; الثابت والمتحول في حكومة «الكتلة» و«الوسط» | مجلة المجتمع

العنوان الثابت والمتحول في حكومة «الكتلة» و«الوسط»

الكاتب أحمد العلمي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000

مشاهدات 75

نشر في العدد 1403

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 06-يونيو-2000

من حصاد التكنوقراط في المغرب 63. 1998م:

رفع مديونية الدولة إلى 26 مليار دولار

بقاء نسبة الأمية وسط النساء عند حد 86%

الحرمان من خدمة الكهرباء لـ 85% في القرى والبوادي

تحكي الأساطير والميثولوجيا الشعبية في المغرب أن قبيلة كانت تربي للسلطان فيلًا أتعبها وأرهق كاهلها.. فتذاكروا وتشاوروا وأجمعوا على مصارحة السلطان بعدم قدرتهم على الاستمرار في تحمل هذا العبء الثقيل.. واتفقوا على كيفية تقديم ملتمس الإعفاء من هذه المهمة بشكل يصعب معه اتهامهم بالتمرد والعصيان والبغي وإيقاع العقوبات المترتبة على ذلك عليهم، فكان أن قرروا أن تذهب القبيلة بكاملها إلى قصر السلطان، وعند استقباله لهم يقول نصفهم: «الفيل» والآخرون «أذانا».. وحين تم استقبالهم قال: الأوائل: «الفيل»، وكرروها مرارًا منتظرين قول نصفهم الباقي: «أذانا» كما هو الاتفاق بينهم.. فتدخل السلطان وهو يسمع تكرار مبتدأ بدون خبر قائلًا: «ما للفيل؟» فقال المكلفون بإبلاغ حقيقة أوضاعهم المرة: «الفيل محتاج إلى الفيلة ولا يمكنه أن يبقى أعزب طوال حياته»، فأصدر السلطان أمره المطاع بتزويدهم بفيلة تصحبهم في عودتهم وتزيل وحشة الفيل المسكين وتفتح باب التناسل الفيلي.

ولعل هذه الأسطورة السياسية المغربية تلتقي في إحدى القراءات الممكنة لها مع الآية القرآنية التي تحمل جماهير المسلمين تبعات ما يحدث لهم بما في ذلك ما يسمى بالمؤامرات والمكائد الدولية التي ما كان لها أن تكون ذات مفعول قوي لولا قابليات الاستدراج والاستعمار... ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: ٣٠).

هل تخلصت حكومة المعارضة البرلمانية السابقة من «الفيل» أم أضافت إليه «الفيلة»؟ هل تقدمت المعارضة نحو إفساح المجال لبرامجها، أم تراجعت عن كل ذلك أو جله؟ هل اتسع أم ضاق هامش قدرتها على المناورة والحركة في ظل ظروف دولية وإقليمية ووطنية معقدة؟ وباختصار شديد ما الثابت وما المتحول في هذه الحكومة؟

حصاد حكومات: 1962- 1998

التكنوقراط والأحزاب الإدارية

 في مطلع سنة ١٩٦٣م، كان المغرب الأقصى متوفرًا على دستوره المعاصر المكتوب والأول وعلى برلمانه المنتخب.. وإذا تحدثنا عن إيجابيات تلك المرحلة وما تلاها فإننا نوجزها في المحاور التالية:

1- الحيلولة دستوريًا دون الانزلاق في اتجاه الحزب الوحيد.

2- إبعاد الأيديولوجية الاشتراكية - الشيوعية عن عالم الاقتصاد.

3- إدماج اليسار في المنظومة الحاكمة «معافى» من حماسة المراهقة السياسية واعتماد النفس الطويل (٤٠ سنة) والتغيرات الدولية في عملية الهضم.

4- بدء مسيرة مشابهة مع التيارات الإسلامية كـ «التوحيد والإصلاح» من جهة و«العدل والإحسان» من جهة أخرى.. ومن الأمور ذات المغزى هنا بقاء الحركة الإسلامية المغربية حتى الآن بعيدة عن الارتباط بالحركة الإسلامية العالمية، وانقطاع البيعة لها عند تلمسان في الحدود الشرقية للمغرب.

أما سجل السلبيات فيطول حصره واستقصاؤه، وسندع الصغائر مكتفين بالإشارة إلى ما يمكن اعتباره من كبائر العمل السياسي ومهلكاته خلال تلك المرحلة الطويلة:

1- تغول الجهاز الأمني على حساب باقي أجهزة وركائز الدولة وامتداد وزارة الداخلية إلى جميع مرافق الحياة وإلحاقها بلائحة «المقدسات» و«الحمى»، التي لا يحق للرأي الآخر أن يحوم حولها.

2- النظرة الأمنية القاصرة لمشكلات الاختلالات الاجتماعية والاختلاف السياسي ونتائج ذلك المدمرة على ملفي حقوق الإنسان والتنمية.

3- الدوران في الحلقة المفرغة للاستنكار الدائم والمتواصل للعمليات الانتخابية المزورة وما ينتج عن ذلك من احتجاجات وأجواء عدم الثقة.

4- غرق الإعلام الرسمي في مستنقع المديح وأيديولوجية «كل شيء على ما يرام» والقطيعة بينه وبين هموم الشعب الاجتماعية والسياسية والثقافية.. والغياب الكامل للمقاربات الإعلامية للمشكلات والإشكاليات التنموية بسبب الهاجس الأمني.

5- تأخير أو إرجاء ملفات الوحدة الترابية بدءًا بالصحراء المغربية وانتهاء بسبتة ومليلة والجزر المغتصبة مرورًا بالمناطق التي عبث بها الاستعمار الفرنسي.

6- التراجع العملي عن الإجماع الشعبي في مجال التعليم وشعاراته الوطنية: تعميم التعليم- تعريبه- دمقرطته، واستفحال الأمية التي تتجاوز نسبتها ٥٥% مما يجعلنا في طليعة الأميين بعد ٤٢ سنة من الاستقلال.

7- الانعدام الكامل لاستراتيجية وطنية مدروسة تهدف إلى المحافظة على هوية وشخصية أكثر من مليوني مغربي ساقتهم الأقدار إلى مختلف أنحاء العالم وخاصة فرنسا، حيث يعيش نحو ٨٠٠ ألف مواطن مغربي. (1)

8- تعميق مسلسل إغناء الغني وإفقار الفقير، ونزول ثلث الشعب (نحو ۱۰ ملايين) إلى ما دون خط الفقر وعجز القطاعين الخاص والعام عن استيعاب أكثر من مائة ألف شاب معطل من حملة الشهادات الجامعية.

9- موت البادية بسبب غياب الحد الأدنى من شروط الحياة: الماء الصالح للشرب، الكهرباء، الطرق المعبدة، الحماية الاجتماعية.. واستمرار الهجرة القروية نحو المدن والمستقبل المجهول.

10- ارتفاع معدلات الجرائم والانحرافات واستهلاك المخدرات بشكل ينشر الرعب والهلع في الأحياء الشعبية المكتظة ابتداء من غروب الشمس!

11- فساد الإدارة وعدم قدرتها على مواكبة التطورات التكنولوجية والقانونية الضرورية للتنمية الشمس.

12- بروز اتساع مظاهر وأشكال الغزو الثقافي وتخريب الأخلاق ونشر الفساد في والتشغيل والاستثمار مختلف شرائح المجتمع المغربي من أدناه إلى اعلام رغم وجود وزارة أوقاف لها من الممتلكات ما لا يعلمه إلا الله والراسخون في ملفاتها.

هذا هو حصاد حكم التكنوقراط والأحزاب الإدارية.. وهو حصاد رفع مديونية الدولة المغربية إلى ٢٦ مليار دولار، وجعل الكلفة السنوية لهذه المديونية تصل إلى ۳۰ مليار درهم مغربي وأوصل نسبة الأمية في الوسط النسوي القروي إلى %۸۹ ونسبة الحرمان من الكهرباء إلى ٨٥%، كما جاء في تصريح لرئيس الحكومة المغربية الحالي، ولعل هذا الوضع العصيب هو السبب الرئيس الذي دعا إلى إشراك المعارضة في الحكم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

نقطة الالتقاء مع المعارضة حين دعيت المعارضة ممثلة «بالكتلة الديمقراطية» إلى تولي الشأن الحكومي في الدورة «التشريعية السابقة، اشترطت ألا تكون هناك «وزارات سيادية» لا شأن لها بها، مع ملاحظة أنه لا يوجد في منطوق الدستور المغربي ولا في مفهومه ما يؤيد وجود وزارات توصف بأنها سيادية، وقبل نهاية المطاف تسليمها تلك الوزارات ما عدا وزارة الداخلية، وقيل حينئذ إن حزب الاستقلال قاد داخل الكتلة حملة ترفض هذا «الحل الوسط» وتنادي بنسف فكرة وزارات السيادة» من الأساس وعدم القبول بجزء مهم قل منها (٢).. وفشلت فكرة التناوب التوافقي الممنوح، واستمرت الأمور على ما كانت عليه إلى أن تم تغییر الدستور (١٩٩٦م) لينص على برلمان بغرفتين، وتنظيم الانتخابات المترتبة على اعتماد الدستور الجديد.

وعند الإعلان عن التشكيلة الحكومية التي يقودها السيد عبد الرحمن اليوسفي زعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأحد أقطاب «الكتلة» تبين أن المعارضة تقهقرت وتراجعت بالمقارنة مع ما اقترح عليها في الدورة التشريعية السابقة.. وبقيت وزارات الداخلية والخارجية والعدل (۳) والدفاع والأوقاف والأمانة العامة للحكومة على ما كانت عليه، وإذا أضفنا إلى هذه اللائحة «السيادية» الحقائب الوزارية التي أخذها ما أطلق عليه «الوسط» والذي هو في الحقيقة نسخة منقحة «للوفاق» أي تكتل «المخزن» أو الإدارة فإننا نجد أن المعارضة السابقة أقلية في المناصب الوزارية الحساسة كما هي أقلية في البرلمان. 

ولعل من المفيد أن نذكر بعجالة بعض «الثوابت» التي ذهبت أدراج الرياح من خلال تكوين هذه الحكومة وفي تصريحها الذي حصل على موافقة البرلمان، وهي كالتالي:

1- القبول بتناوب لم تفرزه أغلبية برلمانية وعلى أساس انتخابات قال كل أعضاء الكتلة -بصيغ مختلفة- إنها كانت مزورة.

2- إشراك أحزاب إدارية في حكومة التناوب.

3- تغييب الخطاب الحزبي «الكتلوي» الذي یدندن حول «الملكية البرلمانية» والجمعية التأسيسية المنتخبة لوضع دستور ديمقراطي تقدمي.

4- الغياب التام للمصطلحات «المقدسة» في تراث اليسار وعلى رأسها «الاشتراكية» والاستغلال الطبقي» و«تحرير الاقتصاد المغربي من السيطرة الرأسمالية الأجنبية» ... إلخ.

وقد شكل ذهاب هذه الثوابت في القاموس الاعتقادي والعملي للمعارضة خطوة كبيرة منها نحو إدماجها في الحكومة كمكون سياسي إن لم ينفع الوضع القائم، فهو لا يضره، وقد خطا الوزير الأول المعين خطوات أخرى في الاتجاه المطلوب -محليًا ودوليًا- من الدوائر الرفيعة حين ذكر مجموعة من الأمور في تصريحه نذكر منها:

1- الإعلان عن «إتمام برنامج الخوصصة».

2- تشجيع التعليم الخاص وتوفير التأطير له.

3- الحرص على علاقات متميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية. (٤)

4- التأكيد على الحداثة وملاءمة القوانين المغربية مع القوانين الدولية...

ومهما كانت نوعية الثوابت والمتغيرات في المشهد السياسي المغربي، فإن «الأغلبية الصامتة» لا يهمها من كل هذا إلا أشياء جوهرية ومحدودة نوجزها في النقاط التالية:

1- تشغيل حملة الشهادات الجامعية المعطلين.

2- توفير الكرامة لأهل البادية وأحزمة البؤس المحيطة بالمدن.

3- تعميم التعليم والتأمل والتدريب المهني للتمكن من دخول سوق العمل.

4- تنظيم انتخابات غير معترض على طريقتها ونتائجها.

5- تصفية الملفات ذات الصلة بحقوق الإنسان السياسية.

ومنها على سبيل المثال لا الحصر السماح لشيخ جماعة العدل والإحسان السيد عبد السلام ياسين بحرية الحركة والتعبير وغير ذلك من الحريات، وكذلك السماح للفنان الساخر أحمد السنوسي بممارسة حرياته، ووضع حد لرفض إعطاء تراخيص العمل لبعض الجمعيات رغم قانونيتها ومشروعية نشاطاتها، والسماح للمغتربين بالعودة إلى بلادهم... إلخ.

وإذا استطاعت «حكومة التناوب» إقامة هذه الأركان الخمسة في واقع المواطنين المحسوس والملموس، فسيكتب لها الاستمرار والاستقرار الفترة قد تصل إلى المدة التي استوزرت فيها فئات التكنوقراط والأحزاب الإدارية، فهل يكون لها من الوقت والمال والكفاءة والإرادة ما يكفي لإقامة بنيان شامخ كهذا؟! وهل يستريح المغاربة من «الفيل وفيلته لينطلقوا إلى ما هو أحسن وأفضل؟

الهوامش

(١) رغم وجود ۸۰۰ ألف مغربي في فرنسا وإلى جانبهم أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون من أصول وجنسيات عربية - إسلامية أخرى فإنهم لا يتوافرون على تعليم حر، كما هو شأن اليهود والكاثوليك وبسبب غياب تعليم يوفر المناعة الحضارية لهذه المجموعة البشرية، فإن أكثر من ٣٠% من البنات الجزائريات و١٢% من البنات المغربيات و٩% من البنات التونسيات يرتبطن جنسيًا برجل غير مسلم، انظر:

Emmanuel Todd: Le destin des immigre, Sewl, Paris.

(2) إذا صح ذلك الموقف من حزب الاستقلال، فإنه سيكون هو السبب الرئيس الذي جعل «أم الوزارات» «تغضب عليه وتحول دون حصوله على الرتبة الأولى في أحزاب «الكتلة» خلال انتخابات ۱۹۹٧/١١/١٤م، وقد اتهم الحزب وزارة الداخلية صراحة بذلك.

(3) لدى وزير العدل إضافة إلى وزارة العدل، «مؤسسة- وزارة» هي شؤون الجالية المغربية في الخارج التي كانت وزارة منتدبة لدى الوزير الأول، ثم نيابة لكتابة الدولة لدى وزير الخارجية ثم أزيل كل هذا، وبقيت مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، وهي بمثابة وزارة لها ميزانيتها رغم عدم وجود أي أثر لها على حياة المغاربة في المهجر، والنادر لا حكم له.

(٤) لعل إشارة الوزير الأول إلى علاقات متميزة مع أمريكا، بينما لم يقل مثل ذلك عن فرنسا «الاشتراكية» يحمل دلالات على التكفير عن مواقف ومظاهرات وبيانات ومقالات غطت الساحة السياسية المغربية بالعداء لأمريكا خلال «عاصفة الصحراء» وكان «للكتلة» دور فيها.

(*) أكاديمي مغربي- فرنسا

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1174

81

الثلاثاء 07-نوفمبر-1995

المجتمع المحلي (1174)

نشر في العدد 1181

96

الثلاثاء 26-ديسمبر-1995

استراحة المجتمع- العدد 1181

نشر في العدد 1349

85

الثلاثاء 11-مايو-1999

صحة الأسرة (1349)