; «المجتمع» تنفرد بنشر تفاصيل ظروف اعتقال الإسلاميين الجزائريين في فرنسا | مجلة المجتمع

العنوان «المجتمع» تنفرد بنشر تفاصيل ظروف اعتقال الإسلاميين الجزائريين في فرنسا

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1994

مشاهدات 152

نشر في العدد 1117

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 20-سبتمبر-1994

  • د. العربي كشَّاط مدير المركز الثقافي والاجتماعي لمسجد الدعوة يروي قصة اعتقاله في ثكنة فلومبراي:
  • الإعلام الغربي يشوه صورة المسلمين ويجعلهم جميعًا إرهابيين معادين للغرب.
  • د. العربي: اعتقلت بأسلوب الاختطاف وحرمت من جميع الحقوق وسقط ما تعلمته في المدرسة الفرنسية من شعارات براقة حول احترام الرأي وحقوق الإنسان.

ما زالت قضية الإسلاميين الجزائريين الذين تم طرد عدد منهم إلى «بوركينافاسو» بأفريقيا ووضع قسم آخر تحت الإقامة الجبرية محل اهتمام كبير لدى الرأي العام داخل فرنسا وخارجها، كما أن ظروف اعتقالهم من طرف السلطات الفرنسية ما زالت تثير تساؤلات عديدة خاصة حول علاقة هذه الأحداث بحقوق الإنسان في الدفاع عن نفسه وفي براءته قبل أن تثبت الإدانة ضده.

وفي هذا الصدد ومن أجل معرفة تفاصيل عن ظروف الاعتقال، التقت «المجتمع» بالدكتور العربي كشاط- مدير المركز الثقافي والاجتماعي وإمام مسجد الدعوة بباريس- وقد قضى 22 يوما بثكنة فلومبراي قبل أن يتم نقله إلى العاصمة مع بقائه تحت الإقامة الجبرية في الدائرة 19.

اختطاف داعية إسلامي:

بدأ د. العربي كشاط حديثه عن نشاط المركز الذي يديره بقوله: أتشرف بإدارة هذا المركز وهو من أهم المؤسسات الإسلامية بأوروبا، ويستقطب عددًا من المسلمين من مختلف المستويات طلبة وعمال ورجال فكر، وهذا الأمر يبشر بالخير، ولدينا مدرسة تستقبل في الأسبوع أكثر من 300 ابن وبنت بالإضافة إلى التلامذة والطلبة الذين يزاولون دروسًا ذات مستوى عالٍ في مختلف شعب الثقافة الإسلامية باللغة الفرنسية.. وكثير من العائلات المسلمة تتجه إلينا لحل مشاكلها الأسرية وفي المجتمع، وهي ظاهرة صحية إذ بدأ المسلمون يدركون ضرورة فض نزاعاتهم في إطار أخوي إسلامي.

إذا كان هذا هو نشاط المركز الذي يديره د. العربي كشاط فما الذي يبرر اعتقاله وهو لم يفعل إلا أن قدم خدمات جليلة للجالية الإسلامية يعبر د. كشاط عن استغرابه لما حصل له فيقول: فوجئت إلى حد ما بهذا الاعتقال. إذ سبق أن تم اعتقالي منذ سنوات وبدأت أشم رائحة غير طبيعية، والطريقة التي تم بها اعتقالي جد غريبة.. لا أتحدث عن شخصي الضعيف وإنما عن المركز بوصفه رمزًا من رموز الوجود الإسلامي في هذه الديار.

سقطت شعارات حقوق الإنسان:

ففي صباح يوم الأربعاء 10/ 8 خرجت من المسجد الساعة 9,30 صباحًا وإذا بي أفاجأ بشخصين يحيطان بي ولم أفكر بأن الشرطة تقوم باختطافي، لأن العملية تعتبر اختطافًا والدليل أن الأهل والإخوة لم يعرفوا ذلك حتى الساعة الرابعة بعد الظهر ولم يسمح لي بأن أتصل بهم وأخبرهم بما حصل لي. كنت أتوقع أن بعض الشباب المتسكع جاؤوا لإلحاق الأذى بي، أركبوني سيارة وذهبوا بي إلى دار الولاية وبقيت من الساعة العاشرة حتى الساعة الثانية بعد الظهر، ولا داعي لوصف الجو الذي عشته.. يكفي أن الإنسان إذا حرم من حريته تصبح الأمور الأخرى جزئية.. مثل التنكيت والتلميح ونوع من السخرية.. تركوني في غرفة بها حوالي 20 من رجال الأمن كأنهم حصلوا على «سمكة كبيرة» كما يقول الفرنسيون، كنت منجذبًا بين أمرين: بين ما حصل لي وبين ما تعلمته في المدرسة الفرنسية وما حفظناه من شعارات براقة من احترام الرأي وحقوق الإنسان وكرامته وما هيأ الله لي من وسائل لمعرفة الغرب عن كثب من داخله، ونحن لدينا صلات متشعبة وعميقة مع مختلف رجال الفكر وأعيان هذا البلد الذي أقيم فيه أكثر من عشرين سنة. ذابت هذه الشعارات كما تذوب قطع الثلج عندما تطلع شمس الواقع المر.

أخذت إلى ثكنة تبعد 200 كلم والتهمة التي وجهت إليّ «إني عضو ذو تأثير كبير أنتمي إلى مجموعة إرهابية تنشر الأفكار الإرهابية وتتلخص خطبي في تنوير الناس.. هذا محتوى الاتهام ولم يقدموا دليلًا على هذه الاتهامات ولم يسمح لي بالدفاع عن نفسي وتركت في ذلك المكان كأنني متاع وضع في مكان مهجور.

الجالية الإسلامية يسكنها الرعب:

وقد وفقني الله أن حولت هذا الاعتقال إلى خلوة، وكان مناسبًا للمراجعة والتأمل وتذكرت قول الشيخ ابن تيمية: «سجني خلوة، ونفي سياحة، وقتلي شهادة»، وكنت أقتسم مع أحد الإخوة المعتقلين الاثنين وعشرين غرفة كنا نصلي الصلوات الخمس.. جماعة وصلاة الجمعة وبدأنا في حلقات علمية وكلفت بإلقاء دروس في علم الأصول، كان بقية الإخوة يلعبون الكرة أما أنا فلم أغادر الغرفة والبناية طيلة 22 يومًا، وكنت أشارك الإخوة أوقات الأكل والصلاة وبقية الوقت كنت متفرغًا للتأمل والقراءة والكتابة، وكلف أحد الإخوة بالاتصال بالصحافة وكانت الحراسة مشددة ليلًا ونهارًا، وحاولنا أن نحول هذه النقمة إلى نعمة، والقرآن له لذة خاصة في مثل هذه المحن لأن النفس تكون أكثر استعدادًا لتلقي المواعظ والأنواع، وكنا نحصل على بعض الجرائد ونتابع أهم ما يجري من أحداث.. وكانت هناك ضغوط على الزوار.. فالزائر ينتظر ساعة والناس يأتون من بعيد.. فهذا الأمر لا يشجع على الزيارة بالإضافة إلى التفتيش قبل دخولهم إلى البناية، أما الصحافيون فلم يكن يسمح لهم بالدخول.. وقد زارني الأستاذ غراودي والأب ميشال لولونغ والقديس غاليو وهم أصدقاء لنا، ولنا أنشطة مشتركة داخل فرنسا وخارجها منذ سنوات طويلة، وكان موقفهم ينم على أصالة وحرية واحترام للفكر والثقافة وتقدير للإنسان كإنسان.. ولم ينقل الإعلام التصريحات التي أدلوا بها وهي تصريحات مشرفة لهم ولهذا البلد، ولم تأت ردود الفعل من الجالية الإسلامية التي يسكنها الرعب عدا بعض الإخوة- جزاهم الله خيرًا- الذين تحركوا للدفاع عني.

شكوك واتهامات:

لاحظت أنهم كانوا يخافون منا لأنهم يعاملوننا كإرهابيين وقتلة.

الطباخ كان حذرًا لكني حاولت الاقتراب منه. قال لي أحد الحراس ونحن في الطريق: «لماذا تحاربون الغرب بأيديولوجياتكم فالغرب يقتل نفسه بما يتعاطى من أكل وملذات» وكانت تتردد على ألسنتهم دائمًا كلمة العداوة فيقولون مثلًا «أعداؤكم»، والقصد بذلك الغرب فقلت لهم عدونا الأوحد هو الشر والرذائل التي تعجل بانتهاء هذه الحضارة، وردًا على مؤاخذتي على المشاركة في مؤتمرات إسلامية: قلت لهم إني أحضر وأشارك في ندوات وملتقيات غير إسلامية وقدمت موقفي في قضايا إسلامية واتهموني بالانتماءات إلى الجماعات المسلحة بالجزائر والتنظير للإرهاب في فرنسا ونشر الأفكار الراديكالية ضد الغرب، وحول حضور إسلاميين حركيين في خطب الجمعة التي ألقيها قلت لهم إن المسجد مفتوح لكل الناس وأنا لست مسؤولًا عمن يدخل إليه.

إقامة جبرية في شكل جديد:

أما عن نهاية الاعتقال كنت يومها مريضًا وتعذر عليّ النزول إلى صلاة الصبح جماعة، وكنت في فراشي يقظًا أستعد للصلاة إذ بي سمعت دويًا شديدًا حسبته زلزالًا، وارتفعت الأصوات وعرفت أن بعض الإخوة يصرخ وكانت الخزانة ببيتي على وشك السقوط فبدأت أنادي أنا موجود.. أنا موجود.. لم أفهم شيئًا.. خشيت أن يطلق الرصاص وينسوا أني موجود في بيتي وبقية الإخوة مجتمعون في قاعة الصلاة.. دخل أحد الحراس المدنيين مسلحًا.. وقف وأمرني ألا أتحرك ولم يشرح لي لماذا ويبدو أنه كان خائفًا مني وإذا بالباب يفتح بالعنف ويدخل خمسة أو ستة أشخاص وطلب مني أن أحزم أمتعتي ودخل شخص أعرفه لأنه اقتادني من باريس إلى هذا المكان، حياني وطلب مني التوقيع على قرار التعديل إلى باريس. لم أسأله عن سبب ذلك لأنه لم يعد يهمني ما يفعلون بي. القرار يقول «إقامتك الآن في باريس في الدائرة 19 ولا يجوز لك الخروج خارج هذه الدائرة وأحتاج إلى طلب مكتوب للخروج خارج هذه الدائرة، ويحتاج الأمر إلى وقت، والآن أنا موجود بالمسجد يسمح لي بالحديث لكن حُذرت من تجاوز بعض الحدود، وأخذت مني أوراقي وبطاقة الإقامة عشر سنوات وأعطيت لي بطاقة وقتية ويجب عليّ الحضور إلى مخفر الشرطة للتوقيع وإثبات حضوري في المكان المحدد ليس الإقامة فيه، وهناك محامي لرفع هذا القرار وإلى الآن لم تقل المحكمة كلمتها في موضوع الاعتقالات وما تبعها.

مسؤولية المسلمين:

أما عن الدروس التي يستخلصها فيقول: أعتقد أن المسلمين جزء من المجتمع الفرنسي على الرغم من كثرتنا فلا وزن لنا، وقد كتب صحفي في صحيفة «لوموند» متسائلًا: «هل كان يمكن أن يعامل شخص في مستوى فلان ينتمي إلى جالية أخرى بنفس المعاملة؟!».

والدرس هو أننا نحن المسلمين إذا تمادينا في هذا التشتت وعدم التلاحم ووضع سياج يصون حقوقنا ويجعل غيرنا يحترمها؛ فإن منحى الانحدار سوف يزداد عمقًا، فيجب أن ننظم صفوفنا بالصدق والإخلاص أولًا وفي كل محنة منحة ولا بد أن نتساءل من الذي يصنع هذه الفجوات لكي يجرأ علينا السلطة.

كما يجب أن نعرف بأنفسنا وبدورنا فنحن لا نريد سوى خير المسلمين وخير هذا المجتمع وقد أعطينا نحن المسلمين أول درس للبشرية في الحوار والتسامح فلا يستطيع أحد أن يعلمنا تلك القيم.

نحن الذين علمنا البشرية حماية الأديان وصيانة المعابد وتساءلت من خلال ما استنتجته من صورة قائمة عن الإسلام: أين المسلمون وأموالهم وعقولهم وإعلامهم؟!

من ناحية أخرى نحن كمسلمين نعيش في الغرب ينبغي علينا أن نربط بيننا وبين أحرار هذا البلد وغيره من البلدان الغربية بشبكة علاقات، وديننا دين عالمي كالشمس يجب أن تشرق على الجميع فما علينا إلا أن نحسن تبليغه والتعريف به.

الرابط المختصر :