العنوان قضايانا الاقتصادية في ضوء مؤتمر القمة الإسلامي الخامس
الكاتب محمد العبيد
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1987
مشاهدات 68
نشر في العدد 802
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 27-يناير-1987
•
الدول الإسلامية تستورد ٧٥% من غذائها في وقت أصبح فيه
الأمن الغذائي في مقدمة أمن الوجود والبقاء.
•
لابد من تكامل الدول الإسلامية لإقامة صناعات تنموية تستوعب كل
الأدمغة وتوفر لها أجواء العمل العلمي.
•
بسبب الأزمة الاقتصادية الدولية العالم الإسلامي يعاني عمومًا من
التباطؤ في النمو الاقتصادي منذ بداية الثمانينيات.
في
محاولة لاستجلاء ما يمكن أن يأتي من مقررات تتجه أنظار الأوساط العالمية -وفي
تتبع دقيق- إلى الكويت والقمة الإسلامية التي تشهدها هذه الأيام وتشارك هذا
التوجه العالمي آمال واسعة تعقدها الشعوب الإسلامية في كل أنحاء المعمورة راجية
تحقيق أهداف طالما تشوقت إلى طرحها على مائدة البحث من قبل أكثر من قمة إسلامية أو
عربية سلفت، ووسط هذه الأجواء المشحونة بالترقب والآمال تأتي قمة الكويت كواحدة من
أهم القمم الإسلامية والدولية حيث تعاظمت التحديات الإقليمية على المستوى الإسلامي
وفي ظل ظروف دولية بالغة التعقيد على جميع المحاور السياسية والاقتصادية
والاستراتيجية والثقافية ومما يضاعف في إنعاش آمال نجاح القمة في تجاوز كثير من
الإشكالات وتوجه حلولها هو تلك النظرة الكويتية الرسمية للأحداث والتي تتسم
بالتعقل والاتزان والواقعية مما يضفي على المؤتمر طابعًا متزايدًا في الأهمية.. وإذا
كانت المشاكل السياسية تشغل حيزًا هامًا في جدول أعمال مؤتمر القمة فإن القضايا
الاقتصادية تأخذ ذات الأهمية لما تمتاز به من صفات استراتيجية طويلة الأمد ولصلتها
الوثيقة بما سواها من إشكالات أضف إلى ذلك ضيق نطاق الخلاف حولها.. فهل يستطيع
المؤتمر أن يصنع مزيدًا من الإنجازات في المجال الاقتصادي؟
الإنتاج والتكامل
تصنف الدول الإسلامية عمومًا في نطاق دول العالم الثالث أو الدول
النامية، وهي تسمية لا تخلو من التفاؤل، فإذا استثنينا الدول النفطية فإن
مجموعة الدول النامية بما فيها الإسلامية تعوزها القدرة على مواجهة مشاكلها دونما
أخذ معونات من الدول الصناعية المتقدمة، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى تدني مستوى
الإنتاج فيها عما عليه في الدول المتقدمة كما يتسم هذا الإنتاج بكثير من عدم
التوازن بين السلع الاقتصادية والاستهلاكية مما ساعد على إحكام القبضة عليها من
قبل الدول الصناعية، خاصة إذا ما علمنا أن معظم هذا الإنتاج (زراعي أو استخراجي)
يعد للتصدير على شكل مواد خام ويتضح عدم التوازن في الإنتاج في أن الدول الإسلامية
تستورد 75% من غذائها في وقت أصبح فيه الأمن الغذائي يأتي في مقدمة أمن
الوجود والبقاء نفسه فالقمح في عالم اليوم أكثر أهمية من أي سلاح استراتيجي آخر
بفضله تسقط الأنظمة وتأتي البدائل.. في الوقت الذي لا تزرع فيه الدول
الإسلامية أكثر من 7% من أراضيها بأساليب ينقصها الاستخدام الأمثل
للإنتاج مع عدم الاستفادة من التقدم العلمي في تذليل المعوقات.
ولا نرى أن نعيد للأذهان الجوانب الفنية المتعددة وإنما نذكر بأن الأوضاع
الاقتصادية في حاجة ماسة للقرار السياسي لتتحول بموجبه مصادر الإنتاج الطبيعية إلى
عناصر فاعلة تدعم الاقتصاديات القائمة.. ولكي نحصل على متطلباتنا
الحيوية من الكفاية الإنتاجية:
1- توفير مصادر تمويلية: في إطار إحداث تنمية زراعية في
البلاد الإسلامية فلابد أن تتكامل عناصر الإنتاج وأكثر الدول قابلية لإقامة إنتاج
واسع في المجالات الزراعية تفتقد بشكل رئيسي عنصر التمويل ويمكن أن يتم هذا في
إطار استراتيجية شاملة يتبناها المؤتمر الإسلامي من أجل تخطيط وتنسيق وتمويل
مشاريع التنمية الزراعية في الدول ذات الإمكانات الوافرة في هذا المجال وهنا تأتي
ضرورة التنسيق بين الهيئات المماثلة داخل وخارج منظمة المؤتمر الإسلامي مثل البنك
الإسلامي للتنمية والمؤسسة العربية للتنمية الزراعية ونحوها والتمويل يعد في حد
ذاته استثمارًا طويل المدى للدول النفطية ذات الفوائض المالية وتوطينًا حقيقيًا
للرساميل العربية المغتربة.
2- تبادل الإنتاج: وفقًا للأوضاع التجارية الدولية القائمة
تحظى الدول الصناعية المتقدمة بإمداد دائم من المواد الزراعية الأولية وبأسعار
متدنية وغير متكافئة مع ما تصدره هذه الدول من مصنعات ويقع غبن هذا التطفيف في
الموازين التجارية في المقام الأول على الدول الإسلامية المنتجة لهذه المواد؛
فأسعار السكر والقطن وجوز الهند والكاكاو والحبوب الزيتية وغيرها من منتجات الدول
الإسلامية النقدية قد فقدت بريقها الإنتاجي بعد أن سيطرت الدول الصناعية على زمام
التبادل فيها وأضحت نافقة الأسعار، ولذا فإن الدول الإسلامية مطالبة بقدر ما وقع
عليها من إجحاف دولي بأن تقيم صناعة تحويلية حتى تتحاشى تصدير كل المادة بشكل عام
وتوزيع الأدوار في هذا المجال يمكن أن يكون أكثر فعالية خاصة إذا علمنا أن السوق
الإسلامية تستورد معظم المصنفات المتولدة من كل المواد الخام وبأسعار
باهظة..
ونذكر هنا بضرورة إنشاء سوق إسلامية مشتركة مما تتاح معه فرصة التحكم في
منتجاتنا الاقتصادية في مقابل التكتلات الدولية التي تبسط سيطرتها على الأسواق
الدولية كما هو الحال في السوق الأوروبية المشتركة ومنظمة الدول الاشتراكية «الكومكون».
وهنا لابد من إعادة النظر في التعريفة الجمركية السائدة الحين بين الدول
الإسلامية كما أن مستوى التبادل التجاري القائم يمثل وضعًا لا يتناسب والتحديات
الاقتصادية الدولية إذ إن السلع الإسلامية لا تمثل أكثر من 11% بين الدول
الأعضاء.
3- تكامل الخبرة: إن هناك واقعًا يحتم علينا الاعتراف به ومن
ثم العمل على تلافي مسبباته ونتائجه وهو القناعة النفسية التي تصل إلى حد الاستلاب
الذهني تجاه الغرب الصناعي وقد ساعد هذا الشعور بتصاعد الفجوة بيننا وبين التنمية
مما جعل الدول الإسلامية عمومًا تتجه إلى نقل خبرات الغير التكنولوجية والفنية حتى
ولو توافر لبعضها قسط يكفي حاجتها وقد تولد من هذا ما يعرف بظاهرة هجرة العقول حيث
تبدع العقلية المسلمة خارج وطنها مما وفر للغرب عمالة فنية مقتدرة دون إعداد منه
وبذلك كان كسبه مزدوجًا فهو يعد بعض فنييه للتصدير وفي ذات الوقت يقدم إليه الآلاف
دون دعوة منه للعمل وهنا لابد من تكامل الدول الإسلامية لإقامة صناعات تنموية
تستوعب تلك الأدمغة وتوفر لها أجواء العمل العلمي وبذلك تدعم الاحتفاظ بقوتنا
العلمية والاستفادة منها.
التنمية والثورة الصناعية
الأصل في إحداث التنمية هو إيجاد المنظم المقتدر على إعادة تشكيل عناصر
الإنتاج وفقًا لنواتج أفضل وهذا المنظم هو الإنسان فهو مرتكز العملية
الإنتاجية وجوهر أهدافها ولا يمكن أن تتم أي تنمية ما لم توجد إنسان التنمية
والحضارة وهو بناء جد شاق تنوء بحمله الأزمنة والأمكنة غير أن الأمة الإسلامية تجد
فيها كل عناصر إعادة تشكيل إنسان البناء والحضارة من توجهات الصدق في الإتقان وحب
العمل والتفاني من أجل الآخرين وحب الخير والحق حتى مع الأعداء، وكل هذه المبادئ
تنظر إلى وضعها في قوالبها العملية وفي سبيل إقامة مجتمع حديث تقوده مبادئ العدل
وتظلله نواتج الكفاية والوفرة لابد من إعادة مناهج العمل الاقتصادي وتوسيع دائرة
الاستثمار الإنساني لخلق شخص الحضارة الإسلامية وهذا لا يتم ما لم تبدأ الخطوات
العملية في إقامة مراكز التدريب العلمية والعملية والاستفادة بقدر الإمكان من
الإمكانات المتاحة في الجامعات والمعاهد العلمية ومؤسسات البحوث من أجل تقويم
الخطوات التنموية والتأثير المباشر على مناهجها من واقع ما تحمله من فكر إسلامي
يدعو للاتساق بين المقولة والفعل فالأمة الإسلامية مازالت تشكو حالة التنازع
والازدواج الفكري والنفسي وهي تتوزع بين ما تعتقد من فكر هو صميم أصالتها وما
تمارس من أوضاع التبعية للغرب مما وقع معه هذا الفصام النكد بين النخبة المتغربة
والجماهير الأصيلة، فالثورة الصناعية وتحقيق التنمية بالطبع ليس عملية
تكتيكية محدودة ولطالما استغرقت قوانا العمليات الهامشية وشغلت ذهنيتنا عن التحول
الشمولي في ابتداع ما ينسجم مع توجهاتنا العقائدية والنفسية وأكبر دليل على عدم
جدوى أساليب التوجه الاقتصادي الغربي منه والشرقي في بلداننا هذا الإجماع الكلي
على عدم الخروج من وهدة الدول النامية (المتخلفة)، وفي الإحصائيات
الدولية لعام ١٩٨٦ أن هناك عشر دول مقبلة على مرحلة الخروج من العالم الثالث إلى
حظيرة الدول المتقدمة الصناعية وهي: البرازيل، الأرجنتين، شيلي، يوغسلافيا، كوريا،
سنغافورة، تايوان، تايلاند، وهونج كونج، وهي لا تشتمل على أي دولة من الدول
الإسلامية بل إن الأزمات التي تعاني منها دولنا لهي أكبر دليل على فشل الخطى
الغربية في إقامة ما تصبو إليه من تقدم وكفاية وعدل، والدول الإسلامية
باستثناء الدول النفطية تعاني من أزمة الديون الدولية كما أن الميزان التجاري
عمومًا يعاني عجزًا مزريًا تجاه الواردات مما يفقدنا المقدرة على اتخاذ كثير من
الخطوات تجاه الإصلاح، ولذا فإن منطلق الإصلاح الحقيقي ينطلق من ضرورة إقامة
التنمية الشاملة ابتداء بالعنصر البشري وانتهاء بالاستخدام الأمثل للتكنولوجيا
مرورًا بزيادة الفعالية لعناصر الإنتاج المادية.
وختامًا
إن العالم الإسلامي يعاني عمومًا من التباطؤ في النمو الاقتصادي منذ بداية
الثمانينيات وهو في ذلك متأثر بالأزمة الاقتصادية الدولية التي تتسبب في إحداث خلل
متنامٍ في العلاقات الاقتصادية وترتبت عليها انعكاسات سلبية واسعة والمعالجة لأزمة
الكساد التضخمي وانخفاض أسعار المواد الأولية وتقلب أسعار الصرف للدولار وسياسة
الحماية في التجارة الدولية وأزمة الديون، كل هذه الإشكالات هي قضايا استراتيجية
تعاني منها معدلات النمو ويضاعف خطر هذه القضايا ما تحياه الدول الإسلامية من عدم
استقرار اقتصادي وسياسي والمتمثل في مشاكل الحدود والنزاعات والحروب الدائرة في
أكثر من دولة مما ضاعف فاتورة استيراد الأسلحة وهو أمر معرقل لتقدم النمو
الاقتصادي.. وغير ذلك كثير.
ولعل مؤتمر القمة الإسلامي الخامس يستطيع أن يعيد كثيرًا من الفعالية لأجهزة
المؤتمر الإسلامي حتى تلعب دورًا مميزًا في إحداث التنمية الشاملة وتعديل وضع
الهياكل المختلة للاقتصاديات الإسلامية وبالطبع لا نلقى بكل ثقل القضايا المزمنة
إلى مؤتمر، ولكن عندما نعدد الإشكالات نعي تمامًا أن بداية الحل تبدأ بالاهتمام
والتخطيط المتزن وفي انتظار نتائج تتناسب والتحديات السائدة يبقى إنسان العالم
الإسلامي.