العنوان كيف نتعامل مع القرآن في رمضان؟ «۲من۳» نموذج للتغيير القرآني
الكاتب د. مجدي الهلالي
تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1623
نشر في الصفحة 54
السبت 16-أكتوبر-2004
للقرآن تأثير عجيب في نفس من يحسن استقباله، والتعامل معه على حقيقته ككتاب هداية وشفاء، فمن شأنه أن يحدث انقلابًا جذريًا شاملًا في شخصيته، فيعيد صياغتها وتشكيلها من جديد على ما يحب الله -عز وجل- ويرضى، فإن كنت في شك من هذا؛ فتأمل معي ما حدث للصحابة -رضوان الله عليهم- الذين كانوا قبل إسلامهم غاية في الجاهلية، ليدخلوا بهذه الحالة إلى مصنع القرآن، ثم يخرجوا منه أناسًا آخرين تفخر بهم البشرية حتى الآن.
إنه لأمر عجب يشهد بقدرات هذا الكتاب على إحداث التغيير الجذري في النفوس -أي نفوس- وإلا فمن يصدق أن أمة تعيش في الصحراء، حفاة عراة فقراء بلا مقومات تذكر، لا توضع في حسابات القوى الكبرى آنذاك، يأتي القرآن ليغيرها ويعيد صياغة شخصيتها وكيانها من جديد، ويرفع هامات أبنائها إلى السماء، ويربط قلوبهم بالله ليكون وحده هو الغاية والمقصد؟! حدث كل هذا في وقت قصير، سنوات معدودات كانت كفيلة بإحداث هذا التغيير الجذري، فماذا كانت النتيجة؟!
تحقق الوعد الذي وعد الله به عباده، إذا ما قاموا بتغيير ما بأنفسهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ﴾(الرعد: ١١).
ففي سنوات معدودة خرجت القوة الجديدة من قلب الصحراء نفسها، لتحطم الإمبراطوريات، وتقلب الموازين، وتؤول لها القيادة والريادة ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾(التوبة: ١١١).
لماذا غير القرآن الصحابة؟!
الذي مكن القرآن من إحداث هذا التغيير الجذري في جيل الصحابة، حسن تعاملهم معه، بعد أن أدركوا قيمته وفهموا المقصد من نزوله، ولقد كان أستاذهم ومعلمهم رسول الله ﷺ قدوتهم في ذلك، فقد عايش -عليه الصلاة والسلام- القرآن بكيانه كله، وانصبغت حياته به، حتى صار كأنه قرآن يمشي على الأرض، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه.
كان ﷺ يقرأ القرآن قراءة متأنية مترسلة فيرتل السورة ترتيلًا، ولقد ظل ﷺ ليلة كاملة يردد في صلاته آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة: 118).
بل إنك لتعجب من قوة تأثير القرآن على رسول الله ﷺ عندما يخبرنا بقوله «شيبتني هود وأخواتها قبل المشيب» (۱).
أما تأثير القرآن على الصحابة، فخير دليل عليه، واقعهم الذي تبدل، واهتماماتهم التي تغيرت، فإن أردت مثالًا لكيفية معايشة الصحابة للقرآن وقوة تأثيره عليهم، فانظر إلى أمر عباد بن بشر الذي كان يتبادل حراسة المسلمين مع عمار بن ياسر في غزوة ذات الرقاع، فطلب من عمار -وقد كان مجهدًا- أن ينام أول الليل ويقف هو للحراسة، فلما رأى المكان آمنًا شرع في الصلاة ومناجاة ريه، فجاء أحد المشركين فرماه بسهم فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بسهم ثان فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بثالث فنزعه وأنهى التلاوة وأيقظ عمارًا وهو ساجد، فلما سأله عمار: لم لم يوقظه أول ما رمي؟ فأجاب: «كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفدها، فلما تابع عليّ الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو انقدها» (۲).
بركة القرآن
إذن فقيمة القرآن الحقيقية تكمن في معانيه، وقدرته على إحداث التغيير الجذري في قارئه، وإعادة صياغة عقله، وبث الروح في قلبه، وترويض نفسه، ليخرج منه عالمًا بالله عز وجل، عابدًا له بإخلاص وعلى بصيرة، وهذا لن يتحقق بمجرد القراءة العابرة باللسان فقط، ولو ختمه بهذه الطريقة آلاف المرات.
وهذا ما كان يؤكد عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فقد قيل للسيدة عائشة -رضي الله عنها-: إن أناسًا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا، فقالت: قرؤوا ولم يقرؤوا، كان رسول الله ﷺ يقوم ليلة التمام فيقرأ سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء ،لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله تعالى ورغب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ (۳).
وعن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إليّ من أن أقرأ كما تقول (٤).
حالنا مع القرآن
أتعلم أخي أن القرآن الذي بين أيدينا هو القرآن الذي كان مع الصحابة، وهو الذي صنع منهم هذا الجيل الفريد؟!
فما الذي تغير؟!
لماذا لم يعد القرآن ينتج مثل هذه النماذج؟!!
هل فقد مفعوله؟!
حاشاه أن يكون كذلك، وهو المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة.
إذن فالخلل فينا نحن، فمع وجود المصاحف في كل بيت، وما تبثه الإذاعات ليل نهار من آيات القرآن، ومع وجود عشرات، بل مئات الآلاف من الحفاظ على مستوى الأمة وبصورة لم تكن موجودة في العصر الأول، إلا أن الأمة لم تجن ثمارًا حقيقية لهذا الاهتمام بالقرآن.
لماذا؟!
لأننا لا نوفر للقرآن الشروط التي يحتاجها، لتظهر آثار معجزته ويقوم بمهمة التغيير، فلقد اقتصر اهتمامنا بالقرآن على لفظه، واختزل مفهوم تعلم القرآن على تعلم حروفه، وكيفية النطق بها دون أن يصحب ذلك تعلم معانيه.
من آثار هجر القرآن
هذا التعامل الشكلي مع القرآن أدى إلى عدم الانتفاع الحقيقي به.
فماذا كانت النتيجة؟!
توقفت المعجزة القرآنية -أو كادت- في إحداث التغيير الحقيقي في النفوس، لتزداد الفجوة بين الواجب والواقع، والقول والفعل، تغيرت اهتماماتنا وازداد حبنا للدنيا وتعلقنا بها، فجرت علينا سنة الله عز وجل.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 53).
وانطبق حالنا مع ما أخبر به رسول الله عندما قال: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (٥).
ضرورة العودة إلى القرآن
ومن هنا يتضح لنا أنه قد أن أوان العودة الحقيقية إلى القرآن، فنقبل على ماديته ونعطيه وجوهنا، ونترك له أنفسنا.
آن الأوان لكي تبدأ عملية التغيير الحقيقية في ذواتنا، حتى يتحقق موعود الله لنا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ (الرعد: ۱۱)
ولنعلم جميعًا أن أي بداية أخرى تتجاوز القرآن لن تأتي بالثمار المطلوبة.
الهوامش
- صحيح الجامع الصغير، ح (۳۷۲۱).
- السيرة النبوية لابن هشام.
- أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٩٦) ص ٤٢١.
- فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٥٧.
- السلسلة الصحيحة، ح (٩٥٨).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل