العنوان كيف تخسر الأصدقاء وتنفر الناس؟!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1993
مشاهدات 43
نشر في العدد 1073
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 02-نوفمبر-1993
العالم كله يحاول كسب الأصدقاء ونحن نجتهد أن
نخسر حتى أنفسنا
العالم كله يحاول كسب الأصدقاء ونحن نجتهد أن نخسر حتى أنفسنا،
والعالم كله يحاول أن يستميل الناس ونحن نحاول أن نعاديهم ونستثيرهم وننفرهم، حتى
صار ذلك لبعضنا طبعًا، وأصبح هذا لكثير منا خلقًا، وما ذلك إلا لأننا فقدنا الحجة
وعدمنا البيان، وجهلنا دروب النفوس ومسالك الطباع وطريق العقول، وهذا عجز إنساني
وحضاري وإيماني خطير، وخسارة الأصدقاء اليوم جريمة يتقنها بعض العاجزين وما
أكثرهم، وأسلوب يجيده ثلة من المغرورين هذه الأيام وما أبأسهم، وحرفة يمتهنها
جماعة من المنتسبين إلى الثقافة الآن، وهواية يمارسها عدد من الاستعراضيين على
الساحة، وبضاعة يروجها نفر من الملتاثين في الأمة، وزاد يعيش ويربى عليه فتية من
الشاردين في المجتمع، ونتاج ذلك تحصده الأفراد والشعوب والأمم فرقة للأحبة، ووهنًا
للمجتمع، وبذرًا للعداوة، وفقدًا للأمان، وتسلطًا للأعداء، واختلافا للقلوب وعجزًا
في الهمة، وقديمًا قال أكثم بن صيفي: أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه
من ضيع من ظفر به منهم.
وفي الحديث المرفوع: «المرء كثير بأخيه» وأنشد ابن العربي:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ** ولكن إخوان الثقات الذخائر
إذا لم يكن للقوم عز ولم يكن ** لهم رجل عند الإخاء مكين
فكانوا كأيد أوهن الله بطشها ** ترى أشملًا ليست لهن يمين
ويقال: الرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال. وقال رجل لشهر بن حوشب: إني
أحبك قال: ولِمَ لا تحبني وأنا أخوك في كتاب الله، ووزيرك على دين الله، ومؤنتي
على غيرك. فبعض الناس لهم صدور رحبة، ونفوس سمحة وعقول كبيرة تقدر العواقب وتلمح
الغيب وتنظر بنور الله، وبعض الناس لهم قلوب مريضة وألسن ملتاثة وأحلام شاردة، لا
تبصر حتى وهج الشمس ولا تعقل حتى بديهيات الأمور، تضيق ذرعًا حتى بنفسها، وتفتك
حقدًا حتى بأخيها، ولا تكاد تبين:
إذا كنت تغضب من غير ذنب ** وتعتب من غير جرم عليَّا
طلبت رضاك فإن عزني ** عددتك ميتًا وإن كنت حيا
قنعت وإن كنت ذا حاجة ** فأصبحت من أكثر الناس شيئا
فلا تعجبن بما في يديك ** فأكثر منه الذي في يديا
أليس من الغريب حقًا أن تتقاطع وتتباغض أمة الأخوة، وتراثها ومنهجها
الإسلامي قد جعل أخوتها فريضة، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ
إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103) وما هذا إلا لأن الأخوة والتآلف قوام الأمم ومسكنها
وعزها ونهضتها، كما جعل الإسلام الحب فيها قرين الإيمان، والبغض قرين الكفر، «لا
يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها» وليس هذا وحسب، بل
جعل الإيثار من شعائرها والتضحية من طبائعها، فقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ
أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 3) كما سد الإسلام منافذ
الفرقة والعداوة، فقال: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا
خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا
مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ
هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: 11)، وفي الحديث الشريف: «ولا تباغضوا ولا تحاسدوا
ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم،
كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم
وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
وبعد.. أليس من المدهش وبكل حسرة أن تتقاطع وتباغض هذه الأمة، ويصول
ويجول فيها أعداؤها، يلقنونها دروس البغضاء، ويعلمونها مناهج العداوات، ويدربونها
على التحاسد والتشاحن ويبذرون فيها الريب والشكوك، ويوسعون جراح الأخوة، ويعمقون
مسافة الهوة، ونحن اليوم تلامذة نجباء وعباقرة علماء في مدارس الأحقاد والأضغان،
على مستوى الشعوب والسلطات والمثقفين، نستطيع وبجدارة ونتقن وباقتدار نقل هذه
التعاليم للعامة والخاصة، وتدريبهم بمهارة وعبقرية كيف نبذر العداوات، ونقتل
الأخوة، ونخسر الأصدقاء، وننفر الناس!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل