العنوان الزكاة.. تسد الضروريات، ثم الحاجيات، ثم التحسينات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1973
مشاهدات 97
نشر في العدد 151
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 22-مايو-1973
الزكاة.. تسد الضروريات، ثم الحاجيات، ثم التحسينات
ولم يزل معاذ بن جبل بالجند حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ثم قدم على عمر فرده على ما كان عليه.. ولما بعث إليه معاذ بثلث زكاة الناس أنكر ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيًا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدًا يأخذه مني، فلما كان العام الثاني بعث إليه شطر الزكاة فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل ذلك فقال معاذ ما وجدت أحدًا يأخذ مني شيئًا.
ومن وحي هذا النور تطالعنا نفس الصورة في شكلها الجديد بعد الفتوحات وفي عصر خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز الذي كان يمتد حكمه من الصين إلى الأندلس، حين كتب إلى واليه على العراق عبد الحميد بن عبد الرحمن « إن أخرج للناس أعطياتهم فكتب إليه عبد الحميد: إني قد أخرجت للناس أعطياتهم وقد بقي في بيت مال المسلمين مال فكتب إليه: أنظر كل من أدان في غير سفه ولا سرف فاقض عنه فكتب إليه أني قد قضيت عنهم وبقي في بيت مال المسلمين مال، فكتب إليه أن أنظر كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه فكتب إليه: إني قد زوجت كل من وجدت وقد بقي في بيت مال المسلمين مال فكتب إليه بعد مخرج هذا أن أنظر كل من كانت عليه جزية « من غير المسلمين » فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه فإنا لا نريد لعام ولا لعامين » ونفس المراجعة حدثت مع عامله على أفريقيا.
• نعود بعد هذا التذكير إلى مدلول لفظي الفقراء والمساكين فالفقير عند الحنفية هو من يملك شيئًا دون النصاب الشرعي في الزكاة، أو يملك ما قيمته نصاب أو أكثر من الأثاث والأمتعة والثياب والكتب ونحوها مما هو محتاج إليه لاستعماله والانتفاع به في حاجته الأصلية.
وعند الأئمة الثلاثة لا يدور الفقر والمسكنة على عدم ملك النصاب، بل على عدم ملك الكفاية والمراد بالكفاية كفاية السنة عند المالكية والحنابلة أما عند الشافعية فالمراد كفاية العمر الغالب لأمثاله في بلده فإن كان العمر المعتاد لمثله ستين وهو ابن ثلاثين وكان عنده مال يكفيه لعشرين سنة كان من المستحقين للزكاة لحاجته إلى كفاية عشر سنين (۲) .
• وقد اتفق الفقهاء على معنى الغنى الموجب للزكاة في الجملة وهو ملك النصاب من الأموال النامية المعروفة بشروط خاصة.
• على حين اختلفوا في حد الغنى المانع من قبولها على أقوال.
فمنهم من اعتبره لمن يملك خمسين درهمًا.
ومنهم من يراه في ملك نصاب زكوي من أي مال كان أو من يملك من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة ما يفضل عن حاجته ويبلغ قيمة الفاضل مائتي درهم.
ومنهم من قال «لا بأس أن يعطي من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله وخادم وفرش وسلاح وثياب البدن وكتب العلم إن كان من أهله فإن كان له فضل عن ذلك ما يبلغ قيمته مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة ..لما روى عن الحسن البصري أنه قال « كانوا يعطون الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من الفرس والسلاح والخدم والدار» وقوله كانوا « كناية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذه الأشياء من الحوائج اللازمة التي لا بد للإنسان منها فكان وجودها وعدمها سواء وقال الشافعي قد يكون الرجل بالدرهم غنيًا مع كسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه وكثرة عياله.
• ويندرج المتفرغ للعلم تحت هذين السهمين إذا تعذر عليه الجمع بين الكسب وطلب العلم لأنه يقوم بفرض كفاية ولأن فائدة علمه ليست مقصورة عليه، بل هي لمجموع الأمة فمن حقه أن يعان من مال الزكاة لأنها لأحد رجلين إما لمن يحتاج من المسلمين أو لمن يحتاج إليه المسلمون وطالب العلم قد جمع بين الأمرين (١).
• ولا يقر فقهاء الإسلام إعطاءها للمتفرغ للعبادة لأن مصلحة عبادته قاصرة عليه ولأنه مأمور بالعمل والسعي في الأرض ولا رهبانية في الإسلام.
• أما عن المسكين فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس».
كم يعطى الفقير والمسكين من الزكاة؟
اختلفت المذاهب إلى اتجاهين:
الأول: يقول بإعطائهما ما يكفيهما دون تحديد بمقدار من المال وفيه مذهبان:
١ - مذهب يقول بإعطاء كفاية العمر.
۲ - ومذهب يقول بإعطاء كفاية السنة.
الثاني: يقول بإعطائهما مقدارًا محددًا من المال يقل عند البعض ويكثر عند الآخرين.
فمن قالوا بكفاية العمر يقولون: من يبيع البقل يعطي خمسة دراهم أو عشرة ومن حرفته بيع الجوهر يعطي عشرة آلاف درهم إذا لم يتأت له الكفاية بأقل منها ومن كان ذا حرفة أعطي ما يشتري به آلات حرفته قلت قيمة ذلك أو كثرت ومن كان من أهل الضياع «المزارع» يعطي ما يشتري به ضيعة أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها على الدوام (۲).
فإن لم يكن محترفًا ولا يحسن صنعة ولا تجارة ولا شيئًا من أنواع الكسب أعطى كفاية العمر الغالب لأمثاله في بلاده.
وكان عمر رضي الله عنه يقول: إذا أعطيتم فأغنوا، وكان يوصي السعاة بقوله:
«كرروا عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل» (۱) وقال معلنًا سياسته «لأكررن عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل» (۲).
• أما مذهب من يرى الاقتصار على كفاية السنة فيرونها في العادة أوسط ما يطلبه الفرد من ضمان العيش له ولأهله وفي هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك أسوة حسنة فقد صح أنه أدخر لأهله قوت سنة (٣) ولأن أموال الزكاة في غالبها حوليه فلا داعي لإعطاء كفاية العمر وفي كل عام نأتي حصيلة جديدة من موارد الزكاة ينفق منها على المستحقين.
• وأخص ما يخرج به الإنسان من شعور أمام هذه المعاملة الفريدة هو وجود روح الإخاء في المجتمع وليس مجرد عدالة الأرقام بين القلوب المتنافرة وفي هذين المصرفين كلام فقهي كثير يرن صدى نغمته الأسرية والإيمانية في نفسك على الدوام.
حتى عندما تنتهي جميع أسباب الحاجة المادية فإن الحاجة النفسية إلى الحب المتبادل والإيثارات المعطاة لا تتوقف وتحل التطوعات محل القروض المالية والإحسانات محل الواجبات استجابة للنداء الخالد من رسول الهدى والرحمة «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا إنه لا حق لأحد منا في فضل.
٣ - والعاملين عليها:
صنفان:
أ - القائمون على أخذها ويسمون بالسعاة أو المصدقين.
تكون هذه هي أخلاقهم؟ بل وأسماؤهم؟
٤ - المؤلفة قلوبهم:
هم الذين يراد تأليف قلوبهم بالاستمالة إلى الإسلام أو التثبيت عليه أو بكف شرهم عن المسلمين أو رجاء نفعهم فى الدفاع أو في النصر على عدو وهو أمر لا يوكل إلى الأفراد في العادة.
وقد قال القرطبي (٢) «المشركون ثلاثة أصناف: صنف يرجع عن كفره بإقامة البرهان وصنف بالقهر والسنان وصنف بالعطاء والإحسان، والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببًا لنجاته وتخليصه من الكفر».
روي أنه لما «قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء المؤلفة قلوبهم أبا بكر وسألوه أن يكتب لهم خطًا بسهامهم، فأعطاهم ما سألوه، ثم جاءوا إلى عمر وأخبروه بذلك فأخذ الخط من أيديهم ومزقه وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام فأما اليوم فقد أعز الله دينه فإن ثبتم على الإسلام وإلا فليس بيننا وبينكم إلا السيف فانصرفوا إلى أبي بكر فأخبروه بما صنع عمر رضي الله عنهما وقالوا أنت الخليفة أم عمر؟ قال: هو إن شاء ولم ينكر أبو بكر قوله وفعله. وبلغ ذلك عامة الصحابة فلم ينكروا.
• وما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس نسخًا للقرآن ولا تعطيلًا للنص (۳) لأن النسخ إبطال حكم شرعه الله وإنما يملك الإبطال من يملك التشريع وليس ذلك إلا لله عز وجل.
وإنما جواز التأليف وتقدير الحاجة إليه مرجعه إلى ولي الأمر من المسلمين كما نقل القرطبي عن القاضي عبد الوهاب من المالكية قال: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا.. وقال القاضي ابن العربي: الذي عندي أنه إن قوى الإسلام زالوا وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم.
ودواعي صرف هذا السهم اليوم مستمرة للترغيب والدعوة إلى الإسلام وما كل إنسان يحركه الاقتناع بالحق (٤) بل هناك من تحركهم الرغبة ويقودهم الهوى ونحن نجذبه منهما إلى ساحة الإسلام ريثما تنصج مقاييسه وتتطهر رغباته ويبرأ من علله.
وما أخس ما تلجأ إليه النظم الأرضية من أساليب لا أخلاقية وغير إنسانية لاجتذاب الأنصار والمؤيدين أقربها ما تغص به سجون الأنظمة التقدمية ممن يرفضون تأييدها بكل صنوف القهر والإغراء سنين عددًا وما أنظف وسيلة الإسلام وما أنصعها وأكثرها رحمة وواقعية في تأليف القلوب، ولكننا نجهل ما بين أيدينا من كنوز.. وموعدنا في العدد القادم مع بقية المصارف إن شاء الله.
(۱) رواه الجماعة عن ابن عباس.
(۲) يراجع تفصيل ذلك في كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوي.
(۱) فقه الزكاة - القرضاوي ص ٥٦٠.
(۱) النووي جـ ٦ ص ١٩٣ - ١٩٥.
(۱) (۲) الأموال لأبي عبيد ص ٥٦٥ - ٥٦٦.
(۳) متفق عليه.
(١) الأحكام السلطانية ص ۱۲۳.
(۲) ، (۳) أبو داوود.
(٤) مسلم وأبو داوود وغيرهما.
(۱) الطبراني في الكبير وإسناده صحيح.
(۲) تفسير القرطبي جـ ۸ ص ۱۷۹.
(٣) ، (٤) فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل