; عظُمت أو صغُرت.. كن صابرًا | مجلة المجتمع

العنوان عظُمت أو صغُرت.. كن صابرًا

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2012

مشاهدات 59

نشر في العدد 2023

نشر في الصفحة 58

السبت 13-أكتوبر-2012

إذا عظمت مصيبتك أو حقرت فاجعل ذاتك في كنف الله، واستمد قوتك من أنواره بقولك: حسبنا الله ونعم الوكيل، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]. 

إذا تعسرت أمورك، وخالجتك الهموم والأحزان، فعليك بتقوى الله عز وجل، فإنه وحده هو القادر على تفريج همك، وتيسير أمرك: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3]. 

إذا اسودت الدنيا في وجهك واحتدم الخطب، وادلهم الأمر، وشعرت بألم الانقباض في صدرك، فتذكر أن مع العسر يسرا، وأن بعد الليل فجراً، وبعد الفجر يشرق الصباح بنوره الوضاح. 

إذا حل بك بلاء فاصبر واحتسب وحاسب نفسك، وقل كما علمك سيدك وحبيبك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الكون كله، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك». 

واعلم أنك كالسفينة في أمواج البحر أي إن الأحداث حولك ستؤثر فيك لا محالة، فاطلب دائما الحماية والعصمة والرعاية من الله تعالى، فهو حافظ العباد، ومجري الأسباب، وكن كالسفينة المتزنة يقول الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي: "ألا ما أشبه الإنسان في الحياة بالسفينة في أمواج هذا البحر!! إن ارتفعت السفينة أو انخفضت أو حادت فليس ذلك منها وحدها، بل مما حولها، ولن تستطيع هذه السفينة أن تملك من قانون ما حولها شيئا، ولكن قانونها هو الثبات والتوازن والاهتداء إلى قصدها ونجاتها في قانونها فلا يعتبن الإنسان على الدنيا وأحكامها ولكن فليجتهد أن يحكم نفسه".

يقول الفيلسوف الفرنسي "مونتين": "لا يتأثر الإنسان بما يحدث مثلما يتأثر برأيه حول ما يحدث".. فلا تتأثر برأي من حولك من ذوي الآراء السلبية المنحرفة المثبطة. 

تضرع إلى ربك ولا تجزع 

إذا ابتليت وقدر لك قضاء فاعلم أن محاولاتك كلها مهما عظمت لن تفلح برد القضاء إلا بسلاح الدعاء، فالدعاء يرد القضاء. 

وانتظر الفرج 

إذا دعوت الله فلا تستعجل، وألح في الدعاء منتظرا فرج ربك، وإياك أن تقنط أو تيأس من رحمة الله، لأن ذلك هو الفشل الحقيقي في اختبار ربك بالابتلاء، واعلم أن الله تعالى يبتليك بتأخير إجابة دعائك؛ لتحارب وسوسة إبليس عليه لعنات الله. 

فادع الله بإلحاح، "فإن الله يحب العبد اللحاح"، أي الذي يلح في طلب مسألته من خالقه، كما أنه سبحانه يحب أن يسمع صوت حبيبه، فتضرع إليه عز وجل، وكن موقنا بالإجابة، فإن لم يجب الملك دعوتك فقد أخر الإجابة بمقتضى حكمته، ولتعلم أن اختيار الله عز وجل لعبده خير من اختيار العبد لنفسه، وإياك أن تقول: "دعوت ربي فلم يستجب لي"، فقد نهانا رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم عن ذلك. 

أجل.. إذا ضاقت عليك نفسك والدنيا فالجأ إليه، فإنه قريب منك وعنده الخير كله، وبيده الأمر دقيقه وجله، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]. 

تقلب الليالي 

يقول الإمام ابن الجوزي: "اعلم أن الزمان لا يثبت على حال كما قال الله عز وجل في محكم التنزيل: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]، فتارة فقر وتارة غنى، وتارة عز وتارة ذل، وتارة يفرح الموالي وتارة يشمت الأعادي، والعاقل من لازم أصلا على كل حال، وهو تقوى الله، والمنكر من عزته لذة حصلت مع عدم التقوى، فإنها ستحول وتخليه خاسرا. 

استثمر طاقة الألم 

تعلم كيف تستنبت من آلامك طاقة مخلصة قوية، تدفعك في طريق الصواب؛ لتعمل وتعمل دون أن تسمح لليأس أن يستعبدك ويستحوذ عليك ويسيطر، ويثنيك عن المضي إلى الأمام. 

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في ذلك، فقد خرج بالمسالمين في اليوم التالي لغزوة أحد، واشترط ألا يخرج معه إلى "حمراء الأسد" إلا من شهد غزوة أحد فخرج الجميع، ومنهم من يعاني عشرات الجروح الغائرة المسمومة، وكلهم آلام موجعة ليحول هذه الآلام آمالا، فقد خرج في مناورة قوية عظيمة ليعيد الثقة إلى جيشه ويستلهم من تلك الآلام آمالا في النصر، ويظهر لأعدائه أن الجراح والآلام تزيده وجيشه قوة وعزيمة وإصرارا وثباتا. 

خذ الألم على أنه نعمة 

اعلم أن الألم الذي تحيد عنه وتخشاه هو في أصله نعمة لا يعلمها كثير من الناس ولا يعرفون قدرها، فالألم يُكسبنا الصبر ويصقل نفوسنا، ويقوي عزائمنا، ويشحذ هممنا، وينذرنا بوجود علة ينبغي علاجها ويلزمنا بأن نكون واعين فيجعلنا نشعر بآلام الآخرين، وفوق هذا كله فهو يقربنا من خالقنا، فنشعر بحاجتنا إليه، وضعفنا وفقرنا إليه، فنزداد قرباً منه وإليه. 

اترك همومك أحيانًا 

كثيراً ما يخرج الإنسان منا في نزهة مع زوجته وأولاده، أو مع بعض أصحابه، فيحمل على عاتقه همومه وآلامه، وينسى أنه خرج في تلك النزهة أو ذاك السفر ليفرج عن نفسه هموم الحياة وضغوطها، ويعيش أوقات فرح وسرور مع زوجته وأسرته، فينكد بذلك على نفسه وعلى من معه، وهذا أمر خطير، يورث الهم والكدر، ويجلب الغم ،والعكر، ويسارع بإدراك الشيخوخة، ويجعل من حوله ينفرون منه، لذا فإذا عزمت على النزهة أو السفر، فاترك همومك ولا تحزمها معك في أمتعة حقائب سفرك، وتلذذ بكل دقيقة من عمرك في طاعة أو تفكر أو ذكر أو تأمل أو سياحة، وتمتع بجنان الله في أرضه دون معصيته، حتى تنالها في سمائه، وانشغل عن القلق بالذكر والاستغراق في العمل. 

تقبل قدر الله وارض به 

يقول د. "هيرسي": "إن المرء إذا كان صافي المزاج ورائقه وسعه أن يتقبل أشد الأزمات والمواقف خطورة بأقل ما يمكن من التأثر، أما إذا كان متعكر المزاج مُلبَّده، فإن المواقف وأتفهها يوشك أن يصل به إلى شفا اليأس". 

كن شاكراً 

لقد أثنى الله تعالى على نبيه إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 120، 121]. 

فإذا ابتليت بحرمانك من نعمة من نعم الله تعالى، فتذكر أنه أنعم عليك بنعم لا تستطيع حصرها، وهنالك فالشكر واجب عليك لربك، وبشكرك إياه يزيدك من نعمه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]. 

تعلم أن تشكر الله على نعمه التي أنعم بها عليك نعمة البصر، ونعمة السمع، ونعمة الحركة، ونعمة العقل.. ونعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، إنه سبحانه وهبك نعما لا تعد ولا تحصى، فكن راضياً شاكراً، فغيرك ربما يكون قد حرم من هذه النعم وتراه مرتاح الضمير راضي النفس. 

يقول "دايل كارينجي": "إذا أردت التوقف عن القلق والبدء في الحياة.. فإليك هذه القاعدة: عدد نعمك وليس متاعبك".

إذا ضاقت نفسك فجرب هذا الدواء 

إذا شعرت بضيق نفسي، فجرب أن تستغفر ربك مائة مرة ، وحبذا أن تستخدم سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». 

فبالاستغفار تسكن نفسك ويهدأ قلبك وتطمئن، وتنال خير الدنيا ونعيم الآخرة واقرأ إن شئت وصية نوح نبي الله لقومه ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾ [نوح: 10-12]. 

إذا شعرت ببداية ضيق في صدرك فاذكر الله واستغفره يبدلك فرحا وحبورا وإن لم تفعل ازداد ضيقك وهمك وغمك، وإذا غدوت مهموماً تولاك اليأس، ونفدت قواك، واعلم أن الضيق يدمر الصحة، وصحتك لا تقدر بثمن، فلا تسترخصها بالقلق والخوف والغضب. 

إن البلاء امتحان من الله عز وجل لعباده؛ ليميز الصادق من الكاذب، وليزداد المؤمن إيماناً وثباتاً ، أما المنافقون الساخطون فإنهم ينهارون أمام الابتلاء، وربما يلعنون حياتهم، ويندبون حظوظهم، وقد يفقدون عقولهم، وقد ينتهي بهم الأمر إلى الجزع، والانتحار فيخسرون الدنيا والآخرة، فالهم نار تستعر في القلب وتشتعل، فتؤرق صاحبها، وتجعل الحياة أمامة سوداء، فيصيبه التوتر والقلق، ويصاب بالكآبة وكراهية نفسه والحياة. 

والحزن تتنوع أشكاله وألوانه، ويصيب النفس والجسد ، فيشحب لون الوجه، ويملأ بالتجاعيد، وتتغير الوجنات، ويعتصر القلب ألما، وتنقبض النفس جزعاً، وقد يسلك اليائس- الذي خوى قلبه من الإيمان مسالك الهلاك، فيحاول أن يهرب من واقعه الكئيب المؤلم، بيد أنه يسير في طرق أشد وعورة وكآبة وظلاماً، فقد يتعاطى المخدرات والمسكرات، كي ينسى همومه، ويعيش في عالم آخر، أو يعكف على مشاهدة الأفلام والصور الإباحية أو يمارس صوراً أخرى من المحرمات، ظنا منه أن ممارسته للحرام تجعله يعيش لذة الشهوات، التي تنسيه ما به من أحزان وجراحات، ولكنه لا يدري أنه بذلك يزيد ألمه آلاما وحزنه أحزانا، وهلاكه هلاكاً، إنه لا يدري أنه يتغير إلى الأسوأ، ثم يأتي الوقت الذي سرعان ما تنقضي فيه شهوته، ويفيق فيجد نفسه ازداد ألما، فيسلك طريق الانتحار الذي به يتخلص من نفسه التي كرهها !! 

أما المؤمن فها هو ذا رسولنا الكريم سيد الصابرين صلى الله عليه وسلم يقول: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة». 

إن حال المؤمن دائما هو الرضا بما قدره الله عليه، ولسان حاله يقول: سأظل صابراً حتى أكون ممن قال فيهم ربي: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 12]. 

هذا هو المؤمن كلما ازداد بلاؤه زاد صبره ،وإيمانه، إنه يريد المنزلة العظيمة، يريد أن يكون صادقا تقيا، ممن قال فيهم رب العزة سبحانه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]. 

فلتكن عزيزي القارئ من الصابرين على البلاء كي تنال أعلى الدرجات والغرف في الفردوس الأعلى. 

إن الله تعالى لا يبتليك بشيء إلا وبه خير لك، حتى وإن ظننت العكس، فالمرض ابتلاء، وفقدان العزيز ابتلاء، وكل أمر يعكر صفو حياتك ابتلاء، وكل حادث يجعل دموعك تنحدر من عينيك ابتلاء، فإذا أصابك شيء من ذلك فاصبر، وردد قول حبيبك سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وردد أيضا: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216].. تذكر دائماً أن الله ما يشقيك في الدنيا إلا ليسعدك، ولا يبكيك إلا ليكفر عنك ذنوبك ويسمع صوت تضرعك إليه، ومناجاتك. 

إننا لن نبلغ الدرجات العلا بأعمالنا فحسب، بل نصل إليها بصبرنا على البلاء وبفضل ربنا صاحب الفضل سبحانه من قبل ومن بعد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

195

الثلاثاء 05-مايو-1970

عبر من موقعة أحد

نشر في العدد 13

113

الثلاثاء 09-يونيو-1970

عبر من موقعة أحد (2)