; من الحياة ... مراهقة ابنتي أنستها تضحيتي | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة ... مراهقة ابنتي أنستها تضحيتي

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2010

مشاهدات 55

نشر في العدد 1932

نشر في الصفحة 47

السبت 25-ديسمبر-2010

بصوت مفعم بالبكاء غلبت عليه نبرة الحسرة والأسى، قالت الأم: 

توفي زوجي منذ عشر سنوات، ولم أتجاوز الثلاثين من عمري آنذاك، وتركني وابنتي الوحيدة يرعانا رب الأرض والسماء. كانت ابنتي وقتها رضيعة ضعيفة، فحنوت عليها أرضعتها، وكانت محور حياتي بعد عبادة ربي سبحانه وتعالى، فهي أهم ثمار زواجي بوالدها الحبيب يرحمه الله. 

تعبت لأريحها، وحزنت لأسرها، وسهرت لتنام، وجعت لتشبع، ورفضت أن أتزوج بعد أبيها من أجلها، خشية أن يقسو عليه زوج الأم لحظة ما. 

كبرت ابنتي، وهي الآن تدرس بالمرحلة الثانوية، ومع دخولها هذه المرحلة ظهرت على ابنتي تغيرات ما كنت أعهدها عليها من قبل، ولا أتوقعها ، فقد كنت أتوقع مع كبرها ونضجها أن تذكر جميلي وتقدره، فتكون وفية لي، وتثمن تضحياتي من أجلها، لكن الحقيقة المرة هي أنني فوجئت بعكس ما كنت أمل وأتوقع منها !!

لقد صارت ابنتي تعارضني كثيرا، تفعل ما تشاء دون أن تهتم بتوجيهاتي عنيدة معي، يعلو صوتها على صوتي، لا تستجيب لنصائحي، بل في أحيان كثيرة تتعمد أن تسلك سلوكا يخالف ما أنصحها به تسهر الليل الطويل أمام الحاسوب على الإنترنت، ولا تعبأ بمذاكرة دروسها، اللهم إلا سويعات قليلات ليلة الاختبار، تخرج كثيرا مع صديقاتها وتقضي الساعات تتكلم معهن على الهاتف، لا تريد أن تخرج معي، في حين تؤثر الخروج مع صديقاتها في أي وقت، وكيفما شئن، تأكل معهن في المطعم، ويتجولن في الأسواق، ولا تلتزم بمواعيد الخروج من البيت والعودة إليه، وعندما أراجعها فيما اتفقنا عليه، تكرر دائما كلمات، مثل: «أنا لم أعد صغيرة»، «لماذا تعاملينني على أنني طفلة؟»، «لماذا لا تثقين بي؟»، «أتشكين في؟»، وأضيق بالحوار معها، فيعلو صوتها ، وتختم الحوارات دائمًا بقولها: «أنا حرة»، وتتهمني بأنني أسبب لها اختناقًا نفسيًا، وتهدد بأنها ستترك البيت!! وهكذا فإن مراهقة ابنتي أنستها تضحيتي.

- لا شك في أن شكوى الأم موجعة، وأنها تحب ابنتها وتخاف عليها من عواقب لا تنتبه إليها البنت، فالأم تدرك أن ابنتها لا تزال في مستهل شبابها وبواكير صباها، وأنها قليلة الخبرة بالحياة، ومن ثم تحرص الأم على إكساب ابنتها خبرات الحياة، وأن تحصنها من عواقب التساهل والانزلاق

لا أحد يشكك في حب أم لا بنتها ، فدوافعها النبيلة وحبها لابنتها ، وخوفها عليها، في زمن مخيف يلزم الأم بأن تقوم بدورها التربوي تجاه ابنتها الوحيدة الغالية، وهذا من أهم معاني الأمومة وأدوارها التربوية.. وإذ تصنع الأم ذلك مع ابنتها إنما تدرك أن ابنتها الأنثى تحتاج إلى رعاية أكثر من الابن الذكر، ومن ثم فتخاف عليها أكثر. 

ولهذه الأم المحبة لابنتها ولمثيلاتها أود أن أبعث ببعض الرسائل، وهي:

أولًا : لا تُكرهي ابنتك على زمانك:

فجميل أن نحرص على بناتنا ونحميهن وأن نخاف عليهن، وأن نحمل همهن، وأن نرعاهن، وأن نكون إيجابيين في تربيتهن مقومين ومعدلين لسلوكياتهن، ولكن لا يصح -تربويا- أن نتجاهل متغيرات الزمن بين ما كنا عليه في شبابنا من سمات عصرنا، وبين سمات العصر الذي يعيشه أبناؤنا وبناتنا الآن، ومن ثم كيف نرغم أولادنا على أن يعيشوا مثلنا ويلبسوا لبسنا، ويتصرفوا كما كنا نتصرف؟ وما أوقع قول إمام المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «لا تكرهوا أبناءكم على أخلاقكم، فإنهم خلقوا لزمان  غير زمانكم»

ثانيًا: احرصي على مراعاة تغيرات المراهقة:

فينبغي للآباء أن ينبهوا إلى ان هناك تغيرات في جوانب كثيرة تطرأ على الأبناء والبنات ينبغي مراعاتها، فإن لم يأخذ الآباء والآمهات هذه التغيرات في الحسبان ويتعاملوا معها، فقد يؤدي ذلك إلى ممارسة تصرفات غير تربوية مع الأبناء، تقوم على الإكراه والقسوة والقسر، وذلك يؤثر سلبًا على أبنائنا وبناتنا، فلنحذر من مصادرة شخصية الأبناء أو البنات والحجر على آرائهم، وتجاهل خصائص ومراحلهم العمرية، وعدم مراعاة ميولهم واهتماماتهم.

ثالثًا: اشبعي الحاجات النفسية لابنتك: فعلى الآباء والآمهات مراعاة إشباع الحاجات النفسية لدى الأبناء والبنات، ومن أهم هذه الحاجات- وخاصة لدى المراهقين والمراهقات- الحاجة إلى الحب والتقدير.

رابعًا: عاملي ابنتك وفق الأسس التربوية، فثمة بعض الأسس التربوية غاية في الأهمية، أهمها: أشعارها بأنها تتمتع بحرية شخصية وتأكيد ذاتها، واكتشاف جوانب القوة في شخصيتها، و تشجيعها على تنمية هذه الجوانب، والتخفيف من الوعظ والإرشاد والإكثار من الحوار الهادئ والمناقشات، على أن تعطي البنت الفرصة كاملة للتعبير عن رأيها حتى وإن كان خطأ، واحترام شخصيتها، وتجتب تحقيرها وازدراء رأيها، والمرونة في الأوامر وعدم التشديد فيها، والتجاوز عن الهفوات البسيطة وعدم تضخميها، وتعزيز ثقة المراهقة بنفسها، وتنظيم أوقات فراغها، واستثمار الفرص المتاحة في اشغالها بما يفيد، وينأي بها عن مواطن الخلل والزلل، وإتاحة ممارسة الأنشطة الإيجابية، وخاصة الأنشطة الرياضية والفنية، والاهتمام بالصحة العامة، وتدريب البنت على مهارات التفكير وانماطه.

خامسًا: كوني صديقة لابنتك المراهقة، فليكن منهجك هو: حزم دون شدة، ولين دون ضعف أو تعاون.

سادسًا: تجنبي أن تكوني سببًا في سوء الحالة النفسية لابنتك 

فسوء الحالة النفسية لا بنتك سيؤدي إلى إصابتها بالاكتئاب والقلق، وذلك سيدفعها إلى العناد، وربما يذكي لديها روح الانتقام، ومن ثم تسلك سلوكيات سلبية لإثبات شخصيتها وتأكيدها والتمرد عليك، وإعلان العصيان الأسري.

سابعًا: حسني خطابك مع ابنتك وتجنبي اللهجة الخشنة والإهانات اللسانية أو السلوكية.

ثامنًا: احرصي - أيتها الأم - على ضبط النفس:

ولا تكوني عصبية أو منفعلة لأن ذلك يوتر ابنتك المراهقة، وربما يؤدي إلى اضطراب في شخصيتها، فإما أن تكون عنيفة عدوانية عصبية بانتقال العدوى منك إليها، وإما أن تنشأ خائفة مهتزة مضطربة لا تثق بنفسها وتصاب بأمراض واضطرابات نفسية.

تاسعًا: الاعتدال في معاملة المراهقات من حيث الحماية والتدليل.

عاشرًا: عاملي ابنتك معاملة صداقة لام عاملة سلطة:

فلا تخاطبيها بمنطق مساءلة السلطة  للمتهم، فلقد سادت أساليب خاطئة في بيوتنا ونغفل أن البنت المراهقة في مرحلة انتقال من الطفولة إلى النضج واكتساب الخبرات وتكوين الشخصية، فلتصادق الأم ابنتها تلعب معها وتتصفح مع ابنتها ما تحب البنت تصفحه، أو قراءته، سواء من الكتب أو القصص أو الصحف المطبوعة، أو من خلال المادة الإلكترونية على الإنترنت أو مصادر المعلومات الإلكترونية الأخرى، ولا تشعري ابنتك أنها تحت المراقبة وأنك بمثابة «الرادار» أو «الفيديو» الرقابي الذي يلاحقها، لا تشعريها بأنك شرطي يراقب كل تصرفاتها وتحركاتها ؛ لأن ذلك سوف يقود لا محالة إلى سوء العلاقة بينكما، بالإضافة إلى بعض المشكلات النفسية، فامنحيها الثقة أنا لا أطالبك بمنحها الثقة العمياء بلا حدود ولكن أشعريها بأنك تثقين بها، وتابعيها بشكل غير مباشر. لا تشكي في سلوكها إن طلبت أن تذهب إلى صديقتها وحدها مادام الطريق مأمونا والبيت محترما، فقط اتصلى عليها بعد ذلك للاطمئنان على وصولها بخطاب يسوده الحب والثقة، فهي ليست طفلة صغيرة وتأكدي-أيتها الأم-أن أية بنت لو وضعت في قفص من فولاذ وسلسلت فإنها ستفعل ما تريد، فامنحيها الثقة، ولا تضغطي عليها : لأن الضغط يولد الانفجار.

واعلمي أن الهداية من الله، فلقد قال سبحانه وتعالى لنبيه:﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾(سورة القصص: آية رقم56)

واعلمي أيضا أنك لا تستطيعين أن تسيطري على غيرك، فقد قال سبحانه لنبيه:﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾(سورة الغاشية: آية رقم22)

أما تربيتك لها وتعبك من أجلها فلا تمني عليها بشيء من ذلك؛ لأن تربيتك لها أمانة حملك الله إياها، فإن جحد أبناؤنا عطاءنا وتضحياتنا فلنحتسب ذلك عند ربنا.

حادي عشر: أجيدي فن الحوار مع ابنتك: ومن ذلك:

أ- احرصي على حسن هيئتك عند الحوار:

فاحرصي على أن تحاوري ابنتك وأنت في هيئة مناسبة، ومن ذلك أن تجعلي وجهك قريبًا ؛ لأن ذلك يشعرها بأنك تحبينها وأنك صديقتها، فتطمئن إليك وتصارحك.

ب- أحسني اختيار زمن التحاور:

احرصي على مخاطبة ابنتك في وقت غير أوقات نومها، أو طعامها، أو دراستها، أو عندما تكونين أنت وهي مشغولتين.

ج-  المكان:

يفضل أن يكون خارج البيت في مكان هادئ جميل، ولا يكون في المكان الذي حدثت فيه المشكلة أو حدث فيه الخلاف.

د- أحسني الاستماع إليها :

أعيري ابنتك سمعك واستماعك وإنصاتك، وانظري إليها وهي تتحدث إليك وتجنبي التحديق في عينيها، بل انظري إليها نظرة حب وعطف وحنان، فللعيون لغة يعجز عنها اللسان، ولا تشردي عن ابنتك، ولا تقاطعي، وتجنبي النظر إلى مكان آخر وهي تحدثك، فقد كان جليس النبي ﷺ يشعر بأنه أحب الجلساء إليه.

هـ- أجيدي استخدام اللغة غير اللفظية «لغة الإشارات»

ومن ذلك أن تحرص الأم على أن تكون تعبيرات الوجه هادئة غير متوترة، وأن تعبر عما تقوله الأم من كلمات.

و- أشعري ابنتك بالأمان:

ولتحقيق ذلك يجب أن توضحي لابنتك أن الهدف من حوارك معها حرصك عليها وتخليصها من عادات سلبية، وأن دافعك إلى ذلك هو حبك لها، كما يجب أن يكون صوتك هادئا دون تأفف، وأن تعطيها الفرصة كاملة لإبداء رأيها ومناقشته.

ز- تجنبي زجر ابنتك وتوبيخها والقسوة عليها:

وذلك يقتضي نبرة صوت حانية هادئة والتأني في التحدث إليها، وتجنب السب والشتم والضرب والتهديد والوعيد.

ح-  احرصي على إعطائها حرية الاختيار:

وهذا يقتضي أن تطلبي منها أن تقترح هي حلولا للمشكلة، والثواب وحجمه والعقاب ومقداره، وأسلوب تنفيذ التكاليف.

ط- اجعلي لها مجالًا للعودة:

ويتم ذلك بقبول عذرها، ونسيان ما كان وتشجيع التغيير الإيجابي ودعمه، وتجنب محاصرتها والتضييق عليها، حتى لا تختنق أو تجبر على الكذب، والبعد عن تصيد أخطائها والتربص بها، وإبراز تناقضها في الأقوال والأفعال.

ي-  الدعاء:

ولذلك مجالان، أن تدعي لابنتك بظهر الغيب وفي حضورها، وأن توجهيها إلى الدعاء دائما بأن يصلح الله حالها. وهوني على نفسك الأمر، ولا تجلدي ذاتك، ولكن ذكريها بهدي ربها ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾(سورة الإسراء: آية رقم 23)

واحكي لها قصة جريج العابد الذي فضل صلاته على أمه، وفي الصحيح أن أمه دعت عليه عندما فضل صلاته عليها واستجيب دعاؤها.

وألحي- أيتها الأم الكريمة- في الدعاء لا بنتك، وكرري دائما بقلب موقن بالإجابة ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾(سورة الفرقان: آية رقم 74)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل