العنوان الذخائر المشعة: مرض البلقان.. جريمة أخرى توجب مكافحة الهيمنة الأمريكية
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-2001
مشاهدات 89
نشر في العدد 1434
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 16-يناير-2001
الولايات المتحدة أخفت عن حلفائها الأوروبيين التأثيرات الضارة للأسلحة المستخدمة في كوسوفا
أضاف الكشف عن الإصابات والوفيات الجديدة في صفوف الجنود الأوروبيين المشاركين في الحملات الأطلسية في البلقان بسبب القنابل الأمريكية التي ألقيت على كوسوفا.. أضاف ما يجدر وصفه بجريمة أخرى في السجل العسكري الأمريكي، وكان هذا السجل قد هبط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حضيض غير مسبوق بإلقاء أولى القنابل الذرية على هيروشيما، ثم مضى بعد ستة أيام فقط خطوة أبعد مدى بإلقاء القنبلة الذرية الثانية على ناجازاكي أي بعد أن ظهر المفعول الحقيقي للسلاح الفتاك الجديد آنذاك، فكانت الجريمة المضاعفة الثانية تتمثل في الإصرار على قتل المزيد من المدنيين بمئات الألوف، رغم أن اليابان كانت في حكم المهزوم عسكريًا، وكانت مسألة استسلامها، العسكري رسميًا بعد ألمانيا مسألة وقت فحسب، ولم تكن بحاجة إلى توجيه ضربة نووية، إلى أهلها، فكانت تلك الجريمة إمعانًا في التقتيل لا غير.…
السجل الأمريكي في هذا المجال حافل بالتجاوزات منذ عصر الغزوات الأولى في الأميركتين الوسطى والجنوبية، ثم بعد الحرب العالمية الثانية في أكثر من مائة وخمسين حربًا محلية واشتباكًا عسكريًا بمشاركة أمريكية في مختلف أنحاء العالم، فضلًا عن مسلسل المؤامرات التي حاكتها المخابرات الأمريكية لتدبير الاغتيالات والانقلابات والاضطرابات وتنفيذها في دول أخرى، وترسيخ وجود أنظمة استبدادية ارتكبت بدورها ما ارتكبت من جرائم في حق شعوب الأرض ولم تتورع الولايات المتحدة يومًا عن استخدام أي سلاح من الأسلحة الفتاكة النووية كما كان في اليابان والجرثومية والكيمياوية والتقليدية كما كان منذ فيتنام حتى كوسوفا، مادامت آمنة من تلقي رد موجع لعدم توفر سلاح رادع عند الطرف الآخر.
في ذلك السجل الطويل، يأتي استخدام الذخائر المشعة في الخليج والبلقان في العقد الأخير من القرن الميلادي المنصرم، كمرحلة أخرى من مراحل الحضيض الذي وصل إليه التطور التقني للإجرام العسكري ويلفت النظر هنا أن التمرد الأوروبي على الهيمنة العسكرية الأمريكية رافق هذا التطور، وازداد التصميم عليه رسوخًا جنبًا إلى جنب مع بذل الأمريكيين أقصى جهودهم للحفاظ على هيمنة انفرادية قد اهترأت واقعيًا مع اهتراء الشيوعية وانهيارها، كما اتخذت مسيرة التميز الأوروبي أمنيًا وسياسيًا أشكالًا أكثر إصرارًا وأشد وضوحًا في السنوات الأخيرة، كما تشهد المواقف الرسمية والخطوات العملية، في كل اجتماع جديد ينعقد على المستوى المشترك، بما في ذلك ما بدأ يصدر من تصريحات رسمية أوروبية مؤخرًا، على هامش الأخبار المتوالية عن الوفيات والإصابات بسبب الذخائر المشعة، وعن عمليات الفحص الجماعي للجنود الأوروبيين، فضلًا عن المطالب الأوروبية المتكررة الملحة بإلغاء استخدام تلك الذخائر الأمريكية نهائيًا داخل حلف الأطلسي.
على الصعيدين الشعبي والرسمي، عززت الوقائع الجديدة حول الذخائر المشعة أرضية التميز التي يتحرك الأوروبيون عليها دائبين، منذ صدرت مبادرة الفيلق الفرنسي- الألماني المشترك عام ۱۹۹۱م وسيان بعد ذلك ما يصدر من تحذيرات أمريكية أو تطمينات أوروبية، إذ لم يعد يوجد شك في أن الهدف الرسمي الأوروبي هو الخروج من قفص الهيمنة الأمريكية العسكرية والسياسية، فضلًا عن الخروج من قفص الهيمنة الاقتصادية والمالية من قبل بغض النظر عن استمرار علاقات التعاون المصلحي التي تحقق مصالح متبادلة للجانبين.
تراكم أسباب التمرد الأوروبي
ولا تنطلق من فراغ في الربط بين ما ظهر الآن من أبعاد استخدام الذخائر المشعة من جانب القوات الأمريكية فقط من بين القوات المشاركة في الحرب الأطلسية باسم كوسوفا، وبين التصعيد الملحوظ لوتيرة التمرد الأوروبي، فقد كان واضحًا أن هذا التصعيد دخل منعطفًا جديدًا منذ تلك الحرب، وبدأ يتخذ صيغًا مرئية وأشكالًا عملية تشمل عددًا أكبر من الأوروبيين ودولهم ويبدو أن ما كان يجري وراء الكواليس العسكرية والسياسية أثناء الحرب كان أكبر من مجرد خلاف على انفراد أمريكي بالقيادة العسكرية، وأنه كان يشمل مسألة استخدام الذخائر المشعة ومن الجوانب التي انكشفت الآن بهذا الصدد، أن القيادات العسكرية الألمانية رفضت آنذاك ما حصلت عليه من القيادات العسكرية الأمريكية من تأكيدات وتطمينات، بشأن عدم وجود أي خطر على الجنود الألمان، إذا ما تحركوا في مناطق استخدمت فيها الذخائر المشعة في أراضي كوسوفا، فكانت ألمانيا الدولة الأوروبية الوحيدة المشاركة في الحملة الأطلسية، التي أوعزت إلى جنودها بأوامر عسكرية خاصة، تقضي باتخاذ الاحتياطات والإجراءات الوقائية من الإصابة بإشعاعات اليورانيوم في تلك المناطق.. ورغم ذلك قد تظهر في المستقبل إصابات، ما في صفوف الجنود الألمان، ولكن يلفت النظر في الوقت الحاضر أن ألمانيا (باستثناء حالة واحدة ظهرت عام ١٩٩٧م ويراد البحث فيها الآن كانت من الدول الأوروبية القليلة التي لم تظهر فيها حالات، أعراض إصابة البلقان، وكلمة إصابة البلقان أطلقتها القيادات العسكرية، لتجنب الحديث عن وجود صلة ثابتة ما بين وصول تلك الأعراض إلى مستوى سرطان الدم المميت، وبين استخدام الذخائر المشعة.
أما في الدول الأوروبية الأخرى فقد شمل انتشار حالات الإصابة مئات الجنود الأوروبيين في مستوى أعراض خفيفة والعشرات في مستوى إصابات ثقيلة كسرطان الدم، كما ناهز عدد الوفيات الأسبوع الماضي عشرة جنود على الأقل، منهم سبعة في إيطاليا ويبدو أن هذا الخلاف وراء الكواليس أثناء حرب كوسوفا، ومن قبل حول استخدام الذخائر المشعة في حرب البوسنه والهرسك وفي حرب الخليج الثانية، كان له مفعوله التراكمي مع خلافات أخرى نشبت أثناء حرب كوسوفا أيضًا، ومنها احتكار العسكريين الأمريكيين حق الاستفادة من صور الأقمار الصناعية الأمريكية لساحات المعارك العسكرية مع تأخير اطلاع الحلفاء عليها، وكذلك الخلافات على توقيت المعركة وتصعيدها والتعامل مع موسكو بصددها.. فجميع ذلك كان يساهم في تعزيز إرادة الاستقلال الأوروبية أمنيًا، ولهذا.. عندما انعقد لقاء مجموعة السبع الصناعية مع الاتحاد الروسي وكذلك لقاء القمة الأوروبي الدوري، كلاهما في كولونيا في أسبوع واحد عام ۱۹۹۸م، تزامن قرار القمة السباعية حول وضع صيغة إنهاء حرب كوسوفا، مع قرار القمة الأوروبية حول وضع صيغة تشكيل قوة تدخل عسكري أوروبية مستقلة وإنشاء مفوضية مشتركة للسياسة الخارجية رغم المعارضة الأمريكية المتصاعدة لذلك القرار.
لقد تحرك الأوروبيون في هذا الاتجاه رغم سائر ما قبل ويقال تحت عناوين العولمة، أو النظام الدولي الجديد، أو العدو البديل بالمنظور الغربي، أو صراع الحضارات وما شابه ذلك، ولم يغير هذا التحرك الأوروبي من واقع استمرار وجود أرضية مشتركة أخرى، يتحرك الأوروبيون والأمريكيون عليها معًا، في إطار ما يجمعهم من أهداف ومصالح غربية مشتركة عالميًا.
وهنا نتساءل:
متى يتحرك المسؤولون عن بلدان المسلمين، مع بعضهم البعض على أرضية مشتركة ولو بقيت بينهم خلافات ما؟ متى يتحركون معًا لتحقيق استقلال حقيقي عن الارتباط بالقوى الأجنبية دون أن تظهر بدلًا من ذلك أصوات تحذر من عزلة دولية مزعومة، أو من عجز مزعوم عن التحرك بالطاقات الذاتية، بل وتمضي في شذوذها إلى درجة الاستهزاء من إمكانية الجمع ما بين الالتقاء على بعض المصالح والخلاف على بعضها الآخر.. والأنكى من ذلك أنها أصوات يتقمص أصحابها ثوب العقلانية والواقعية، زورًا، ثم هم لا يطرحون بديلًا عن العمل لتحقيق هدف تحرير الإرادة السياسية، سوى استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه، فكأن الوضع الطبيعي بموازين عقلانيتهم وواقعيتهم، أن تكون مجموعة الدول العربية والإسلامية وحدها، انهزامية استسلامية تأبي مجرد التفكير بالتحرر.
التمرد رغم الحاجة: لم يعد يوجد في أوروبا خلاف جاد على أصل أهمية التميز عن الأمريكيين وترسيخ الاستقلال الأوروبي، إنما تفاوتت في الماضي وتتفاوت حاليًا درجات تقدير التفاصيل المرتبطة بالسبيل الأنسب للوصول إلى الهدف، لم يكن مفهوم- الهيمنة الأمريكية بالمنظور الأوروبي هيمنة تفوق تقني أو مادي ما من جانب الأمريكيين إنما كان مفهوم الهيمنة ولا يزال هو الهيمنة على صناعة القرار السياسي والعسكري، هنا برز التمرد، ليس في نطاق التمرد الفرنسي المبكر من عهد شارل ديجول فحسب بل وفيما تعكسه الخلافات الأطلسية المتجددة باستمرار، من أجل شغل المواقع القيادية مثلًا، حتى إذا بلغ تمسك واشنطن المتعنت بهيمنتها الأطلسية مداه بعد سقوط الشيوعية، لم يعد التعبير عن تمرد الأوروبيين مقتصرًا على طرح المطالب ومناقشتها بل انتقل إلى اتخاذ خطوات عملية لفرضه على أرض الواقع، كما كان في القرارات الأوروبية المتتالية، منذ إحياء منظمة الاتحاد الأوروبي الغربي، الدفاعية دون مشاركة أمريكية، وحتى القرار الأخير بصدد تشكيل قوة تدخل سريع مستقلة عن حلف الأطلسي.
حرب كوسوفا لم تمثل ميلاد التميز الأوروبي وإنما مثلث الانتقال إلى مرحلة عملية تطبيقية لهدف ثابت منذ فترة طويلة نسبيًا، عجلت به الهيمنة الأمريكية في التعامل مع الحلفاء الأوروبيين، والتي كان أحد مظاهرها التعامل مع مسألة الذخائر المشعة، في أول حرب خاضها حلف شمال الأطلسي بصورة رسمية تحت قيادة أطلسية مباشرة، واستهدفت كوسوفا رسميًا، والانسياح الأطلسي شرقًا واقعيًا، (كانت الحرب الأطلسية في البوسنه والهرسك تحت علم دولي).
تحقيق التميز الأوروبي الأمني لم يكن ليتم بصورة عاجلة، لا سيما أن الارتباطات العسكرية الأطلسية شديدة التشابك، لذا فقد سبقته مساع أوروبية للتميز عن الأمريكيين في ميادين أخرى حدث هذا أثناء الحرب الباردة، أي في ظل احتياج الأوروبيين إلى الارتباط بالحليف الأمريكي أشد احتياج، ولم يمنع ذلك من العمل على الاستقلال المالي والاقتصادي أوروبيًا داخل النطاق الغربي وخوض التنافس التجاري والاستثماري على المستوى العالمي بل إن من نتائج ذلك التميز المبكر اختلاف النظرة الاجتماعية والسياسية والقانونية في مسألة تصنيع الذخائر المشعة، ما بين أوروبا والولايات المتحدة.
إن وطأة الإحساس الأوروبي، الحقيقي أو الواهم آنذاك بالحاجة الماسة إلى مظلة نووية أمريكية، لم تمنع من التمرد على مظاهر الهيمنة الاقتصادية والمالية والثقافية والفكرية، ولهذا أمكن بناء أسباب القوة الذاتية وطنيًا على مستوى كل بلد أوروبي على حدة، وأوروبيا بصورة مشتركة، وهو ما يراد استكماله الآن بمسيرة التميز العسكرية والأمنية، بل هو ما يمثل الأساس الذي يقوم التميز الأمني عليه في الوقت الحاضر بدأت أول الخطوات الأوروبية اقتصاديًا، وماليًا من تحت الأنقاض التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، وفي ظل أوضاع ومعطيات أشد سوءًا بكثير -مع مراعاة تباين الظروف التاريخية ومعاييرها- من الأوضاع والمعطيات السائدة الآن بالنسبة إلى معظم البلدان العربية والإسلامية والبلدان النامية عمومًا، ونعود هنا إلى التساؤل:
متى تسعى الدول العربية والإسلامية -وتسعى الفعاليات المؤثرة داخلها- من أجل تحقيق استقلال فعلي، في شتى المجالات.
التمرد على سائر أشكال الهيمنة: لم تعد أسلحة الهيمنة الأمريكية منذ زمن بعيد مقتصرة على الأسلحة العسكرية، بل أصبحت تتغلغل وتتسلل في سائر ميادين الحياة الأخرى ولم تعد الهيمنة الأمريكية توجه ضرباتها للترسانات العسكرية، بل باتت توجه ضرباتها أيضًا إلى صميم مصادر القوة الوطنية الاقتصادية والصناعية والزراعية.
ولم تعد تعتمد على ركائز تصل إلى رأس السلطة عبر مؤامرات استخباراتية فحسب، بل أصبحت تعمل للتحرك على سائر المستويات، وبات يخدمها قلم منحرف أو فيلم ينتجه مخرج منحرف أو استثمار مالي في غرض منحرف أو مضر... ربما أضعاف ما يخدمها استبداد حاكم وسجنه ومخابراته.
لم تعد الهيمنة الأمريكية تقتصر على عقد اتفاقات أمنية بين فريقين غير متكافئين، أو استئجار، قواعد، أو احتكار، الإشراف والإدارة والقرار الأخير في برامج التسلح والصيانة والتدريب وما يشابهها بل للهيمنة سبل أخرى أصبحت العولمة، إحدى الكلمات الجامعة في وصفها، فهي التي تمكن الهيمنة الأمريكية من الاعتماد على من يوفر لها ركائز التبعية، وطنيًا، من داخل الحدود، بدءًا بالترويج للتبعية والتمويه عليها باسم صداقة وتعاون ودعم «مشكور» مرورًا بتعديل قوانين الحماية التجارية والجمركية بدعوى جلب الاستثمارات وتشغيل العمال، وانتهاء بنشر ثقافة معوجة تشجع كل ما هو أجنبي مستورد على حساب كل ما هو وطني محلي.
هذه الألوان المتعددة من التبعيات هي التي أوصلت في الوقت الحاضر إلى انكشاف معظم أرجاء المنطقة الإسلامية لتصبح أشبه بمنطقة مستباحة، بعد أن فقدت مقومات الأمن الذاتي في الميادين الغذائية والزراعية والصناعية والتجارية والمالية والأخطر من ذلك هو تعويض هذا النقص بما هو أخطر منه أي الارتباط بالهيمنة الأمريكية التي ثبت لأوروبا، وهي أشد البلدان ارتباطًا بها، على مستوى التحالف والصداقة، وعلى مستوى الانتماء إلى دائرة حضارية واحدة أنها لا تتورع عن إعطاء الأولوية المطلقة للمطامع الذاتية تجاه سائر القيم والمعايير وتجاه الإنسان نفسه.
وهذا هو المغزى الأهم من مغزى تداعيات مسألة الذخائر الحية، وما ظهر بعد استخدامها في حرب الخليج الثانية لأول مرة فوفق المصادر الأمريكية المستقلة، انتشرت الأعراض الخفيفة للإصابة بالإشعاعات بين الجنود الأمريكيين أنفسهم فشملت ٢٥٠ ألفًا من أصل ٧٠٠ ألف جندي شارك في الحرب وأصيب الألوف بأمراض خطيرة كالسرطان الدم، وقضى المئات نحبهم نتيجة تلك الإصابات، وبدأت الظاهرة تتكرر الآن على مستوى الجنود الأوروبيين الذين كانوا أشد احتكاكًا بالمعدات الصربية المدمرة والملوثة بالإشعاعات نتيجة قصفها بذخائر مشعة أمريكية.
وإذا كانت هذه الوقائع في الميدان الأمني وسواها في ميادين أخرى في العقود الماضية، قد دفعت الأوروبيين وما تزال تدفعهم إلى الحرص الشديد على التميز عن الأمريكيين في ميدان بعد ميدان رغم ما بين الفريقين من ارتباطات تاريخية ومصلحية.. فماذا عن الصعيدين العربي والإسلامي رغم ما بين أيدينا من الإمكانات والطاقات؟
وإذا بقيت الدعوات إلى التحرر من أغلال الهيمنة التي ترسخها بأنفسنا، ومن أغلال العجز الذي نزعمه لتبريرها، أشبه بدعوات في الفراغ وبقيت بعيدة عن أن تجد أذانا صاغية في بعض البلدان أو أن تجد استجابة قائمة على الإدراك الواعي بأنها دعوات لتحقيق المصلحة المشتركة العليا.. فلابد من التأكيد بالمقابل أن مستوى الوعي الشعبي الذي بدأ يظهر للعيان، هو المنطلق الذي يجب اعتماده، على أمل الوصول به إلى مستوى الضغوط الفعالة الإيجابية التي تساهم في استعادة الإرادة السياسية والاقتصادية والأمنية.
وفي هذا الإطار تكتسب قضية المقاطعة الشعبية الراهنة للسلع والخدمات الأمريكية مكانة خاصة، إذ لم تعد هذه المقاطعة مجرد مطلب جماهيري للتعبير عن رفض الانحياز الأمريكي العدواني السافر في قضية فلسطين فحسب، بل هي وسيلة من الوسائل المثلى للخروج نفسيًا وعمليًا من قفص التسليم للهيمنة الأجنبية بمختلف أشكالها وفي مختلف ميادين المعيشة اليومية للفرد والمجتمع.
إن ممارسة المقاطعة المنظمة الهادفة هي جزء من عملية التربية والتكوين للفرد العربي والمسلم، وجزء من الجهود الضرورية المفروضة بإلحاح من أجل إحياء الطاقات الذاتية في ميادين الاستثمار والإنتاج.. وهي بذلك بمثابة المدخل الجماهيري لبناء مستقبل آخر تتحقق فيه الأهداف المشروعة الجليلة التي افتقدنا القدرة على تحقيقها أثناء عشرات السنين الماضية من ألوان التبعيات للشرق والغرب وفق مختلف المناهج المستوردة، تلك التي تساقطت تباعًا عاجزة عن تحقيق الأهداف، ومخلفة ما تعرف من تخلف وأضرار وهزائم ونكبات، ومازال بعض الواهمين متمسكا بها تمسك من يستمرئ حياة التخلف والذل والتبعية.