; وسطية القرآن في الموازنة بين الحقوق الفردية والاجتماعية | مجلة المجتمع

العنوان وسطية القرآن في الموازنة بين الحقوق الفردية والاجتماعية

الكاتب عبدالكريم الحامدي

تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2005

مشاهدات 63

نشر في العدد 1637

نشر في الصفحة 52

السبت 05-فبراير-2005

من الظواهر البارزة في تاريخنا الفلسفي والاجتماعي التجاذب بين النزعتين الفردية والاجتماعية إلى درجة التنافر, حيث برزت ظاهرة الفردية كاتجاه فلسفي واجتماعي نظر إلى الفرد نظرة احترام وتقديس، وغالى في إطلاق حريته وحقوقه دون التفات إلى ارتباطه الاجتماعي، فطغت بذلك الحقوق الفردية على الاجتماعية، وعادت عليها بالضرر والفساد، أما الظاهرة الاجتماعية فبرزت مقابل الفردية، حيث أهملت الفرد ولم تعره أدنى اهتمام وحرمته الكثير من حقوقه, وبذلك عاش الفرد تحت الكبت والحرمان والاستبداد الاجتماعي.

وبين الاتجاهين المتطرفين برز الاتجاه القرآني الذي وازن بين النزعتين الفردية والاجتماعية، فأعطى الفرد حقوقه والمجتمع حقوقه، فعاش الفرد للمجتمع، والمجتمع للفرد في تكامل وانسجام من غير تصادم أو صراع، فجاء البنيان القرآني للمجتمع متينًا وسليمًا من الهزات والانفجارات. 

وقبل معرفة نظرة القرآن الإصلاحية القائمة على الوسطية والاعتدال، يستحسن كشف زيغ وبطلان تلك الاتجاهات وبيان أضرارها ومفاسدها وقصورها وعجزها عن إصلاح الإنسان، وأنه لا بديل عن منهج القرآن في تحقيق الصلاح المنشود.

أولًا- الاتجاه الفردي: 

حقيقته وأنصاره: يقوم هذا الاتجاه على العناية بالفرد واحترام حقوقه، وتلبية رغباته إلى حد سيطرته على المجتمع وتمرده عليه، ويعلل أصحابه ذلك بالأسباب الآتية:

الفرد هو الأصل في الوجود ولولاه لما ظهر المجتمع، ولما عرفت الإنسانية التحولات الحضارية في مختلف المجالات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. (1)

للفرد حقوق طبيعية مستمدة من ذاته ولدت معه، وسابقة على ظهور القانون، وعلى تكوين الجماعة، ومن ثم فالفرد هو محور القانون وغايته، وله الحق في التمتع بكل حقوقه المكتسبة في الأصل كحرية الرأي والعمل والتملك والتنقل... إلخ.

ليس لأحد السلطة ولا الحق في تقييد حقوق الفرد أو الحجر عليها، فكل من الدولة والجماعة والقانون في خدمة المصالح الفردية. (٢)

وأشهر الشخصيات القديمة الممثلة لهذا الاتجاه الفيلسوف اليوناني «أرسطو» الذي كان يؤمن بالاتجاه الفردي للإنسان، وفي العصر الحديث ظهرت الرأسمالية، كمذهب فلسفي يدعو إلى الفردية في السياسة والاقتصاد والدين. (۳)

مفاسد هذا الاتجاه وأضراره: أدى انتشار الاتجاه الفردي إلى مفاسد عديدة, أهمها:

طغيان الأثرة والأنانية الفردية: مما أدى إلى غياب الوعي الاجتماعي، فأصبح الفرد يرى ذاته كل شيء في الوجود، وأن الحياة له وحده، ولا يعنيه ما يصيب الآخرين (4)، ونتج عن ذلك ضياع الحقوق الاجتماعية، كحق التعاون والتكافل والنصرة، وغابت الأخلاق الاجتماعية كالإيثار، والتواضع, والصلة، والإحسان، وحلت محلها القسوة، والغلطة، والجفاء والكبرياء.

فتح باب الحريات الفردية من غير قيود أو ضوابط في مختلف المجالات الدينية والفكرية والاقتصادية، مما أدى إلى ضياع المصالح العامة: ففي المجال الديني اعتبر التدين شأنًا فرديًّا لا إلزام فيه ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ (الكهف:29).

ومن شاء عبد الله تعالى ومن شاء عبد غيره، فالفرد حر فيما يعتقده ويعبده، وبذلك انسلخت المجتمعات من القيم الدينية والأخلاق، وانتشرت الإلحادية والمادية واللادينية (٥)، وسيطر حب الشهوات والأهواء، وانطلقت الغرائز الفردية دون قيود أو حدود، فانتهكت الأعراض والحرمات.

وفي المجال الفكري، فتح باب الحريات الفكرية، فانتشرت الأفكار الضالة المعادية للقيم الدينية والمبادئ الخلقية والأعراف الإنسانية. 

وفي المجال الاقتصادي، فتح باب حرية التملك، واستغلال الموارد والثروات دون قيود، فظهر الاحتكار والربا (٦)، وتكدست الثروة لدى أصحاب الجاه والسلطان والنفوذ, فظهرت الأقليات الغنية وهيمن الفقر على أغلبية المجتمعات فقامت بسبب ذلك الثورات والحروب والفتن الطاحنة.

نقد الاتجاه الفردي: يؤخذ على هذا الاتجاه ما يأتي: بطلان الأساس الفلسفي الذي بنى عليه نظرته للوجود والحقوق فالفرد لم يولد ولم يوجد إلا في وسط اجتماعي، ذلك أن الفرد لا يمكنه العيش بمعزل عن المجتمع؛ فالمجتمع هو الذي أوجده، وهو الذي يحفظ حقوقه ومصالحه، ذلك لأن الحقوق والمصالح لا تنشأ ولا توجد إلا في ظل قيام روابط اجتماعية بين الأفراد.

قيام هذا الاتجاه على المصلحة الخاصة دون مراعاة المصلحة العامة، والواقع يخالف ذلك، فالكثير من المصالح العامة لا يفكر في رعايتها والمحافظة عليها الأفراد، بدافع الأثرة والأنانية وحب الذات، كما أن الكثير من المصالح العامة لا يقوى على تحملها وتحقيقها الأفراد كمرافق التعليم والصحة والتموين، فلا تقوم بها إلا الجماعة ممثلة في الدولة.

لا يقيم هذا الاتجاه أي وزن للجانب الأخلاقي والقيمي على مستوى الروابط الاجتماعية؛ لغلبة حب الذات والأنا الشخصي. (۷)

ثانيًا- الاتجاه الاجتماعي:

حقيقته وأنصاره: يقوم هذا الاتجاه على إنكار ذاتية الفرد، وتغليب المجتمع عليه, للأسباب الآتية:

أن المجتمع هو الأصل، وقيمة الفرد ثانوية بالنسبة إلى قيمة المجتمع. (۸)

الجماعة هي الهدف الأسمى من الوجود, وهي غاية في ذاتها، وليست وسيلة لتحقيق غيرها من الغايات، ولذلك ل ابد من حمايتها والتمكين لها بكل الوسائل المختلفة. (9)

لا حق للفرد إلا في ظل المجتمع، فهو الذي يمنحه للفرد، وما الفرد إلا كائن مسخر لخدمة مصالح المجتمع، فلم يمنح حقًّا إلا ليؤدي واجبًا, فالحقوق من الجماعة وللجماعة، تحقيقًا للخير الجماعي والصالح العام.

لا حق للفرد في التدخل في صلاحيات المجتمع، بل الدولة هي صاحبة الحق والمخولة للإشراف على الشؤون الفردية والاجتماعية معًا. (١٠)

ومن أشهر الشخصيات الفلسفية القديمة التي مثلت هذا الاتجاه، «أفلاطون», كما مثله في فارس القديمة «مزدك» الذي كان يمثل أقصى النزعة الجماعية، حيث دعا إلى شيوعية الأموال والنساء. (۱۱)

وفي العصر الحديث ظهرت النزعة الجماعية في بناءين فلسفيين, أحدهما: الفلسفة المثالية التي يمثلها «هيجل» حيث ترى أن النزعة الفردية لما كانت مبنية على الأنانية عجزت عن تحقيق المثل الأعلى، ومن ثم أصبح من الضروري الاعتماد على المجتمع.

والثاني: الفلسفة المادية ويمثلها «كارل ماركس» التي تقوم على تغيير الدوافع الشخصية والعقائدية الفردية، وإحياء الوعي الاجتماعي والنوازع الجماعية في الأفراد حتى يتجه التفكير إلى المصلحة الاجتماعية. (۱۲)

كما مثل هذا الاتجاه في الشرق كل من الشيوعية والاشتراكية، التي منعت حقوق الأفراد، وقضت على إرادتهم, وحجرت على فكرهم إلا فيما يتعلق باللذات والشهوات الحسية المادية. (۱۳)

مفاسد هذا الاتجاه وأضراره كان من آثار انتشار هذا الاتجاه الأضرار الآتية: كبت الحريات الفردية، والحجر على الأفراد، مما أدى إلى إلغاء ذاتية الفرد وإرادته، إبداعه ومشاعره الفطرية إلغاء الحقوق الفردية، فلا حق للفرد إلا في ظل الجماعة.

انتشار الإباحية الجنسية بدعوى أن الناس شركاء في كل شيء، فانتهكت بذلك الأعراض والحرمات. (١٤)

نقد الاتجاه الاجتماعي يؤخذ على هذا الاتجاه ما يلي:

إن إلغاء فكرة الحق الفردي، وتحويلها إلى مجرد وظيفة اجتماعية، جعل من الأفراد  أصحاب الحقوق مجرد وكلاء على استعمالها لتحقيق الخير العام دون نظر إلى المصالح الذاتية للأفراد، وهذا ما أدى إلى ذوبان شخصية الفرد وذاتيته وقيمه كعنصر فعال في بناء المجتمع, وتحول إلى مجرد عنصر مسخر لخدمته. (١٥)

إن الواقع يثبت أن المجتمع لا سبيل إلى نهوضه ورقيه إلا بتعاون أفراده، ومن ثم فإن إلغاء ذاتية الفرد وإرادته وشخصيته، مانع من هذا النهوض في مختلف المجالات الدينية والعلمية والاقتصادية.

ثالثًا- وسطية القرآن في الموازنة بين الحقين الفردي والاجتماعي:

شخصية الإنسان في المنظور القرآني: 

الإنسان في نظر القرآن، ذو شخصية مزدوجة فردية واجتماعية معًا. (١٦)

 فالشخصية الفردية يسأل فيها عن أفعاله الخاصة، ولها شرعت التكاليف الفردية. والشخصية الاجتماعية يسأل فيها عن علاقاته الاجتماعية بغيره من أفراد المجتمع، ولها شرعت التكاليف الاجتماعية، ومن ثم لا سعادة للفرد إلا في ظل المجتمع، ولا سعادة للمجتمع إلا في ظل تعاون أفراده. الإنسان خلق مفطورًا على الميل نحو ذاته والآخرين معًا، فالميل إلى حب الذات مركوز في فطرة الفرد, والميل إلى حب الآخرين متأصل في فطرة الإنسان.

لا يوجد أي تنافر أو تعارض بين النزعتين الفردية والاجتماعية؛ لأن كلًّا منهما يكمل الآخر ويعضده، من أجل تحقيق المصالح المشتركة. 

للإنسان فردًا ومجتمعًا الحق في التمتع بالحقوق المكفولة شرعًا، وإن أكبر الضرر في إهمال الحق الفردي أو الاجتماعي، أو التنازع بينهما، بل الخير والمصلحة في تلاقي الحقين معًا، فلا يعلو أحدهما على الآخر إلا فيما يعود

بالنفع العام.

فلسفة الحق في القرآن:

الحق منحة إلهية قصد الشارع من منحها تحقيق مصالح عباده الفردية والاجتماعية، ومن ثم فالأصل فيه التقييد وليس الإطلاق، والعبرة بما قيده الشارع؛ لأنه مصدر الحق وواهبه. 

الأصل في التصرف في الحق أن يكون موافقًا لمقصد الشارع، من جلب للصلاح ودرء للفساد، فكل تصرف يناقض هذا المقصد فهو باطل. 

الدولة صاحبة السلطة على الأفراد والمجتمع، تتلقى الحق من الله تعالى، ومن ثم فلها الحق في حفظ حقوق الأفراد والجماعات بما يتفق ومقاصد الشرع، فلا تمنح حقًّا أو تمنعه إلا في إطار ما خوله لها الشارع.

الحق العام مقدم على الخاص عند التزاحم وعدم إمكانية التوفيق، ولو لحق الضرر صاحب الحق الخاص. 

المسؤولية عن الحق فردية، فلا تبعة لأحد على أحد، ومن ثم فالفرد مسؤول عن التمتع بحقوقه والحفاظ عليها، ويتحمل وحده تبعات أي انحرف عن وضع الحق والتصرف فيه في غير ما شرع له. (۱۷) 

الهوامش

1- محمد الثومي: المجتمع الإنساني في القرآن الكريم, المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر ط / ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م ص ٢٢٢.

2- فتحي الدريني: الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده, مؤسسة الرسالة - بيروت لبنان - ط ١٤٠١هـ - ١٩٨٤م، ص ٤٠.

3- محمد سوار: النزعة الجماعية في الفقه الإسلامي وأثرها في حق الملكية, المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، ط/ ۱۹۸۱م، ص: ۱۱.

4- طه الدسوقي: عقيدتنا وصلتها بالكون والإنسان والحياة, دار الهدى القاهرة مصر، ط/ ١٩٨٤م ص ٢٥. - يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام، دار الشهاب - باتنة الجزائر ص ١٣٣. 

5- محمد البهي الدين والحضارة الإنسانية، دار الفكر القاهرة مصر - ط ٢ / ١٣٩٤ هـ . ١٩٧٤ م من ٥٢٦١. - محمد الثومي: المرجع السابق، ص: ۲۲۸.

6- القرضاوي: المرجع السابق، ص ١٣٤.

7- الدريني: المرجع السابق، ص ٤٢.

8- محمد التومي: المرجع السابق، ص: ۲۱۳. 

9- وحيد الدين سوار: المرجع السابق ص : ١٣.

10- الدريني المرجع السابق ص ٤5 – 49.  

11- القرضاوي المرجع السابق ص ١٣٤ – ١3٥. 

12- محمد التومي المرجع السابق، ص ۲۳۱.

13- الخطيب عمر عودة: المسألة الاجتماعية بين الإسلام والنظم البشرية, مؤسسة الرسالة - بيروت. لبنان - ط / ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م ص: ١٨٤.

14- الخطيب: المرجع نفسه، ص: ۱۸۳ ، ١٨٤.

15- الدريني: المرجع السابق، ص: 5٠ - 6٠.

16- محمود شلتوت: من توجيهات الإسلام, دار الشروق – القاهرة - مصر ط/٧ ١٤٠٧هـ ١٩٨٧م, ص ٤٦٧.

17- الدريني: المرجع السابق, ص: 71 – 76.

(*) كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية – جامعة باتنة - الجزائر

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل