العنوان باكستان.. أزمة الداخل وتحديات الخارج
الكاتب أمجد الشلتوني
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1997
مشاهدات 65
نشر في العدد 1259
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 22-يوليو-1997
كان المأمول بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة ومجيئ حكومة نواز شريف أن تلتقط باكستان أنفاسها، لكن الذي يبدو هو أن الأوضاع تتفاقم بعد تزايد الضغوط الداخلية واستمرار التحديات الخارجية.
فعلى الصعيد الداخلي جاءت محصلة أربعة أشهر للحكومة الجديدة بأسوأ أزمة في الأسعار، بينما وصلت حوادث العنف إلى حد الخطر وأخذت المنحى الطائفي بعد ازدياد معدل تفجير السيارات والدراجات البخارية، وإطلاق النار العشوائي الذي أودى بحياة ٣٥٠ قتيلًا من السنة والشيعة خلال السنوات الأربع الماضية.
الفشل الاقتصادي والتدهور الأمني رفع من حدة المعارضة السياسية لدى الأحزاب السياسية الأخرى وخاصة الجماعة الإسلامية التي بدأت تحركات لتوسيع قاعدتها الشعبية بخمسة ملايين عضو حتى تكون جديرة بحكم البلاد وعلى الصعيد الخارجي مازال صراع باكستان النووي مع الهند يمثل أخطر التحديات الخارجية التي تواجهها، كما أن الصراع المستمر في أفغانستان يلقي بظلاله على باكستان ويزيد من تبعات التحديات الخارجية.
تعددت الأسباب والعنف واحد
لم تغب مدينة كراتشي الباكستانية عن ساحة الأحداث الدولية خلال يونيو الماضي، حيث ظل حديث العنف المسلح يضيف كل يوم حصيلة جديدة من الضحايا بعد نحو ستة أشهر من الهدوء النسبي إثر إقالة حكومة بوتو في نوفمبر من العام الماضي واتهامها بعمليات قتل خارج نطاق القضاء لتصفية حسابات سياسية في المدينة، وبدأ خلال الشهر المنصرم أن هناك تنافسًا في المدينة، وبين تيارات أخري تخوض صراعًا من نوع أخر في ولاية البنجاب وعاصمتها لاهور في حلقة جديدة من حلقات صراع ممتد منذ نحو عشر سنوات، ولكنه يتخذ منذ سنتين منحني خطيرًا.
كراتشي.. استئناف العنف: قرار الرئيس الباكستاني فاروق ليجاري بإقالة حكومة بوتو قوبل آنذاك بترحيب عام في الأوساط الشعبية، لكن كراتشي كانت أكثر المدن تأييدًا للقرار الرئاسي والذي حمل ضمنا إنهاء حملة من العنف والعنف المضاد بين قوات الأمن وجماعات مسلحة من حركة المهاجرين القومية استمرت على مدى أربع سنوات وشهدت ذروتها إبان رئاسة بوتو للوزراء، مما تحولت معه المدينة إلى ساحة للرعب وألقت بظلال سيئة على النشاط الاقتصادي للدولة والذي تشكل كراتشي عموده الفقري، ولم يدر في خلد الكثيرين أن الهدوء الذي ساد في أعقاب ذلك لم يكن سوى استراحة المحارب ففي أشهر قليلة كانت الانتخابات الجديدة تقود إلى برلمان إقليمي حرج لا يمكن أي مجموعة بمفردها من تشكيل حكومة قوية في الولاية، مما دفع إلى مفاوضات عسيرة أسفرت عن تشكيل تحالف ما بين استبعاد حزب الشعب وإرغامه على اللجوء إلى المعارضة مع أنه أكبر الأحزاب حجمًا في برلمان الولاية، وذلك في مواجهة تحالف حاكم لا يجمع بين أطرافه سوى العداء لحزب الشعب، والرغبة في الحيلولة بينه وبين الحكم، أو تثبيت سلطته في مسقط رأس مؤسسه ذو الفقار علي بوتو.
التحالف الجديد وفي أكثر من مناسبة تعرض لهزات عنيفة وحملات التشكيك من جانب الطرفين، فحزب نواز شريف يتهم شريكه في التحالف بالسعي إلى تصفية حسابات سياسية باغتيال أطراف من جناح منافس من الحركة يعرف باسم «الجناح الحقيقي لحركة المهاجرين»، والتستر على هذه الاغتيالات التي تقوم بها عناصره، وهذه تهم ترفضها الحركة مدعية أن أعمال العنف والقتل تدبرها أياد خارجية وأجهزة أمنية تسعى لإفشال التحالف القائم بما في ذلك عناصر من حزب الرابطة نفسه، وبين سيل الاتهامات والاتهامات المتبادلة يزداد الموقف تعقيدًا ويسعى رئيس الوزراء إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق للبحث عن المتسببين في أعمال العنف دون نتائج واضحة.
مصادر أمنية في شرطة كراتشي ذكرت في تقرير محلي أن من بين ١٤٩ قتيلًا سقطوا في المدينة خلال شهر يونيو الماضي، فإن ۲۹ منهم تابعون لحركة المهاجرين القومية و ٢٦ تابعون لحركة المهاجرين «الجناح الحقيقي»، بالإضافة إلى مجموعة سقطت نتيجة العداوات الشخصية أو من الأعضاء في أحزاب ثانوية، وتوحي هذه الأرقام بأن اللائمة في هذه الأحداث تقع على الجناحين المتنافسين من الحركة، حيث يتهم كل منهما الآخر بالعمالة وعدم الحرص على مصالح المهاجرين، وإزاء هذه الأرقام يقول أحد وزراء حركة المهاجرين المشاركين في الحكومة إن مقتل ٢٦ من الجناح الحقيقي لا يدل بالضرورة على تورط حركتنا في العنف، فإن هناك تصرفات فردية نابعة من الثأر الشخصي، وليس لمنفذيها علاقة بالحركة.
من جانبها تجد الحكومة المركزية في إسلام آباد بزعامة نواز شريف نفسها في موقف حرج حيث سيؤدي أي توجه نحو التحقيق إلى التأثير على تحالفه الهش في الولاية، وخاصة أن حزب الشعب المعارض سيسعى إلى تقديم عروض مغرية لحركة المهاجرين للدخول معه في تحالف جديد يشكل شوكة في حلق الحكومة المركزية التي تتمتع بأغلبية ساحقة في البرلمان الفيدرالي، ولكنها تفتقد إليها في معظم الولايات، وفي الاتجاه الآخر فإن ترك تيار العنف سيودي بالثقة بالحكومة، ويعرقل من أجندتها الاقتصادية الحساسة، كما سيفتح المجال للتدخل السافر من الجيش لوضع حد للانهيار الأمني.
العنف الطائفي قنبلة موقوتة بانتظار التفكيك
على نحو لا يقل دموية لا يزال تيار العنف الطائفي في البلاد يحصد يوميًا أرواح العديد من المواطنين في مواجهات أكثر وضوحًا من الناحية النظرية، ولكنها أكثر تعقيدًا في ميدان الحل العملي، حيث تختلط فيها المشاعر الدينية بالأهواء الشخصية مع مزيج من التدخل الخارجي، فبالرغم من أن تاريخ الساحة المذهبية في البلاد لم يشهد منذ تأسيسها أي اختناقات طائفية وخاصة تجاه الطائفة الشيعية التي تشكل ما نسبته 15% من السكان، إلا أن تيار العنف امتد ليشمل هذا الجانب مهددًا النسيج العرقي والطائفي الدولة قامت على أساس الإسلام بشموله وشتى مذاهبه الفكرية.
وفي ظل غياب إحصاءات رسمية، فإن من الممكن الاعتماد على أنباء صحفية ذكرت مؤخرًا أن حصيلة السنوات الأربع الأخيرة بلغت نحو ٣٥٠ قتيلًا من زعماء وقيادات السنة والشيعة في عمليات اغتيال عبر تفجير سيارات أو دراجات نارية أو إطلاق نار عشوائي أمام أحد المساجد، ولا تشمل هذه الإحصاءات عام ١٩٩٧م الحالي الذي شهد ارتفاعا ملحوظًا وعمليات نوعية استهدفت أكبر عدد من الضحايا.
وفي حين تفضل الحكومة إلقاء التبعة في هذه الأحداث على جهات أجنبية تمتنع عن تحديدها، فإن من المؤكد أن هناك عوامل داخلية تسهم في تغذية النوازع الطائفية لدى الجماعات المتطرفة في كلا الطائفتين، ومن ذلك العداوات الشخصية الضيقة التي تتخذ الطابع المذهبي للمحافظة على هويتها وفاعليتها وانضواء عناصر جديدة لصفوفها عبر الانقسام المذهبي وتكريس الخلافات بين المذاهب للحيلولة دون تميع أو انفتاح الأفراد وخاصة الشباب الذين يشكلون نواة العمل المسلح لهذه الجماعات.
وفي مواجهة هذه الظاهرة سعت الجماعة الإسلامية بمشاركة فاعلة من علماء المذاهب في الدولة إلى تشكيل مجلس أعلى لاحتواء العنف بين هذه التوجهات وأطلق عليه اسم «مجلس الأمة الواحدة» ويسعى عبر اللقاءات التي ينظمها إلى إيجاد حلول مشتركة لبث التفاهم والخروج برؤية مشتركة لحل مشاكل البلاد، إلا أن جهود المجلس تصطدم في كثير من الأحيان بضعف التعاون واحتدام المشاعر عقب أحداث العنف الساخنة.
ومن المؤسف أخيرًا أن أعمال القتل المذهبية هذه أصبحت مبررًا لحملة مغرضة تشنها وسائل إعلام عالمية ضد الإسلام متهمة إياه بالعنف وعدم التسامح ووجدت هذه الأجهزة في باكستان المادة الإعلامية الجاهزة لنشر افتراءاتها في الأوساط الغربية، مع أن الحقيقة أن هذه التصرفات لا تتمتع بالتعاطف الشعبي على أرض الواقع، حيث يعكس استبيان شعبي أعد في مختلف أنحاء البلاد مؤخرًا أن نسبة 75% من الشعب تتطلع إلى حل هذه الجماعات الطائفية وتعريتها من الستار الديني الذي تصبغه على نشاطها الإرهابي، ولكن هل تستطيع الحكومة ذلك؟ هل تستطيع الحكومة مواجهة تلك الجماعات؟
المعارضة وعبر كتابها في الصحافة تشكك في ذلك وترى أن حكومة نواز شريف لن تجرؤ على التأثير على شعبيتها وتحالفاتها باتخاذ إجراءات صارمة بحق هذه الجهات خاصة وأن بعض هذه الأحزاب يعتمد عليها نواز شريف للبقاء في منصبه، أما الحكومة فتقول عبر تصريحات شبه يومية إنها عازمة على وضع حد للعنف والإرهاب بكل أشكاله وأنها تتخذ إجراءات في هذا الصدد، ومن المفارقات الساخرة أن أحد هذه الإجراءات في البنجاب تمثل في فرض اللغة العربية على أئمة المساجد كلغة لخطبة الجمعة، ولم يأت هذا الإجراء خدمة للعربية -كما قد يعتقد للوهلة الأولى- بل جاء لأن عامة الشعب لا يفهمونها، مما يعني أنهم لن يتأثروا بأي دعايات سياسية أو طائفية يحاول الخطيب أن يثيرها بينهم!.