; «ثقافة العولمة» وكيفية مواجهتها؟ | مجلة المجتمع

العنوان «ثقافة العولمة» وكيفية مواجهتها؟

الكاتب خير الدين خوجة

تاريخ النشر السبت 22-مارس-2008

مشاهدات 53

نشر في العدد 1794

نشر في الصفحة 48

السبت 22-مارس-2008

يواجه العالم الإسلامي اليوم أخطارًا حقيقية على مستوى هويته الثقافية والحضارية، حيث تتهدده العولمة في صميم وعيه الديني ومحتويات نموذجه الكوني. فمما لا شك فيه، أن المسلمين يمرون بحقبة تاريخية سوداء، فقد أصابهم وهن شديد، حيث تسبب ابتعادهم عن تعاليم الإسلام في حالة من التمزق والتفرق، والتخلف والجمود، والذل والهوان كما أسهم الاستعمار بالتعاون مع الاستبداد في نهب وسرقة ثروات وممتلكات المسلمين، وأسرف في السجن والقتل والتشريد والمطاردة لإخضاع المسلمين. أضف إلى ذلك الهجوم الشرس على القرآن ونبي الإسلام من قبل وسائل الإعلام الغربية، والاستخفاف والسخرية بمقدسات الإسلام والمسلمين.. إلخ أقول أصبحت هذه الظواهر في عصر العولمة أو الجاهلية الراهنة، للأسف الشديد، إحدى أشهر سمات المسلمين والعالم الإسلامي في العصر الحديث.

ما سبل المحافظة على جوهر الهوية الإسلامية في ظل الاختراقات غير المحدودة للثقافات العولمية؟

العلاج الرباني:

يقول الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73)

 وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال: قلنا: يا رسول الله: أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: «أنتم يومئذ كثير، ولكنكم تكونون غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت». «رواه الإمام أحمد في مسنده: ج 5، ص: ۲۷۸».

وللعلماء والمفسرين في تفسير الآية السابقة، كلام جميل نقتبس منه بعض الفقرات: «... إن المنهج الحركي لهذا الدين يواجه الواقع دائمًا بوسائل مكافئة.. ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في «نظرية» مجردة، ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو: فإن محاولة رد الناس إلى الله مرة أخرى، لا يجوز- ولا يجدي شيئًا- أن تتمثل في  «نظرية» مجردة، فإنها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلًا والمتمثلة في تجمع حركي عضوي، فضلًا على أن تكون متفوقة عليها.. وكما أن المجتمع المسلم مجتمع عضوي حركي متناسق متكافل، متعاون يتجمع في ولاء واحد، فكذلك المجتمع الجاهلي: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (الأنفال: 73)

إن الأمور بطبيعتها كذلك.. إن المجتمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد: إنما يتحرك ككائن عضوي، بعضهم أولياء بعض طبعًا وحكمًا: ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص. فأما إذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي وهو أفسد الفساد: ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73) «انتهى كلام المفسرين».

حقيقة الجاهلية الحديثة وكيفية مواجهتها

إن كلمة العولمة مصطلح جديد فهي نظام يراد به تكوين إمبراطورية تهيمن على باقي الشعوب، دون اعتبار للقيم والحضارات والثقافات والحدود الجغرافية والسياسية.

فالعولمة صيغة جديدة من صيغ المواجهة الحضارية يخوضها الغرب ضد هويات الشعوب وثقافات الأمم وحضارتهم، وعلى رأس تلك الأمم والشعوب: المسلمون فهم المستهدفون بالدرجة الأولى في هذه المواجهة، وهذه الثقافة بهذا المفهوم تتعارض تعارضًا تامًا مع الإسلام، فضلًا عن قواعد القانون الدولي ومع طبيعة العلاقات الدولية ومع الاقتصاد الوطني والسيادة الوطنية، وأيضًا مع قانون التعددية الدينية والتنوع الثقافي والفكري، إن هذه الثقافة الغربية والأمريكية إذا سارت بهذا الاتجاه، فهي إنذار ومؤشر بانهيار وشيك للاستقرار العالمي عامة والعالم الإسلامي على وجه الخصوص.

العولمة والعالمية

هناك فرق شاسع بين مفهوم العالمية والكونية Universalism، والتي تعني طموحًا نحو الارتقاء والازدهار والتقدم والنهضة بالخصوصية إلى مستوى عالمي، وقبول وأخذ كل ما هو طيب وحلال وعالمي وكوني، وبين العولمة Globalization والتي تعني القمع والإقصاء والسلب لكل ما هو خصوصي. إذن فالعالمية- Universal ismتعني الانفتاح على الآخر ورغبة في الأخذ والعطاء، وهذا هو المطلوب، ولكن بشروط وضوابط، بينما العولمة Globalization تعني اختراق وسلب وتدمير لخصوصية الآخر.

والإسلام الذي أمرنا بالانفتاح والاستفادة من الآخر، ما لم يتعارض ذلك مع القرآن والسنة، يتفق مع العالمية بمقدار ما يختلف مع العولمة التي تسعى إلى فرض نموذجها الحضاري الذي لا يخفي تطلعه إلى الهيمنة على اقتصاد العالم، والتحكم في القرار السياسي وصناعته لخدمة المصالح الأمريكية والأوروبية، وإلغاء النسيج الحضاري والاجتماعي، وتدمير الهويات الدينية والثقافات القومية والفكرية والحضارية للشعوب، وزيادة الدول الغنية غنى ونهضة وتطورًا، بينما تزداد الدول الفقيرة فقرًا وبؤسًا وتخلفًا، كما أن من أهدافها القيام بتفتيت بعض الدول والكيانات والحضارات والمؤسسات الثقافية والدينية، وفرض السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية بقصد استغلال الدول ونهب خيراتها. وإذا علمنا أن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا قد أدركت حقيقة تطلع المسلمين إلى الصحوة والنهضة لإيجاد كيان دولي يحفظ حقوقهم وكرامتهم وأموالهم، فإنها قد أعدت العدة للقضاء على الإسلام والمسلمين بشتى الطرق والوسائل ابتداء بالغزو العسكري وانتهاء بالغزو الفكري والغزو الثقافي، وجهزت حملة ضارية ضد الإسلام ومصالح المسلمين تحت عناوين مضللة وشعارات زائفة منها:

أ- الديمقراطية.

ب - والتعددية السياسية.

ج - حقوق الإنسان «ويراد منها حقوق الإنسان الغربي فقط»..

د- سياسات السوق العالمية والتحكم فيه.

الخيار البديل

للاعتبارات السابقة واعتبارات أخرى غيرها نود أن نطرح الخيار البديل، باختصار شديد نقول: البديل هو الإسلام الذي آمنا بصحته وفاعليته، والذي يحرم على المسلم استبدال الأدنى بالذي هو خير، كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153)

لذلك يتحتم علينا اعتبار العولمة آخر صيغة للاستعمار الحديث، والعودة بالناس إلى العبودية، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا.

وفيما يلي بعض الخطوات والسبل للحفاظ على الهوية الإسلامية ومنعها من الذوبان والانصهار في أحضان ثقافة العولمة المدمرة.

  1. محاربة الجهل المطبق بالإسلام.

  2. ملء الفراغ الروحي والفكري والثقافي لدى المسلمين.

  3. محاربة الإسلاموفوبيا- وهو النفور والتخوف من الإسلام وكراهية مبادئه.

  4. عدم الاستسلام للفلسفات والثقافات الغربية، بل نختار منها ما وافق ديننا، وبقدر حاجتنا.

  5. المحافظة على المجتمع من الإصابة بالعقد والأمراض النفسية الغربية، كالقلق والإحباط والشعور بالعدمية والعبثية والأنانية والذاتية.

  6. عدم ممارسة الحياة على الطريقة الغربية بشرورها ومفاسدها وانحرافاتها ورذائلها، وحلوها ومرها، وعدم تقليدهم في الجانب السلبي، وإنما علينا التركيز على الجانب الإيجابي فقط، كل ما هو طيب وحلال ومفيد قبلناه، إذ الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها، وكل ما هو ضار وخبيث رفضناه.

  7. الاعتزاز بتاريخنا المشرق، وسير علمائنا المصلحين، وعدم فقدان الهوية الذاتية.

  8. السعي إلى تحسين صورة مجتمعات المسلمين المشوهة، ونشر جمال الإسلام وعظمته.

  9. معرفة منهج الإسلام في التغيير الثقافي الإيجابي، من الأسوأ إلى الأفضل.

  10. توثيق الصلة بالله وتحقيق العبودية، وصدق الإخلاص له.

  11. الانطلاق من القرآن والسنة في الفهم والعلم والتدبر والتفكير.

  12. نقض الأفكار والمبادئ والنظريات الجاهلية الباطلة، وبيان زيفها وخطئها، واستخدام المنطق العلمي لدحض شبهاتهم وأباطيلهم.

  13. دعوة الناس إلى التخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل.

  14. تكوين المجتمع الإسلامي الذي ينشأ المسلمون في رحابه، ويعيشون قيمه وسلوكياته.

  15. إصلاح مناهج التعليم ووسائل الإعلام والتوجيه، وتحريرها من المسلسلات والأفلام الهابطة التي تهدم ولا تبني.

  16. تحصين أبناء المسلمين أمام الغزو الفكري المعادي، وتمكينهم من الوقوف أمام الثقافات الهدامة.

  17. لا بد لكل فرد في الأمة أن يقوم بدور إيجابي في الحفاظ على الهوية الإسلامية، فلا يكفي جهد الحاكم وحده، ولا جهد الأب والمدرس فقط، وإنما يقوم به كل مسلم على حدة، مهما كان موقعه ويتحمل هو أيضًا جزءًا من المسؤولية.

الرابط المختصر :