العنوان ألبانيا «مستودع» نفايات أوروبا السامة!
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004
مشاهدات 69
نشر في العدد 1619
نشر في الصفحة 22
الجمعة 24-سبتمبر-2004
تجارة حقيرة حكومة تبيع شعبها بأبخس الأثمان «۱۸۰ مليون يورو»
• أطفال يولدون بدون أعضاء تناسلية، و«عجول برأسين»، وتفشي السرطان بسبب التلوث
• الحكومة تعاقب المعارضة بالسجن ومصادرة الأموال.
حياة الألبان لا تطاق، الجميع يحلم بتذكرة طائرة، أو سفينة أو رحلة في زورق إلى الضفاف الأخرى، أو زواج مزيف يحمله إلى الخارج؛ ليحقق أحلامه في العيش الكريم كما يعتقد ويتصور، وذلك بعد أن أصبحت الحياة في ألبانيا لا تطاق، ليس بسبب ظروف المعيشة الصعبة وحدها فقط أو انقطاع التيار الكهربائي باستمرار فحسب، أو البطالة التي بلغت نسبًا قياسية تقدرها بعض المصادر بـ٦٠% بل لأن بلادهم أصبحت مدفنًا للنفايات الأوروبية، بموافقة حكومتهم التي يترأسها فاتوس نانو، فضلًا عن التلوث الذي بلغ مراحل قياسية تهدد الحياة البيئية والبشرية بشكل خاص.
مداخن النفايات: يمكن لزائر تيرانا أن يلحظ بدون أي عناء أعمدة الدخان المنبعثة من مزابل النفايات القادمة من أوروبا لترمى فوق الأراضي الألبانية بعد أن قامت الحكومة الألبانية في ٢٦ من مايو ٢٠٠٤م بتوقيع اتفاق مع عدد من الحكومات الأوروبية تقوم بمقتضاه ألبانيا باستقبال النفايات ودفنها على بعد 7 كيلومترات فقط من العاصمة تيرانا بمبلغ ١٨٠مليون يورو.
هذه الاتفاقية فجرت موجة من الاحتجاجات داخل ألبانيا، ووصفت بعض الصحف المستقلة الصفقة بالتجارة الحقيرة وكتبت الصحف: «الحكومة تبيع ألبانيا بأبخس الأثمان»، واتهموا أوروبا بأنها «تريد أن تحول بلادهم لمرمى للقاذورات»، وقال كوكا كوكاديما «٤٥ سنة» صاحب صحيفة «شيكولي»: «الشعب الألباني لن يقبل بأن ترمي النفايات الأوروبية فوق أرضه، وقال: «جميع الألبان يعارضون هذا المشروع القذر، مشروع الزبالة فوق أرضه». وأضاف كوكاديما: «إن الشعب سيرفض في كل الأحوال، فما أن يدرك حقيقة الأمر حتى ينتفض، وما قمنا به هو نزع الغشاوة عن أعينه، وحماية أرضنا والبيئة والنوع والصحة والدفاع عن تطور بلدنا في المستقبل».
واتهم كوكاديما رجال أعمال أجانب بمحاولة السيطرة على البلاد من خلال الحكومة القائمة اليوم، مقابل منع ظهور رجال أعمال وطنيين قائلًا: ألبانيا بلد صغير، وفقير وحكومته فاسدة، لا تسمح لرجل أعمال وطني أو محب لشعبها أن يصبح صاحب وسائل إعلام ورجل سياسة معًا.
أطفال مشوهون
الآثار السلبية للتلوث الناجم عن دفن النفايات وبعض الصناعات الألبانية الملوثة للبيئة أدى إلى بروز ظاهرة جديدة، وهي إنجاب مواليد بدون أعضاء تناسلية، وهي القضية التي تشغل الرأي العام الألباني، وهو أمر خطير كما يقول خبراء البيئة، كان يدور الحديث عنه سرًا، ويتمثل في وجود تغيرات وراثية في ألبانيا تصيب في المقام الأول المواليد، حيث يولد الأطفال بدون الأعضاء التناسلية، كما أن التغيرات تطرأ على الحيوانات، وبدأت ظاهرة ولادة «عجول» برأسين تزداد أيضًا- ويتهم الخبراء النفايات والمصانع التي لا تتبع ضمانات الأمن البيئي- فالمدينة الصناعية التي تبعد ۱۰۰ كيلو متر عن العاصمة تيرانا، والتي يوجد بها ۱۲۰ ألف ساكن تعتبر أكبر قطب صناعي في ألبانيا بها ١٢ مصنعًا تعمل بتكنولوجيا صينية لإنتاج الفولاذ والحديد والنيكل والكوبالت وغير ذلك، و٣ مصانع للأسمنت والفولاذ والحديد ويحيط بتلك المصانع مراكز صناعية صغيرة، ينتج عن كل هذه المصانع أغبرة ضارة بالبيئة والصحة بمعدل ثلاثة أضعاف المعدلات المصرح بها دوليًا. وبذلك تعد المدينة الصناعية أكثر مد ن العالم تلوثًا، ويصفها الخبراء بأنها كارثة بيئية حيث تتصاعد السموم وتنتشر فتسبب الكثير من الأورام والأمراض الخبيثة، والتغيرات الوراثية الغريبة، ويزيد من صعوبة الوضع أطنان السيانيد السامة المخزنة بالقرب من المركز القريب من تلك المصانع، وإلى جانب المخاوف المتعلقة بالرقابة على هذا السم القوي هناك خطر الكوارث الطبيعية؛ إذ تهدد هذه المادة الحياة البشرية والبيئية بشكل مؤكد مما ينبئ بحدوث كارثة كبيرة فيما لو وقع زلزال أو انهيار للتربة أو تدفق للمياه داخل المكان المخزنة فيه المادة حاليًا وهو عبارة عن كهف أو سردايب كانت عبارة عن مناجم قديمة للنحاس. خاصة وأنه يقع في منطقة جبلية، كما أن هناك احتمالات السرقة لتلك المواد، في ظل الحراسة الضعيفة جدًا على تلك المخازن ويقدر البعض كمية السيانيد تلك بـ7 أطنان، ويقول الخبراء: إن وجود السيانيد من جهة والتلوث من جهة أخرى وراء التغيرات الوراثية في المنطقة، والتي تصيب في المقام الأول المواليد الذين يولدون بدون الأعضاء التناسلية، والحيوانات مثل الدجاج والعجول التي تولد برأسين.
فساد حكومي
الحكومة الألبانية لم تكتف بتوقيع اتفاقية دفن النفايات الأوروبية على أراضيها أو التباطؤ في التعامل مع قضية التلوث الخطيرة، بل سعت إلى تكميم الأفواه، ومحاربة الصحف التي كشفت الكارثة أو اعترضت على الاتفاقية، وبدأت الحكومة ترفع شعارات من قبيل «محاربة الجريمة المنظمة» و«حتى لا تصبح الصحف أداة فعل سياسي»، و«خطر ارتباط أشخاص ذوي فعاليات غامضة بالصحافة»، وأن «المافيا بدأت تتسرب لوسائل الإعلام بعد أن نفذت إلى السياسة» رافعة في ذلك شعار ميكافيلي «إذا أردت أن تبعد شبهة ما عن نفسك فاتهم بها خصومك واستمت في ذلك»، وبالفعل صادقت الحكومة مؤخرًا على مشروع يسمح للأجهزة المختصة في الدولة بالتحقيق حول الممتلكات الخاصة، ولا سيما الأفراد والمجموعات بدعوى محاربة المافيا في ألبانيا، وقال متحدث باسم الحكومة: إن القانون الجديد الذي سيعرض على البرلمان قريبًا يهدف وضع استراتيجية قادرة على احتواء الجريمة المنظمة وعمليات الفساد اللتين تعاني منهما البلاد المعارضة الألبانية كان لها رأي آخر فهي تقول: إن كل ذلك كلام جميل يخفي سياسة قبيحة تضع المناهضين لبيع ألبانيا تحت طائلة القانون، بينما المافيا والفساد والجريمة المنظمة هي من يحكم ألبانيا ويصدر القوانين المحاربة الخصوم السياسيين والمدافعين عن مصالح البلاد والشعب باسم محاربة الجريمة المنظمة والبحث عن مصادر الثروة.
ويمكن أن يصدق كلام المعارضة خاصة إذا عرفنا أن القانون يعاقب المتورطين في مثل هذه الأعمال بالسجن بين ٢٠ سنة ومدى الحياة، فهي ترفع سيف الإسكات بدعوى العدالة، وأصبح صاحب كل صحيفة مستقلة أو معارضة معرضًا للاتهام بالعلاقة بالمافيا والفساد، ومن ثم السجن والمصادرة.