الفتاوى - وغيرها الكثير - في رد الاعتداء بغير قوة وسلطان فاعل؟ وهل تستطيع اليوم المؤسسة الدينية أن تصدر مثل هذه الفتوى، أم أنها تتهم بالتحريض وتهييج الجماهير؟ وهل تستطيع شعوبنا اليوم أن تذهب إلى فلسطين كما ذهبت أول الذكية، ولماذا أظن أن الأيام ستجيب عن كل هذا قريبًا إن شاء الله.