; تقدير إستراتيجي (1من2) ... خسائر مصر من انفصال جنوب السودان | مجلة المجتمع

العنوان تقدير إستراتيجي (1من2) ... خسائر مصر من انفصال جنوب السودان

الكاتب محمد جمال عرفه

تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2010

مشاهدات 63

نشر في العدد 1932

نشر في الصفحة 16

السبت 25-ديسمبر-2010

مسؤول سوداني: بموجب اتفاقية ١٩٥٩ م سيكون على القاهرة والخرطوم إعطاء الجنوب حصة من مياههما رغم العجز لدى مصر!.

لو أقنعت مصر الجنوبيين باستكمال حفر قناتي «جونقلي» و «مشار» سيتم توفير بين (٢٠-٤٢) مليار متر مكعب من المياه.

مدير المخابرات الصهيونية: نشرف على مخابرات جنوب السودان ونساند التمرد بالمال والسلاح!

لم تأت التحركات المصرية المكثفة الأخيرة تجاه السودان، وزيارات كبار المسؤولين بوزارة الخارجية ورئيس جهاز المخابرات إلى الخرطوم وجوبا ثم واشنطن من فراغ.. فبرغم أن إجراء استفتاء تقرير مصير الجنوب أصبح وشيكا «9يناير ۲۰۱۱م»، إلا أن مصر تدرك أن انفصال الجنوب سيضرها قبل أن يضر السودان نفسه، ولذلك تحاول تفادي الحريق قبل اشتعاله أو التخفيف من أضراره!

ورغم أن جهات مصرية عديدة أشارت إلى هذه الخسائر المصرية من انفصال الجنوب وبررت التواصل المتزايد والاستثمار المصري المكثف في الجنوب بأنه يستهدف الحفاظ على «شعرة معاوية» مع الجنوب، وضمان المصالح المصرية عبر هذه البوابة الحدودية الجنوبية أيا كانت نتيجة الاستفتاء. فقد تسارعت وتيرة التحركات المصرية مؤخرًا بعد الكشف عن مخططات صهيونية وأمريكية تعلن صراحة أن هدفها ليس الجنوب فقط وإنما تفتيت كل السودان، فضلا عن اندلاع أي حرب في السودان يعني تدفق المهاجرين إلى مصر، وتحول البوابة الجنوبية إلى مصدر قلق أمني بدل أن تكون مصدر استقرار وأمان!

أبرز هذه المخططات التي تتابعها القاهرة بلا شك هو ما كشفه اللواء عاموس يادلين الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الصهيونية «أمان»، وهو يسلم مهام منصبه إلى خلفه أوائل نوفمبر ۲۰۱۰م، قائلا: «لقد أنجزنا عملا عظيما للغاية في السودان نظمنا خط إيصال السلاح للقوى الانفصالية في جنوبه، ودربنا العديد منها، وقمنا أكثر من مرة بأعمال لوجستية لمساعدتهم، ونشرنا في الجنوب ودارفور شبكات قادرة على الاستمرار في العمل إلى ما لا نهاية، ونشرف حاليًا على تنظيم «الحركة الشعبية، هناك، وشكلنا لهم جهازا أمنيا استخباريا»، بخلاف ما ذكره العميد «موشي فيرجي» في كتابه الوثائقي الشهير عن استهداف مصر مائيا من الجنوب السوداني.

البروفيسور حسن مكي مدير جامعة إفريقيا العالمية يرى أن «السودان يُعاقب أصلًا لأنه جنوب مصر (!)، وأن «فصل الجنوب هو محاولة لمعاقبة مصر وتهديد أمنها المائي، لأن قنات»ي «جونقلي» و«مشار» وغيرهما المستهدف من وراء حفرهما زيادة كميات مياه النيل لمصر تقع في جنوب السودان، وترفض الحركة الشعبية حفرهما بما سيضر مصر ويمنع زيادة مواردها المائية.

كما أن حرص الصهاينة على التحكم في قطاع الفندقة في جنوب السودان، ليس فقط لأن الفندقة تبيض ذهبا للشركات الصهيونية وإنما لأن هذه الشركات التي تشرف على الفندقة في الجنوب عبر وكلاء أفارقة لشركاتها في أوغندا وكينيا وإثيوبيا تستطيع عن طريق هذا الكنز من المعلومات التي تحصل عليها من كشوف نزلاء هذه الفنادق أن تراقب المنطقة بدقة أكبر.

نقص مياه النيل

رغم رصد تحذيرات مصرية وعربية عامة سابقة تحذر من تضرر مصر من انفصال الجنوب مائيا ، فلم يعرف بدقة حجم هذا الضرر أو أخطاره الفعلية، ولهذا سعت المجتمع لتقصي التفاصيل عبر عدد من الخبراء في هذا المجال، من بينهم مسؤول سياسي سوداني رفيع المستوى من حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم، للتعرف على حقيقة هذا الضرر وكان ما قيل يثير القلق بصورة غير معقولة على أمن مصر المائي. 

بداية نشير - كما يؤكد «د. سلمان محمد أحمد سلمان» خبير قوانين وسياسات المياه في محاضرة له بعنوان جنوب السودان ومياه النيل - إلى أن حوالي ٤٥% من حوض النيل يقع في جنوب السودان، كما أن نحو٩٠٪من جنوب السودان يقع داخل حوض النيل، وأن حوالي %۲۸ من مياه النيل تعبر الحدود من جنوب السودان إلى الشمال ومن ثم إلى مصر كما أن كمية المياه التي يمكن استخلاصها من مستنقعات جنوب السودان وإضافتها إلى نهر النيل قد تصل إلى ۲۰ مليار متر مكعب 

وهناك تقديرات أخرى؛ حيث يؤكد تقرير لوزارة الري السودانية عام ١٩٧٩م أن حوالي ٤٢ مليار متر مكعب من المياه تفقد سنويا في إقليم جنوب السودان منها حوالي ١٤ مليار تضيع في مستنقعات بحر الجبل» و«بحر الزراف»، و ١٢ مليارًا أخرى تضيع في حوض «بحر الغزال» و۱۹مليارا ثالثة تضيع في حوض «السوباط» ومستنقعات «مشار».

د. حسن مكي: السودان يعاقب لأنه جنوب مصر !

ورغم هذا، فقد تضمنت اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية في الجنوب الإشارة إلى مياه النيل في بروتوكول تقسيم السلطة وليس بروتوكول تقسيم الثروة(1)، ولم يتضمن البروتوكول أي إشارة إلى مشاريع زيادة إيراد مياه النيل من مستنقعات جنوب السودان أو إلى قناة «جونقلي» التي كانت الحركة الشعبية قد أوقفت العمل فيها عام ١٩٨٤م، ما يضر مصر لو انفصل الجنوب؛ لأنه لا تشت حقها قانونا في هذا الاتفاق بين أبناء السودان المفترض أنهم مرتبطون مع مصر باتفاقية تقسيم المياه عام ١٩٥٩م.

وهذه الوقائع قد تخلق إشكاليات لمصر وشمال السودان وكذلك لدول حوض النيل الأخرى إن قرر الجنوب الانفصال في استفتاء يناير ۲۰۱۱م، خصوصا مع الاحتياجات المائية المتوقعة لجنوب السودان على ضوء أن معظم الأجزاء من هذه الحدود لها تبعات مائية.

إعادة توزيع الحصص

أيضًا نشير لما جاء في دراسة «المياه: مأزق الأمن القومي والإقليمي في حوض النيل» الصادرة عن مركز دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بالخرطوم، التي تؤكد أن حق تقرير المصير لجنوب السودان معناه احتمال قيام دولة مستقلة في الإقليم الجنوبي، وهذه ستكون دولة إضافية وعضوا جديدا في حوض النيل «الدولة رقم ۱۰ بخلاف المراقب الإريتري» وهذه بالضرورة سيكون لها موقف رافض لأي اتفاقية حول مياه النيل «مثل اتفاق عام ۱۹۲۹واتفاق عام ١٩٥٩م»، وبالتالي سيكون لها الحق - كدولة مستقلة في المطالبة بنصيب في المياه، وذلك لن يتم إلا بإعادة توزيع حصص المياه بين جميع دول الحوض مرة أخرى.

والمشكلة أن دول المنبع تنادي بالمطالبة ذاتها، ما يعني زيادة عدد الدول التي تعادي الموقف المصري في حوض النيل إلى ثماني دول من أصل عشر دول، وبالتالي، فإن المتضرر الوحيد من إعادة توزيع المياه ستكون مصر حيث كان لها ما لا يقل عن ٧٥% من الحجم الكلي لمياه النيل «عند المصب»!

«المجتمع»، حملت هذه المعلومات إلى مسؤول سياسي سوداني على مستوى عال، فقال: إن «اتفاقية مياه النيل عام ١٩٥٩م نصت على أنه إذا نشأت ودخلت دولة أخرى في الاتفاقية سيكون نصيبها من المياه مناصفة مع دولتي المصب مصر والسودان»!

وقد راجعنا الاتفاقية للوقوف على مثل هذا النص الذي تحدث عنه المسؤول السوداني فوجدنا الفقرة (۲) من البند «خامسًا» تعترف «بحق الدول الأخرى المشاطئة للنيل في حصص من مياهه». حيث تنص هذه الفقرة على أن «يبحث السودان ومصر معا مطالب الدول الواقعة على النيل بنصيب من مياهه ويتفقان على رأي موحد بشأن هذه المطالب. وإذا أسفر البحث عن تخصيص أي قدر من إيراد النهر لأي من هذه الدول، فإن هذا القدر يقتطع مناصفة من حصة الدولتين»

حرب مياه إقليمية

وقال المسؤول السوداني: «إن السودان يستطيع أن يدفع من نصيبه، ولكن الجنوب سيأخذ هنا من النصيب الذي لا يستخدمه السودان ويذهب إلى مصر». فلو اتفقت مصر والسودان على إعطاء دولة الجنوب الجديدة المفترضة عشرة مليارات متر مكعب من نصيبهما «كمثال»، ستأخذ دولة الجنوب خمسة مليارات متر مكعب مياه من نصيب مصر، وخمسة من السودان، في حين أن مصر تعاني أصلا من عجز حالي ومتوقع في المياه وفي نصيب الفرد، وتحتاج إلى أكثر من ٢٢ مليار متر مكعب إضافي لتعويض هذا العجز مستقبلًا!

ولا شك أن مصر يمكنها أن ترفض إعطاء دولة الجنوب الجديدة أي كمية من مياهها ما لم تقبل حكومة الجنوب تشييد قناتي «جونجلي» و «مشار» اللتين ستوفران ما بين «٢٠- ٤٢» مليار متر مكعب بما يعود بالفائدة على كل من مصر وشمال وجنوب السودان.. ولكن هذا الرفض والخلافات التي قد تنشأ عنه - في ظل التخوف من ارتهان دولة الجنوب للنفوذ الغربي والصهيوني - يمكن أن يؤدي إلى حرب مياه إقليمية، خاصة إذا سعت دولة الجنوب لاقتطاع حصة من مياه النيل الذي يمر عبر أراضيها بوسائل مختلفة، أي أن مصر خاسرة مائيًا في كل الأحوال لو انفصل الجنوب!

الرابط المختصر :