العنوان من وحي الأزمة الأمريكية- الإيرانية.. الأرصدة العربية: المأزق والمخرج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1979
مشاهدات 62
نشر في العدد 463
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 18-ديسمبر-1979
•الأموال النفط كيف تصبح ورقة في أيدينا؟
•الأموال المستثمرة في الغرب قائمة في معظمها على الربا الذي حرمه الله
مع اشتداد الأزمة الأمريكية- الإيرانية تناقلت وكالات الأنباء أن أمريكا ربما تتدخل عسكريًا لإنهاء أزمة الرهائن الأميركيين في السفارة الأمريكية في طهران. ولكن المطلعين من المراقبين كانوا على ثقة بأن أمريكا لأسباب كثيرة لن تلجأ إلى الحل العسكري وسوف تركز على التصعيد الدبلوماسي والحرب الاقتصادية... وهذا ما أكده مرارًا الرئيس كارتر. ومن أشد الإجراءات الاقتصادية إثارة على المستوى العالمي هو القرار الذي اتخذته الإدارة الأمريكية بتجميد الأرصدة الإيرانية في الولايات المتحدة كما طلبت ذلك أيضًا من البنوك الأمريكية في الخارج وتبلغ الأموال الإيرانية الخاضعة لقرار التجميد هذا حوالي خمسة بلايين دولار منها حوالي أربعة دولار في مصارف أميركية بأوروبا كما ذكر ذلك الدكتور علي رضا نويري حاكم البنك المركزي في إيران في مقابلة مع مجلة لبنانية وليس المجال هنا للحديث عن تفاصيل هذه الأزمة ولكن تكفينا الإشارة إلى أن أمريكا زعيمة العالم الرأسمالي هي التي أشعلت نار الحرب الاقتصادية في الوقت الذي لا تزال وسائل الإعلام الأمريكية والغربية تتهم الأقطار الإسلامية المنتجة للنفط بأنها هي التي تهدد النظام الاقتصادي العالمي. وعلى أية حال فإن هذه الحرب الاقتصادية لم تقتصر على تجميد الأرصدة الإيرانية بل تعدى الأمر إلى التهديد بالتجويع وذلك عن طريق تحريض المؤسسات الصهيونية خارج أمريكا وخاصة في أستراليا ونيوزلندا للقيام بإضرابات عمالية في جميع المسالخ هناك لمنع ذبح الخراف التي تصدر إلى إيران على الطريقة الإسلامية، كما قامت نفايات العمال في نيوزيلندا بمنع الجزارين المسلمين من ممارسة عملهم والحقيقة أن أستراليا ونيوزيلندا هما الممون الرئيسي للحوم لإيران ولمعظم دول الشرق الأوسط ومن بينها الكويت..
سوابق
وما دمنا نتكلم عن الغذاء فلا بد من التذكير بأن الولايات المتحدة بالذات كانت قد استخدمت إنتاجها الفائض من الحنطة للمساومة السياسية وحكايتها مع عبد الناصر لا زالت ماثلة في الأذهان عندما سببت له أمريكا أزمة قمح لفرض شروط سياسية معينة. ثم أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كذلك أخذا يدخلان السوق العالمية للمواد الغذائية لشراء كميات إضافية منها تزيد عن حاجاتهما وذلك لمزاحمة الدول الفقيرة على لقمة العيش. ويقول بعض المراقبين إن ارتفاع أسعار الدجاج المثلج عالميًا والذي تأثرت به الكويت كان بسبب شراء الاتحاد السوفياتي لكميات كبيرة منه.
حقيقة
والحقيقة أن قرار الولايات المتحدة بتجميد الأرصدة الإيرانية ليس الأول من نوعه، فقد سبق لها أن جمدت الأرصدة الصينية. ثم أن دولًا عظمى سبق أن اتخذت مثل هذا القرار كبريطانيا التي جمدت الأرصدة في الحرب العالمية الثانية بحجج واهية منها منع الكسب غير المشروع ووضع حد لأغنياء الحرب الأهلية الإسبانية.
ونظرًا لهذه الأسباب فقد أخذت التساؤلات تطرح من هنا وهناك عن الأرصدة العربية ومصيرها.. ونحن نميل إلى أن قرار الولايات المتحدة الأخير بتجميد الأرصدة الإيرانية ليس موجهًا لإيران فحسب وإنما يقصد به تخويف وإرهاب الدول النفطية خاصة الإسلامية منها، فكما ذكرنا فإن حجم الأموال الإيرانية الخاضعة للقرار تقدر بحوالي خمسة بلايين دولار فيما بلغ إجمالي موجودات دول أوبيك في الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا العام 39,4 بليون دولار كان نصيب السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة منها ۳۲,۲ بليون دولار. ولكي تتضح الصورة أكثر فإننا نورد إحصائية بحجم الاستثمارات والودائع الخارجية لبعض دول الأوبك وعائداتها كما نشرتها النشرة الاستراتيجية التي تصدر عن مركز العالم الثالث للدراسات والنشر بلندن.
الاستثمارات والودائع الخارجية لبعض دول الأوبك «ملايين الدولارات»
1972 نهاية 1977 نهاية ۱۹۷۸
السعودية 2303 66000 75000
الكويت 2418 22000 26000
إیران 884 12286 11951
الإمارات 300 75750 10000
ليبيا 2694 4891 4200
قطر 414 2562 3000
المجموع 9733 122285 138651
•بالنسبة للعراق فإن الأرقام الدقيقة غير متوفرة والأموال المودعة في الخارج هي لأغراض تجارته الدولية وليست للاستثمار.
عائدات الاستثمارات لبعض دول الأوبيك «ملايين الدولارات»
1972 1975 1978
السعودية 125 1962 6000
الكويت 410 1361 2700
الإمارات 20 268 1000
قطر 238 128 200
إيران 18 745 1100
ليبيا 152 228 1100
المجموع 781 4882 11000
وكما هو واضح فحجم هذه الأموال كبير جدًا، ومما يجدر ملاحظته أن هذه الاستثمارات موزعة على شكل سندات حكومية وأوراق مالية وأسهم في شركات كبيرة وقليل منها في العقارات. ولنا على هذه الاستثمارات ملاحظات نلخصها فيما يلي:
1- هذه الاستثمارات قائمة في معظمها على أساس الربا الذي حرمه الله تحريمًا قاطعًا.
2- الأموال المودعة في المصارف أو على شكل أسهم تسهم بشكل فعال في تقوية دعائم الاقتصاد الغربي الذي أخذت أسعار منتجاته المصدرة ترتفع منذ عدة سنوات بشكل رهيب أثقل كاهل الدول المصدرة للنفط والدول الفقيرة.
3- هذه الاستثمارات يتهددها خطر التضخم الذي يأكل القيمة الشرائية لهذه الأرصدة. فضلًا عن أن تقلب أسعار الصرف وانخفاض الدولار بشكل مستمر قد كبد الدول صاحبة هذه الأرصدة خسائر كبيرة متكررة.
4- تتعرض الأرصدة خاصة إلى خطر التجميد.
كيف السبيل !!
ونحن لا نرى أن تسحب هذه الأرصدة مرة واحدة فلذلك مضارة التي لا تخفى كما أنه يستحيل ذلك عمليًا في الوقت الحاضر ولذلك نرى أن يتم تشجيع الاستثمارات في حقل الصناعات، خاصة التي تقام في ما يسمى بالعالم الثالث وفي حقل العقارات. على أن الأهم من ذلك أن تسهم أموال المسلمين في إرساء قواعد وحدتهم ومتانة القاعدة الاقتصادية في بلادهم وأن يولوا مسألة «الأمن الغذائي» أهمية خاصة ونحن نؤمن بأن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها في كل قطر على حدة بل يجب أن تكون هنالك استراتيجية للعمل الاقتصادي في البلدان العربية خاصة والبلدان الإسلامية بشكل عام لتحقيق أهداف عليا أساسية هي:-
1- تحقيق الأمن العسكري والغذائي والتكنولوجي.
2- الإسراع في عملية التنمية الاقتصادية للمجموع بحيث تكون شاملة متوازية وغير تابعة بحيث تؤدي إلى التكامل الاقتصادي بين الدول وتعمل على تقليل الفجوات بين منطقة وأخرى.
3- إرساء قواعد جديدة للتعامل في النظام الاقتصادي العالمي روح الإسلام وقواعد الشريعة في المعاملات.
وبمراجعة تاريخ التعاون الاقتصادي بين الدول العربية نجد أن الأسباب السياسية كانت في معظم الأحيان هي السبب في تعثر هذا التعاون وتوقفه أحيانًا كثيرة.. وهنا تكمن أهمية الإسلام في جمع شمل الأمة أفرادًا ومجتمعًا وحاكمين، لذلك نعتقد بأن الأولوية في تنفيذ هذه الاستراتيجية التي اقترحناها هي إعلان العزيمة الصادقة على تطبيق الشريعة الإسلامية وتعبئة الرأي العام بالروح الدينية عن طريق وسائل الإعلام المختلفة حتى تتذلل جميع العقبات التي تحول دون الوحدة والتعاون. وفي الختام لا يسعنا إلا أن نذكر الخائفين على أرصدتهم وأموالهم بقوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (سورة النور: 55).