; أزمتنا أخلاقية | مجلة المجتمع

العنوان أزمتنا أخلاقية

الكاتب د. زياد التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993

مشاهدات 69

نشر في العدد 1045

نشر في الصفحة 64

الثلاثاء 13-أبريل-1993

يختلف المحللون لواقع أمتنا في زمن «التردي»، كل على حسب اختصاصه يعزو تلكم الحالة من الانحطاط تارة لضعف عسكري، وأخرى لتفكك اقتصادي، وثالثة لوهن سياسي؛ والعارفون فقط هم الذين يجمعون ذلك كله في بوتقة واحدة تسمى «العودة إلى الله» أو «العودة إلى الدين» والتي «تملك ناصية كل منحى» من مناحي الحياة. ولا نريد أن نعيب على القوم الأول آراءهم ففيها نزر من الصحة غير يسير.. وفي زمن التشتت والتيه والبحث عن الذات لدى أمتنا، اختلط الحابل بالنابل وأعجب كل ذي رأي برأيه وانقلبت القيم وتغيرت الأخلاق، حتى إن الحل المسلم به لدى الأغلبية والذي يزداد مؤيدوه ومناصروه باستمرار لا تعلم الكثرة الكاثرة من الناس كيف الوصول إليه.

قد يتساءل الكثير: تقولون الحل هو الإسلام ولكننا مسلمون، والدليل هذه الجموع الهادرة في المساجد وهذه الملايين الزاحفة في وقت الحج مثلًا؛ إذا فما رأيكم؟ وقد يتساءل آخرون: هل الحل هو أن أصبح عضوًا في إحدى الجماعات الإسلامية العاملة على الساحة؟ ولكنني لا أرى أنهم يختلفون عني أنا الخارج من هذه الجماعات شيئًا يذكر؟ ثم قد يتساءل: كم تضم تلك الجماعات بالنسبة لعدد المسلمين عمومًا؟ وهل العمل ليس ميسرًا إلا من خلالها؟ وغير ذلك من الأسئلة. والواقع أن التنظيم جيد والعمل الذي يراد له النجاح لا بد أن يقوم على دراسة كاملة لملابساته وإمكان النجاح والفشل ومتطلبات القيام به وغير ذلك، ولكن كما قلت نحن في زمن يغلب عليه طابع الفوضى وضياع الفكرة، فإذا ما سمعت من أحدهم مدحًا لشيء سمعت ذمه من آخرين أو العكس. كما أن التكتل والتجمع في جماعات أو قطاعات له مساوئ معينة منها التقسيم والتعصب ولفت أنظار الأعداء وبقاء مجموعات كبيرة غير فاعلة لأنها خارج المجموعات الفاعلة وربما رمقتها بعين الريبة.

ومعروف أن كلًا منا أينما كان يقع عليه عبء ومسؤولية المساهم في نهوض هذه الأمة من كبوتها، والحل الوحيد هو «الحل الأخلاقي»؛ كيف؟ أن أزمتنا هي أزمة أخلاقية، أن التأدب بأخلاق الدين والتمسك بأهدابه وشرائعه ميسور لكل واحد فلا رقيب عليه إلا الله. تبدأ بالتأدب مع الله سبحانه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: ١٨). ثم مع رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (النساء: ٨٠). وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: ٧).

فإذا ما بحثت عن كل نقيصة في هذا الباب وسددتها تقدمت خطوة نحو الحل، ولا يقولن قائل: أنا إنسان ثقافتي محدودة ولا أستطيع البحث والاطلاع والتمحيص، وقد يقول غيره: أنا إنسان مشغول بأعمالي ووقتي قصير؛ والذرائع كثيرة لمن يبحث عنها لكن هذا كله لا يعفي أبدًا من المسؤولية. فتقصيرك بحقوق الله أنت يا أخي المسلم أينما كنت يؤدي بك إلى تقصيرات أخرى ويؤخر أمتك خطوة إلى الوراء، تمامًا كما لو أنك أحسنت في حق الله لقادك ذلك لإحسان آخر ولخطت أمتك خطوة إلى الأمام. إننا -أي أفراد هذه الأمة الإسلامية- نعيش شبه حالة من الهيستيريا التي يُصاب بها من نزلت بساحته كارثة فكل يحاول النجاة بنفسه، يلتمس مخرجًا وملجأ؛ لكن إذا كان هدفنا واحدًا التقينا هناك ولو اختلفت السبل التي يسلكها كل منا. فقد تحسن أدبك مع الله تعالى بالصلاة فتؤديها كما يجب، وهو قد يحسن أدبه مع الله تعالى بالتوبة والإقلاع عن المعاصي، وأنا قد أحسنته بالرجوع عن مظالم الناس وتتبع عوراتهم والإيقاع بينهم وغير ذلك؛ فإذا بدأنا بالنواقص واحدة تلو أخرى تكملها فستصل معًا إلى تقوى الله وطاعته، وكذا يُقال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع كتاب الله وسنة نبيه الكريم، ثم مع أنفسنا ومع من له حق علينا. وأقرب مثال يحضرني هو قطرات المطر؛ تجدها تسقط واحدة هنا وأخرى هناك، ثم ما تلبث بعضها إلا أن تتجمع لبعض، ثم تتجمع الأبعاض فتكون جدولًا صغيرًا وإذا به يلتقي مع أمثاله ثم يكون السيل الجارف الذي لا يصده شجر ولا حجر. فإذا ما عم الخير وانحسر الشر فقد وصلنا للمطلوب؛ فإن البداية الصحيحة تعني استمرارية صحيحة وبالتالي نهاية صحيحة.

إذن فإن مسؤولية الخروج من المأزق الذي نحن غرقى فيه إلى آذاننا ليست مسؤولية جماعة أو فرد في جماعة أو حاكم أو حكومة بحد ذاتهم بل هي مسؤولية كل فرد أينما كان؛ فالأمة هي مجموعة الأفراد ولا تجتمع الأمة على خطأ. فإذا ما تحسنت أخلاقنا المستمدة من ديننا أصبحنا «متدينين تلقائيًا» على اختلاف أشكالنا وألواننا وأماكننا، وفي ذلك الفلاح لنا ولأمتنا.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :