; المجتمع التربوي العدد 1535 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي العدد 1535

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 18-يناير-2003

مشاهدات 71

نشر في العدد 1535

نشر في الصفحة 63

السبت 18-يناير-2003

رسائل النور والأخلاق الإسلامية (5 من ٥)

درع المؤمن التقوى.. وخندقه السنة.. وسلاحه ذكر الله

الإثم يتوغل في القلب وينكت فيه نكتًا سودا فيبقى مظلما مقفراً

د. حلمي محمد القاعود[1]

الالتزام بالأخلاق الإسلامية أساس سعادة الفرد والجماعة

تحدثنا في العدد الماضي عن بعض القيم الإيجابية التي اهتم بها النورسي وبين أهميتها لكل من الفرد والمجتمع. وعلى رأسها قيم التعاون والسلام والعدل. فالمخلوقات كما أوضح النورسي تقوم بخدمة غيرها وتجد في ذلك لذة تفوق كل شيء، لأنها تمتثل لقانون التعاون الذي صنعته السنة الإلهية.. وأن تحقيق السلام داخل النفس ينسحب على المجتمع.. كما أن العدل مرتبط بنظام الكون الدقيق وفق مشيئة الله سبحانه.

وفي هذه الحلقة (الأخيرة) يتحدث النورسي عن بعض القيم السلبية ويضرب المثل بأربع منها وهي اليأس والعجب والغرور وسوء الظن.

من المؤكد أن الشيخ بديع الزمان النورسي- من خلال النماذج القليلة التي سبقت- استطاع أن يؤصل بمهارة واقتدار للقيم الخلقية من خلال المفاهيم القرآنية، ويكشف بوعي وبساطة عن فلسفة هذه القيم وتأثيرها في حياة الفرد المسلم والمجتمع المسلم، كما أوضح فوائدها العظيمة للأمة الإسلامية جميعاً، وخاصة زمن الهزائم والاستباحة من قبل أشرار العالم.

وإذا كان النورسي قد كشف ضمناً عن القيم السلبية المقابلة أو النقيض للقيم الخلقية الإسلامية، فإنه خصص العديد من المواضع في رسائل النور ليهاجم الأخلاق السيئة، ويندد بها ويبرز أضرارها وشرورها بالنسبة للأفراد والمجتمعات.

أربعة أمراض شائعة

يشير النورسي إلى أربعة أمراض شائعة تصيب الإنسان، ويوضح كيفية معالجتها أو الشفاء منها وهي: اليأس والعجب والغرور وسوء الظن ويرى أن الياس يعالج بالاستماع بقلب شهيد إلى قوله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر :53).

والعُجب يشفى إذا تبرأ المرء من دعوى المالكية وتوهم مصدرية المحاسن، والاعتراف بالنقصان والقصور فالملك لله وحده، وله الحمد ولا قوة إلا بالله.

والغرور ينشأ عن النظر إلى الأسلاف العظام من بعد والحرمان من محاسن إرشاداتهم، وعلاجه بالنظر إليهم من قرب فتراهم أعاظم كشفوا في أربعين يوماً ما لم تقدر على كشفه إلا في أربعين سنة.

أما سوء الظن فالجائع يتوهم أن الناس جياع، وإساءة الظن بسبب عدم إدراك قدر أولئك الأسلاف العظام، فقد رأيت أنك بغمض عينك جعلت النهار ليلا على نفسك فقط[2].

وإذا كان النورسي يقدم لنا أربعة أمراض شائعة أو أربع قيم سيئة، ويكشف عن علاجها في إيجاز، فإنه يتوقف في مواضع متعددة لتفصيل بعض هذه الأمراض أو القيم السيئة وسوف نتناول هنا بعضها على سبيل المثال:

إن النورسي يحدثنا عن الغرور من حيث طبيعته ونتائجه من خلال الآية الكريمة: ﴿إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ﴾ (يوسف: ٥٣).

وقيمة الاستغفار تنبع من القلب الذي هو مستقر الإيمان والقيم الخلقية، لذا يكون ذكر الله النابع من القلب كفيلاً بإصلاح القلب، وعلاجاً للانحراف الخلقي.

جروح غائرة في القلوب

ويوضح النورسي ذلك بأن كل ما تكسب أيدينا من إثم، وكل ما يلج إلى أذهاننا من شبهة يشق جروحاً غائرة في قلوبنا، ويفجر قروحًا دامية في أرواحنا.

ويضرب المثل بسيدنا أيوب عليه السلام الذي كانت جروحه المادية تهدد حياته بالخطر في الدنيا القصيرة الأجل. أما جروحنا المعنوية نحن، فهم تهدد حياتها الأخروية المديدة بخطر أكبر، فنحن إذا محتاجون أشد الحاجة إلى تلك المناجاة الأيوبية الكريمة بأضعاف أضعاف حاجته عليه السلام إليها، وبخاصة أن الديدان المتولدة من جروحه عليه السلام مثلاً أصابت قلبه ولسانه، فإن الوساوس والشكوك- نعوذ بالله منها- المتولدة عندنا من جروحنا الناشئة من الآثام والذنوب تصيب باطن القلب الذي هو مستقر الإيمان فتزعزع الإيمان فيه، وتمس اللسان الذي هو مترجم الإيمان، فتسلبه لذة الذكر ومتعته الروحية ولا تزال تنفره من ذكر الله حتى تسكته كلياً.

والمناجاة الأيوبية تحمل الاستغفار إلى جانب الذكر والاعتراف بالضعف ومس الشيطان، لذا كانت الاستجابة الإلهية مباشرة وسخية ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ﴾ (الأنبياء: 84).

ويشير النورسي إلى أن الإثم يتوغل في القلب ويمد جذوره في أعماقه وما ينفك ينكت فيه نكتًا سودًا حتى يتمكن من إخراج نور الإيمان منه فيبقى مظلمًا مقفرًا فيغلظ ويقسو.

نعم، إن في كل إثم وخطيئة طريقاً مؤدياً إلى الكفر، فإن لم يمح ذلك الإثم فوراً بالاستغفار تحول إلى دودة معنوية، بل إلى حية معنوية تعض القلب وتؤذيه[3].

إن النورسي كان موفقاً تماماً في ضرب المثل بسيدنا أيوب عليه السلام حيث يقدم صورة محسوسة للابتلاء والصبر عليه ومواجهته بالدعاء والتضرع والإنابة إلى الله فضلاً عن كون هذه الصورة مشهورة، ولها حضورها في الوجدان الشعبي الإسلامي بصورة متعددة.

يقول النورسي إن من يرتكب إثماً يخجل منه ومن يقترف كبيرة تفضي إلى عذاب جهنم- ولا يستغفر- تتولد لديه جرأة إنكار جهنم، ومن لا يقيم الفرائض ولا يؤدي وظيفة العبودية حق الأداء، تؤدي به إلى الضيق الشديد، والرغبة في الإنكار والعداء المعنوي تجاه الألوهية ويستشهد بالآية الكريمة: ﴿كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ (المطففين: 14).

الدواء الشافي

ويخلص النورسي إلى أن التقوى والسنة النبوية والاستغفار هي الدواء الشافي من وسوسة الشيطان وجنوده، وسلاح المؤمن في مواجهة المعاصي:

«فيا معشر أهل الإيمان إن درعكم المنيعة لصد أولئك الأعداء، هي التقوى المصنوعة في دوحة القرآن الكريم، وإن خنادقكم الحصينة هي سنة نبيكم عليه أفضل الصلاة والسلام. وأما سلاحكم فهو الاستعاذة والاستغفار والالتجاء إلى الحرز الإلهي»[4].

إن النورسي يرى أن الاستغفار يقتضي الاعتراف بالذنب والتقصير والاستعاذة من الشيطان، والاعتراف في كل الأحوال يفضي إلى العفو: «ومن اعترف بتقصير نفسه يستغفر ربه، ومن يستغفر ربه يستعذ به من الشيطان الرجيم وعندها ينجو من شروره.. وإنه لتقصير أكبر ألّا يرى الإنسان تقصيره، وإنه لنقص أعظم كذلك ألّا يعترف بنقصه، ومن يرى عيبه وتقصيره، فقد انتفى عنه العيب، حتى إذا ما اعترف يصبح مستحقاً للعفو»[5].

إن النورسي حين يطرح القيم السلبية يكشف طبيعتها ونتائجها المدمرة بالنسبة للإنسان الفرد والمجتمع المسلم على السواء، ولكنه لا يكتفي بذلك، بل يقدم العلاج المفيد من خلال المفاهيم القرآنية، لكل قيمة سلبية على حدة، ويخصص لقيمة الاستغفار، لتكون تطهيراً للمسلم أولاً بأول، وتزكية لروحه، وتجديداً لحياته كي تفارق الذنوب والخطايا، وتولد من جديد صافية نقية.

وبعد:

فإن فلسفة الأخلاق الإسلامية من خلال رسائل النور تحض على كل ما هو إيجابي وفعال لإسعاد الفرد والجماعة، وهو ما بينه القرآن الكريم ووضحته السنة النبوية المطهرة، وأيدته أحداث الواقع والتاريخ... وأيضاً فإنها ترفض ما هو سلبي وسيئ، لأنه يضعف الفرد، ويدمر الجماعة، لذا فإن أخلاق الإسلام تحرص على تطهير النفس الإسلامية أولاً بأول وتزكيتها بالاستغفار والتوبة والندم حتى تستحق العفو والغفران، وتنعم في الدنيا والآخرة جميعًا.

قاعدة ذهبية في التطوير الإداري

مهيوب خضر محمود

مفهوم التطوير الإداري يعد اليوم من المفاهيم الشائعة التي يتحدث عنها علم الإدارة المعاصر، كما تتخذ منه العديد من المؤسسات شعاراً لتطوير الأداء والحصول على نوعية أفضل للعمل والإنتاج، وغدا هذا المفهوم محور تنافس بين المنظمات التي راحت تنهك نفسها في إقامة الدورات التدريبية لمختلف المستويات الإدارية، وجلب المستشارين المختصين والعمل على ابتعاث بعض موظفيها إلى الخارج لتطوير مؤهلاتهم العلمية وخبراتهم العملية.

وإن كان كل ما تقوم به المؤسسات اليوم مما ذكرناه في سبيل تطوير مسار العملية الإدارية مطلوباً ومهماً في نفس الوقت، يبقى السؤال: هل استخدام هذه الوسائل هو نقطة البداية الصحيحة في عملية التطوير المطلوبة؟

قاعدة ذهبية

الخليفة عمر بن الخطاب أجاب عن هذا السؤال قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، وحدد لنا الخطوة الأولى في التطوير الإداري عندما قال:

«رحم الله من أهدى إلي عيوبي» (أخرجه الدارمي في سننه (١٦٩/١).

لقد أرسى الفاروق بذلك قاعدة ذهبية حيث جعل من اعتراف المسؤول الأول بالخطأ وقبول التوجيه من الآخرين نقطة الانطلاق الأولى في التطوير الإداري، حيث أدرك- رحمه الله- أن انحراف المسؤول الأول عن الخطة المرسومة هو انحراف للمسيرة برمتها.

بل لم يكتف الخليفة عمر بن الخطاب بطلب تقويم أخطائه رغم أنه المسؤول الأول في الدولة لكنه أنزل تقديم الأخطاء والعيوب إليه منزلة الهدية، في إشارة واضحة جلية إلى علو الرغبة في هذا الأمر الذي يعد نقطة الانطلاق الصائبة لتطوير إداري ناجح ومتميز، فقبول المدير بتوجيه النقد البناء إليه من قبل موظفيه هو مرحلة مهمة في طريق التطوير الإداري المنشود، ولكن المرحلة الأهم والتي تدل على قوة شخصية المدير ورغبته الحقيقية في تطوير العمل والأداء تطويراً نوعياً هي حث الأفراد الذين يعمل معهم على ضرورة لفت نظره للأخطاء التي قد يقع فيها لإصلاحها وتذكيره بعيوبه لعلاجها قبل فوات الأوان.

يروى أن الفاروق عمر دعا الناس يوماً فصعد المنبر فقال: «يا معشر المسلمين، ماذا تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا؟ إني لأخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تعظيمًا لي، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني»، فقال رجل: والله يا أمير المؤمنين، لو رأيناك معوجاً لقومناك بسيوفنا عندها أجاب الخليفة والفرحة تغمر قلبه قائلاً: «رحمكم الله، والحمد لله الذي جعل فيكم من يقوم عمر بسيفه».

جوائز للتقويم

الخليفة عمر بن عبد العزيز استوعب القاعدة التي أصلها جده الخليفة عمر بن الخطاب، فقام بتطبيقها أولاً ثم عمل على تطويرها ثانياً عندما جعل من سياسته في التطوير الإداري الإعلان عن جوائز وهدايا مغرية من بيت المال لكل من يكشف عن خطأ أو يهدي إلى صواب.

أيُّ سبقٍ قاده هؤلاء الرجال الذين صنعوا تاريخ الإدارة الإسلامية بمبادئ سامية تعلموها من القرآن والسنة النبوية المشرفة فألزموا بها أنفسهم وعلموها الناس؟ الجد ينزل تقديم الأخطاء والعيوب منزلة الهدية، والحفيد يقدم الهدية لكل من يكشف عن خطأ!!

فالحذر الحذر من اللجوء إلى الأعذار هروبًا من الاعتراف بالخطأ، كن صريحاً وصادقاً واعلم أن اعترافك بأخطائك ليس فقط يمثل البداية الصحيحة في تطوير العمل بل يجرد أعداءك من أسلحتهم ويجعل منك صفحة بيضاء يصعب اتهامها والنيل منها، وتذكر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة:14-15).

هذه هي الإشراقة الأولى في التطوير الإداري المنشود، أما من أخذته العزة بالإثم فإنه لا بد أن يعود يوماً ما إلى نقطة الصفر ليبدأ من جديد.


 

[1] رئيس قسم اللغة العربية بجامعة طنطا- مصر.

[2]المثنوي العربي النوري ١٢٦  ١٢٧.

 

[3] اللمعات، ص ۱۱.

 

[4]اللمعات اللمعة الثالثة عشرة ۱۱۱- 115.

[5]  السابق، ١٣٤.

 

الرابط المختصر :