العنوان تحقيق في فتوى اتهام الزوجة بالزنى عن طريق الـ D.N.A
الكاتب د. مسعود صبري
تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2005
مشاهدات 60
نشر في العدد 1662
نشر في الصفحة 55
السبت 30-يوليو-2005
المعارضون: إذا اتهم الزوج زوجته كان لزامًا عليهما أن يتلاعنا.. واحتمال الخطأ في تحليل البصمة وارد.
المؤيدون: اللعان لا يجدي في زمن فسدت فيه الذمم والأخذ بالبصمة فيما يؤخذ فيه بالقيافة.
رغم اعتراف الجميع أن الإسلام هو دين العلم، غير أن هناك إشكاليات ما زالت متشابكة بين الفقه والعلم التجريبي ولعل من أحدثها تحليل البصمة الوراثية، الذي يمكن من خلاله معرفة أنساب الأبناء لآبائهم الحقيقيين، ويمكن من خلاله اكتشاف خيانة المرأة لزوجها، أو صحة نسب الولد لأبيه.
فهل هذا يتماشى مع طبيعة الشرع؟ وهل يعد هذا تيسيرًا لمعرفة الحقيقة حتى يتبين الأوفياء في الحياة الزوجية من الخائنين، أم أن هذا التحليل شر
مستطير؟
ويسير جمهور الفقهاء المعاصرين في رفض اتهام الزوجة بالزنى عن طريق تحليل البصمة الوراثية، ويرون أن الزوج إذا اتهم زوجته كان لزامًا عليه أن يتلاعن مع زوجته كما حدد الشرع تلك الوسيلة.
بهذا الرأي قال الدكتور علي جمعة مفتي مصر، وبنى فتواه على احتمال نسبة الخطأ في تحليل البصمة الوراثية، قياسًا على قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، ولو كانت التحاليل صحيحة فهي لا تثبت الاتهام، لأن «اليقين في نفسه يقع الظن في طريق إثباته».
حق للمرأة
وقد جعل الدكتور يوسف القرضاوي أن اللجوء للبصمة الوراثية حق للمرأة، وليس للرجل «فإذا طلبت الزوجة من القاضي الشرعي أو من المحكمة الشرعية الاحتكام إلى البصمة الوراثية، فالواجب أن تستجيب لها، رعاية لحقها في إثبات براءتها، وحق ولدها في إثبات نسبه، وعملًا على إراحة ضمير زوجها، وإزالة الشك عنه».
وقد رأى عدد كبير من الفقهاء بمشاركة عدد من الأطباء المتخصصين في ندوة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، بحضور ستة وعشرين عالمًا وطبيبًا، منهم رئيس المجمع الفقهي الشيخ الخوجه، والدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق، والدكتور خالد المذكور، ومفتي تونس وغيرهم أن البصمة الوراثية من الناحية العلمية وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية والتحقق من الشخصية ولا سيما في مجال الطب الشرعي. وهي ترقى إلى مستوى القرائن القوية التي يأخذ بها أكثر الفقهاء، في غير قضايا الحدود الشرعية، وتمثل تطورًا عصريًا عظيمًا في مجال (القيافة) التي يذهب إليها جمهور الفقهاء في إثبات النسب المتنازع فيه، ولذلك ترى الندوة أن يؤخذ بها في كل ما يؤخذ فيه بالقيافة من باب أولى.
الأخذ بالبصمة
ورأت حلقة النقاش أن يؤخذ بالبصمة الوراثية في حال تنازع أكثر من واحد في أبوة مجهول النسب إذا انتفت الأدلة أو تساوت وقال برفض استخدام التحاليل في الحدود كل من الدكتور عبد العزيز عزام أستاذ الفقه بكلية الشريعة جامعة الأزهر والشيخ عبد الله مجاور رئيس لجنة الفتوى بالأزهر وعدد من الفقهاء والباحثين.
غير أن بعض أساتذة الشريعة ذهبوا إلى استبدال اللعان، والأخذ بإثبات النسب وفض النزاع في الاتهام بالزنى بالبصمة الوراثية ومن هؤلاء الدكتور عبد المعطي بيومي الأستاذ بجامعة الأزهر.
واستند القائلون بضرورة الأخذ بالبصمة الوراثية على أن اللعان أصبح لا يجدي في زمن فسدت فيه كثير من الذمم وضعف فيه الوازع الديني، وأن الأخذ بالوسائل العلمية- خاصة تحليل الـ DNA بوصفها شهادة- قاطع للنزاع ومنصف للأبناء، ومحقق لمصلحتهم وواضع للعدالة موضعها الصحيح، حيث يردع المتطاولين على الشرف وحفظ الأنساب. والأيمان التي يحلف بها الزوجان في اللعان كانت رادعة للناس في عصور كان الخوف فيها من الله يردع الناس عن ارتكاب المظالم وظلم النساء والأولاد، أما اليوم أصبح لا يعبأ الكثيرون بحدود الله ولا بالأيمان الغموس.
والذي يبدو أنه لا يجوز اتهام الزوجة بالزنى عن طريق البصمة الوراثية، وذلك لأن في القول به إلغاء لحكم شرعي ثابت بالكتاب والسنة، وأن القول إن الحكم كان وسيلة معاصرة لزمانه قول غير مسلم به لأن هذا يعني أن التشريع في زمن الوحي كان خاصًا بزمنه، وهذه مفسدة عظمى لا يمكن القول بها، وأن الذي شرع اللعان شرعه لكل زمان ومكان، ولا يثبت نفي اللعان خراب الذمم، لأن خراب الذمم موجود في كل عصر ومصر، فقد شهد العصر النبوي حوادث زنى وسرقة وشهادة زور وغيرها من الموبقات، كما أن اللعان قائم على الستر والتحليل يفضح الستر ويلغيه، وكأن الأخذ به في اتهام الزوجة نقض لمقصود شرعي، ثم إن حادثة هلال بن أمية ناطقة بخراب ذمة زوجته، ومع هذا فقد أجرى الرسول ﷺ اللعان وأثبته مع يقينه بكذبها، والقول بالبصمة الوراثية معناه نسخ اللعان، وهو قول مرفوض جملة وتفصيلًا.
أما الأخذ به في إثبات النسب، لو طلبته الزوجة، أو التمييز بين المولودين عند الاختلاف أو غيرها، فلا بأس به لأنه يحقق مصلحة، ولا يتعارض مع نص والأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل