; المجتمع التربوي (1606) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1606)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 25-يونيو-2004

مشاهدات 55

نشر في العدد 1606

نشر في الصفحة 54

الجمعة 25-يونيو-2004

الرسول صلى الله عليه وسلم مجاهدًا

حمدي شلبي 

*كان في مقدمة الصفوف دائمًا، يضرب للصحابة المثل في الثبات وحب الاستشهاد.

أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالجهاد في سبيله فقال تعالى: ﴿يا أيُّها النّبيُّ جاهد الكفَار والمُنَافقِين واَغْلُظْ عَلَيهِم ومَأْوَاهَم جَهَنَّم وبِئْسَ المَصِير﴾ (التوبة: 73).

ومن خلال هذه الآية نتوقف عند بعض النقاط المهمة:

١. تنوع أساليب الجهاد لاختلاف أعداء الإسلام، فجهاد الكفار بالسلاح، وجهاد المنافقين بالكلمة، والجهاد الأول دلت عليه غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، والجهاد الثاني دلت عليه مواقفه المتعددة من المنافقين، وعدم موافقته على ضرب أعناقهم، حتى لا يقال إن محمدًا يقتل أصحابه.

٢. حاجة الأمة في هذه الأيام إلى الجهاد بنوعيه لتعدد الأعداء، والتربص بها. وتشويه صورة الإسلام بكل ما يملك أعداؤها من وسائل مادية بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم، والتفريط في العبادات حتى لا يصبح لهم من الإسلام إلا الاسم فقط.

٣. موقف النبي وثباته يوم حنين. 

حيث سبق الأعداء وأخذوا مكانهم بالوادي، فلما أقبل جيش المسلمين فاجأهم الأعداء بالنبال، فضر عدد كبير من جيش المسلمين، وثبت النبي ﷺ ومعه عدد قليل من الصحابة.

ورد في رواية مسلم من حديث أبي إسحاق السبيعي قال: «جاء رجل إلى البراء فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، اللهم نزل نصرك». قال البراء: «كنا -والله- إذا احمر البأس نتقي به. وإن الشجاع منا الذي يحاذي به، يعني النبي» (رواه مسلم. الجهاد رقم ١٧٧٦، وصحيح البخاري، كتاب المغازي رقم ٤٣١٧).

فمن هذه الرواية نعرف شجاعته ﷺ، وأن عنصر المفاجأة لم يوجد عنده اضطرابًا أو خللًا في إدارة المعركة، إنما أوجد ثقة، وقوة وحسن تصرف؛ تحقق ذلك من دعائه ربه على الفور، لأنه هو الناصر، والإعلان عن صدقه في دعوته، ومن كان كذلك كان النصر حليفه. ثم يأتي قول البراء: «كنا -والله- إذا احمر البأس نتقي به»، ليدلل على تلاحم النبي صلى الله عليه وسلم مع الجند وقت الشدة، وهذا ما ندعو إلى الاقتداء به، ليتحقق النصر للمسلمين.

٤. مشاركة القائد جنده في القتال وحبه الاستشهاد: للنبي صلى الله عليه وسلم مكانة عظيمة عند الله وعند أصحابه، ومع هذه المكانة شارك أصحابه في الجهاد والمعاناة، وتحمل الشدائد، فقد روي أنه كان يوم بدر بين كل ثلاثة بعير، وكان زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم علي وأبو لبابة، فإذا حانت عقبة النبي صلى الله عليه وسلم قالا: «اركب ونحن نمشي»، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما» (الحديث حسن، أخرجه الحاكم ٢٠/٣ وابن حبان ٤٧٣٣).

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشق على أمتي، لأحببت ألا أتخلف خلف سرية تخرج في سبيل الله، ولكن لا أجد ما أحملهم، ولا يجدون ما يتحملون عليه، ويشق عليهم أن يتخلفوا بعدي، ووددت أن أقاتل في سبيل الله، فأقتل، ثم أحيا فأقتل، ثم أحيا فأقتل» (البخاري ٢٩٧٢، ومسلم ١٨٧٦). إن هذين الحديثين يؤكدان مشاركة الرسول ﷺ في الجهاد، واقتداء الصحابة به في ذلك، وحبه للشهادة وحبه التخفيف عن أمته.

٥. الالتزام بتقوى الله في الجهاد وعدم الغدر: لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في جهاده وفي توجيهه للمجاهدين، فلم يعتد على النساء أو الصبيان، إنما أمر القادة بالخوف من الله وعدم الغدر، فقد روي عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا... الحديث» (أبوداود ٢٦١٢, والحديث صحيح).

ولقد كان الصحابة خير من يسمع ويعمل بتوجيهات رسول الله، فمنهجهم «سمعنا وأطعنا»، فكانوا نعم القادة باقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.

٦. الأمة أحوج ما تكون في هذه الأيام إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم: في غزوة حمراء الأسد حيث كانت غزوة أحد يوم السبت النصف من شوال، ولما كان الغد «يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال» أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه حتى وصلوا، «حمراء الأسد» على بعد ثمانية أميال من المدينة، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.

إن كتب السير تذكر أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني كان له أكبر الأثر في رد المشركين وغيرهم عن التفكير في الاعتداء على المدينة، كان قد فكر في ذلك أبو سفيان بن حرب ومن معه، فلقيه معبد الخزاعي، وكان يومئذ مشركًا فأخبره أن محمدًا جمع جيشًا قويًّا لا قبل لكم به، وأني لم أر مثله قط، فرجع أبو سفيان إلى مكة.

إن هذا الموقف من النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه - بعد أحد بيوم واحد - يفصح عن التفكير الحربي الصحيح الذي يجب على الأمة أن تستعين به في حاضرها، فلا تستسلم للغزو العسكري والفكري، وأن تعد العدة بكل ما تملك من طاقات، التزامًا بقول الله تعالى: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعْتَم مِن قُوْةٍ﴾ (الأنفال: ٦٠).

٧. من المواقف التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته لتكون عبرة ودرسًا لا ينسى موافقته صلى الله عليه وسلم على مشاركة عمرو بن الجموح في غزوة أحد، بالرغم من عرجه وبالرغم من مشاركة أربعة من أبنائه، ذكر ابن إسحاق: «إن عمرو بن الجموح كان رجلًا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد. فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا له: إن الله عز وجل قد عذرك، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك»، وقال لبنيه: «ما عليكم، لعل الله أن يرزقه الشهادة». فخرج معه فقتل يوم أحد (ابن هشام ٤٥/٣، وفي رواية أحمد في المسند ٢٩٩/٥). فمر عليه رسول الله ﷺ فقال: «كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة». (قال الحافظ الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير يحيى بن نصر الأنصاري، وهو ثقة، مجمع الزائد ٣١٥/٩).

ليتنا نستفيد من موقف النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه عندما قيل لهم إن الأعداء قد جمعوا لكم فاخشوهم وهو موقف المؤمن بربه المتوكل عليه المتمثل في قوله ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173)، قال تعالى: ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاسِ إِنَّ النَّاس قدٍ جِمِعَوا لَكَم فَاحشُوهم فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173). ومن موقفه في غزوة بدر في أخذه بمبدأ الشورى، ومعرفة السبب الذي أدى إلى هزيمة المسلمين في أحد وهو مخالفة الرماة توجيهاته، واستعمال أداة الحرب النفسية في خروجه إلى حمراء الأسد في اليوم الثاني من أحد، وثباته عندما فر الناس في حنين، وأخذه بمبدأ السرية التامة في فتح مكة، ودفاعه عن أعراض المسلمين ودمائهم من خلال غزوتي بني قينقاع ومؤتة.

أسأل الله أن نستفيد من كل ذلك، والله الهادي إلى سواء السبيل.

من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم 

شكر المحسن وإعانة المحتاج

عبد القادر أحمد عبد القادر 

امتدح بعض المتأخرين -خاصة زعماء الفكر والفلاسفة- نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم من أمثال جوستاف لوبون، وتولستوي، وإدوارد مونتيه، وجيمس جنيز، وغيرهم.

والعجيب أن نفرًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا يعرفون عنه شيئًا، ولا يعرفون له قدرًا، وانشغلوا بزعماء وفلاسفة من الكفار!!

إنه مظهر للخلل الفكري، والشرود الذهني، والجحود المنافي لوجوب حب النبي صلى الله عليه وسلم.

وإن هذه المقالة تهدف -ضمن ما تهدف- إلى تنبيه الغافلين وتحفيز الكسالى والخاملين.

ولنتابع الحياة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع بعض سنته.

شكر الناس على المعروف:

العلاقات الاجتماعية الصحيحة النظيفة وعاء لنمو الفضائل وانحسار الرذائل، والمتأمل في سنته ﷺ يجد الاهتمام الأعظم ببناء الجانب الاجتماعي، لأنه وعاء الإسلام. وإنك لتجد أن الشخص الاجتماعي ناجح في حياته، وفي دعوته، أما الذي يعاني مشكلات اجتماعية، خاصة الانطواء، فإن ذلك يؤثر سلبًا في دعوته.

وإنه مما يدعم البناء النفسي بين أفراد المجتمع أن تشكر من يؤدي إليك معروفًا، أيًّا كان ذلك المعروف، وأيًّا كان أسلوب الشكر.

جاءني طلاب كثيرون من مراحل متنوعة يشكرونني على أنني كنت أرفق بهم في مواضع يقسو فيها غيري! كانوا يشكرونني على خلق الرفق بهم! فما بالنا بصنوف المعروف التي يكثر تعدادها، والتي تؤثر في حياة الناس ومصائرهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (رواه الترمذي وأحمد وصححه ابن حبان)، وقال صلى الله عليه وسلم: «من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء» (رواه الترمذي وابن حبان). وقال صلى الله عليه وسلم: «من أُعطي عطاء فليجز به إن وجد، وإن لم يجد فليثنِ، فإن من أثنى فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره» (رواه الترمذي وأبو داود). وقال صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل» (رواه أحمد وغيره).

إن الناس بطبعهم يحبون الشكر على المعروف، وهي سجية فطرية يطرب لها الجميع، ولا غضاضة فيه، لأنه علامة على قبول المعروف أو الهدية، وقد يكون العكس صحيحًا، بمعنى أن من لم يشكر صانع المعروف قد يظن أنه معروفه غير مقبول.

قال الشاعر الحكيم:

فلو كان يستغني عن الشكر ماجد

                لعزة مُلك أو علو مكان

لما ندب الله العباد لشكره

           فقال: اشكروني أيها الثقلان

قضاء حوائج المسلمين:

قال صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (رواه مسلم)، وحاجات الناس متنوعة، فالرأي، والمال، والخدمة، والنصح، وبذل العلم، والمؤانسة. والدعاء... إلخ مما يكون الإنسان في حاجة إليه.

قال أبو العتاهية:

اقض الحوائج ما استطعـ

         ـت وكن لهمِّ أخيك فارج

فلخير أيام الفتى

         يوم قضى فيه الحوائج

ولكن أهل هذا الزمان اشتهر كثيرون منهم بطلب الحاجات استكثارًا من الخير، أو طمعًا فيما عند الغير، أو اعتيادًا على التسول! حتى وإن لم تكن لهم حاجة! بل إن الغني قد يطلب ويتعفف الفقير! فمن ذا الذي يتحلى بوصية النبي ﷺ فلا يطلب من أحد حتى أن يناوله السوط إذا وقع منه وهو راكب جواده! فلينزل، وليتناول سوطه بنفسه.

لقد كانت الذرة الصفراء تأتي معونة للفقراء في مصر، فكان الأغنياء يطلبونها علفًا لمواشيهم، فيضيع القوت على الفقراء! قال الشاعر:

من عفّ خفّ على الصديق لقاؤه

وأخو الحوائج وجهه مملول

ومع التحلي بسنة قضاء حواج المسلمين يجب مراعاة عدة أمور أهمها:

١- مراعاة الأولويات: فالأقربون، ثم طلاب العلم، ثم المجاهدون، ثم اليتامى... الأشد حاجة فالأقل.

٢- لا تقل نعم، ثم بعد حين تقول لا!

من قال لا في حاجة

      مطلوبة فما ظلم

وإنما الظالم من

    يقول لا بعد نعم

وقال آخر:

إن لا بعد نعم فاحشة

   فبلا فابدأ إذا خفتَ الندم

وإذا قلت نعم فاصبر لها

بنجاز الوعد إن الخلف ذم

٣. لا تطلب حاجة في مقابل حاجة تقضيها، فهذا شأن التجار، أما أنت فسالكٌ درب الأبرار، وإياك ومسالك المرشحين في الانتخابات، الخدمة عندهم في مقابل الأصوات!

٤. إذا اعتذرت عن حاجة لم تستطع أداءها لمحتاج، فليكن لك شأن في المعاونة على قضائها، كأن تشفع للمحتاج عند من يقضيها له، قال صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا» (رواه النسائي بإسناد جيد).

٥. ألا تتغير نفس المحتاج إذا اعتُذر إليه ممن ظنه يقضي حاجته! فالله أعلم بما خفي من أسباب المنع عند المقصودين، فقد يكونون من أصحاب الحاجات، ولكن ظواهرهم موهمة!

رسالة «إلى الشباب».. وقفة تحليلية (2)

روح الثقة

وليد شلبي 

*التفريط في أي شبر من أرض الإسلام جريمة لا تغتفر حتى يعيده المسلمون أو يهلكوا دون ذلك، ولا نجاة لهم من الله إلا بهذا.

*المسلم لا بد أن يكون إمامًا في كل شيء ولا يرضى بأقل من ذلك، والتأخر في أي ناحية مخالف لتعاليم ديننا.

تناولنا في العدد الماضي عوامل نجاح الفكرة والإيمان بها والإخلاص في سبيلها. وأكدنا أن الإحساس بالمسؤولية يعين الشباب على أداء الأمانة على خير وجه، كما أكد الإمام الشهيد أن دعوة الإخوان تستمد مشروعيتها من كونها تستند إلى دعوة الإسلام قلبًا وقالبًا.

وقد حرص الإمام الشهيد حسن البنا -يرحمه الله- على أن يبث روح الثقة بعمومها وشمولها وبكل معانيها في النفوس، فقال: «إن العالم كله حائر يضطرب، كل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه ولا دواء له إلا الإسلام، فتقدموا باسم الله لإنقاذه، فالجميع في انتظار المنقذ، ولن يكون المنقذ إلا رسالة الإسلام التي تحملون مشعلها وتبشرون بها».

هذه هي الروح التي نحن بحاجة إليها الآن في ظل التغيرات الدولية الجارية من حولنا، في حاجة للثقة بأنفسنا وبمنهجنا وبطريقنا وبدعوتنا وبقيادتنا، وقبل ذلك كله للثقة في الله ونصره للمؤمنين، نريد الثقة المرادة عند الإطلاق بكل عمومها كما طرحها الإمام الشهيد من قبل، والتي استقاها من المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان مثالًا للثقة في كل مواقفه حتى في أعتى الظروف، كما حدث في وعده لسراقة، وموقفه عند حفر الخندق وغيرها الكثير.

ماذا نريد؟

وفي البعد التالي للرسالة يتحدث الإمام عن ماذا نريد؟ وهو يحدد هنا بوضوح ما يريده الإخوان على مر العصور والذي يعد أحد أهم الثوابت الفكرية للجماعة، والتي حفظها الله سبحانه رغم قسوة ما تعرض له الإخوان من محن وابتلاءات لم تنل من ثوابتهم التي وضعها الإمام الشهيد، فهو يريد الشخص المسلم والبيت المسلم والمجتمع المسلم والحكومة المسلمة، وكل جزء من الوطن الإسلامي وجميع الأراضي التي سعدت بالخلافة الإسلامية حينًا من الدهر ثم الخلافة الإسلامية.

أهم الثوابت: وتتضح هنا أربعة من أهم ثوابت الجماعة، وهي: الربانية والتدرج والتربية والشمولية. فنجد الربانية واضحة جلية في قوله: «وإلى الهدف الذي وضعه الله لنا لا الذي وضعناه لأنفسنا، وسنصل بإذن الله وبمعونته، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون». فالإخوان يسيرون وفق منهج الله، والوصول لهذا الهدف وتلك الغاية سيكون بإذن الله ومعونته وفضله، ولا عون ولا ملجأ إلا الله سبحانه، فهو المعين وعليه التكلان، فالله سبحانه هو الهدف والغاية، هو الملاذ والملجأ.

كما نجد في هذا الطرح تدرجًا في الوسائل للوصول للهدف الأسمى «أستاذية العالم» ثم اعتماد التربية كوسيلة أساسية لتحقيق هذه الوسائل وشمولية هذه الوسائل لتبدأ من الفرد حتى تعم العالم كله.

فتجده يقرر حقيقة وموقع التربية في فكره حين يقول: «سنربي أنفسنا ليكون منا الرجل المسلم، وسنربي بيوتنا ليكون منها البيت المسلم، وسنربي شعبنا ليكون منه الشعب المسلم، وسنكون من بين هذا الشعب المسلم، وسنسير بخطوات ثابتة إلى تمام الشوط».

فكرة شاملة

ثم يقرر بوضوح شمولية فكره ودعوته «فليكن ذلك من صميم السياسة الداخلية والخارجية، فإنما نستمد ذلك من الإسلام، ونجد أن هذا التفريق بين الدين والسياسة ليس من تعاليم الإسلام الحنيف»، كما يتضح أيضًا في قوله: «ولكنهم آمنوا به عقيدة وعبادة، ووطنًا وجنسية، وخلقًا ومادة، وثقافة وقانونًا، وسماحة وقوة، واعتقدوه نظامًا كاملًا يفرض نفسه على كل مظاهر الحياة وينظم أمر الدنيا كما ينظم الآخرة، اعتقدوه نظامًا عمليًّا وروحيًّا معًا، فهو عندهم دين ودولة، ومصحف وسیف».

لا الضعف والوهن

ثم يشعل حماس وعزيمة الشباب بقوله: «ليقل القاصرون الجبناء إن هذا خيال عريق ووهم استولى على نفوس هؤلاء الناس، وذلك هو الضعف الذي لا نعرفه ولا يعرفه الإسلام. ذلك هو الوهن الذي قذف في قلوب هذه الأمة فمكن لأعدائها فيها، وذلك هو خراب القلب من الإيمان وهو علة سقوط المسلمين». وهنا تأصيل رائع لمبادئ وأهداف الإخوان، وأنها ليست بدعًا ولا محدثًا من الأمور، ولكنها حقيقة الإسلام الناصعة وما عداها هو نتاج خراب القلوب وضعف الإيمان.

ولعل في قوله: «قد أعددنا لذلك إيمانًا لا يتزعزع، وعملًا لا يتوقف، وثقة بالله لا تضعف، وأرواحًا أسعد أيامها يوم تلقى الله شهيدة في سبيله». أروع إجمال لفكره ومنهجه حين يربط بين الإيمان والعمل والثقة والتضحية بأعز ما يملك الإنسان وهي روحه حتى ينال الشهادة، وهنا تتضح الغاية والوسيلة والهدف بوضوح جلي لا يقبل أدنى شك أو تأويل.

شبهات وردود

ويرد الإمام بعد ذلك على عدة شبهات توجه للدعوة، وتتجدد هذه الشبهات بين الفترة والأخرى، فيتحدث عن الوطنية، واعتقاد البعض أن الإخوان يتبرمون من الوطنية، ويرجع الأمر لمصدره حين يقول: «فالمسلمون أشد الناس إخلاصًا لأوطانهم وتفانيًا في خدمة هذه الأوطان واحترامًا لكل من يعمل لها مخلصًا». فالقضية ليست قضية الإخوان كجماعة من المسلمين وحسب، وإنما هي مسألة إسلامية عقائدية في المقام الأول، والباعث والدافع فيها هو العقيدة وتصحبها النية «ولكن الفارق بين المسلمين وبين غيرهم من دعاة الوطنية المجردة أن أساس وطنية المسلمين العقيدة الإسلامية»؛ فالإسلام يدعو لحب الأوطان وللدفاع عنها وللعمل على نهضتها ورفعتها والحفاظ على مقدساتها والتضحية من أجلها، ولكن كل هذا لله وحده لا لمنفعة مادية أو لمغنم زائل.

وفي قول الإمام: «وحسبك من وطنية الإخوان المسلمين أنهم يعتقدون عقيدة جازمة لازمة أن التفريط في أي شبر أرض يقطنه مسلم جريمة لا تغتفر حتى يعيدوه أو يهلكوا دون إعادته، ولا نجاة لهم من الله إلا بهذا. توضيح لمدى استعداد الإخوان للتضحية من أجل أوطانهم بكل شيء، ولكن هذا لسبب عقدي ولإيمان راسخ في النفوس، وهذا ما حدث بالفعل في حرب القناة في مصر لمقاومة الاحتلال الإنجليزي وما حدث في حرب فلسطين عام ١٩٤٨م وما يحدث الآن في فلسطين وغيرها من المواقف التي لم يتأخر فيها الإخوان عن نصرة أوطانهم والتضحية في سبيلها غال.

الإخوان وقضية التقدم

ويوضح الإمام بعد ذلك موقف الجماعة من قضية التقدم وأن الجماعة مع هذا التقدم وتتبناه بكل قوة ولا تفرط فيه، ولقد أثرى الإخوان الأمة بمجموعة متميزة من العلماء والمبدعين في مختلف المجالات، مما يؤكد اهتمامهم بالتقدم وحرصهم عليه وعدم تفريطهم فيه أو تنازلهم عنه، لأنهم يؤمنون أن هذا مخالف لتعاليم صحيح الإسلام «ويخطئ من يظن أن الإخوان المسلمين دعاة كسل أو إهمال، فالإخوان يعلنون في كل أوقاتهم أو المسلم لا بد أن يكون إمامًا في كل شيء، ولا يرضون بغير القيادة والعمل والجهاد والسبق في كل شيء، في العالم وفي القوة وفي الصحة وفي المال، والتأخر في أية ناحية من النواحي ضار بفكرتنا مخالف لتعاليم ديننا».

ولكن الإمام يضع بعض الضوابط لجعل هذا التقدم خالصًا لوجه الله، كما ينكر جعل هذا التقدم غاية في ذاته لهدف مادي أو لإذكاء روح الأنانية وحسب، «ونحن مع هذا ننكر على الناس هذه المادية الجارفة التي تجعلهم يريدون أن يعيشوا لأنفسهم فقط وأن ينصرفوا بمواهبهم وأوقاتهم وجهودهم إلى الأنانية الشخصية».

الإخوان والعنصرية

وعرض الإمام بعد ذلك للإخوان، وأوضح أن منهج الإخوان في هذا قائم على احترام الرابطة الإنسانية العامة والبر والإحسان بين المواطنين، وإن اختلفت عقائدهم وأديانهم. وإنصاف الذميين وحسن معاملتهم. وهذه المبادئ العامة هي في الواقع تعاليم الإسلام الحنيف ومبادئه التي أرسى لها المصطفى ﷺ.

وأنهى الإمام حديثه للشباب بالحديث عن علاقة الإخوان بالهيئات المختلفة، وأوضح أسس التعامل مع هذه الهيئات وهي المبادئ الإسلامية، فالغاية لا تبرر الوسيلة، وأوضح أهمية البذل مما رزقهم الله، فهم لا يمدون أيديهم لأحد ولا يرجون من أحد جزاء ولا شكورًا، ثم العزة بعد ذلك بأنهم لم ينحنوا لغير الله.

«فالإخوان المسلمون يعملون لغايتهم على هدى من ربهم، وهي الإسلام وأبناؤه في كل زمان ومكان، وينفقون مما رزقهم الله ابتغاء مرضاته، ويفخرون بأنهم إلى الآن لم يمدوا يدهم إلى أحد ولم يستعينوا بفرد ولا هيئة ولا جماعة».

ثم يختم بعرض لكامل الفكرة والوسائل لتحقيقها وهي إيمان واتباع وعمل وتجرد وبذل وتضحية وصدق وإفراغ للوسع في العمل الجاد. فإذا تحقق هذا فسيتم تحقيق النصر الذي تحقق من قبل وليس هذا على الله بعزيز: «على هذه القواعد الثابتة وإلى هذه التعاليم السامية ندعوكم جميعًا، فإن آمنتم بفكرتنا، واتبعتم خطواتنا، وسلكتم معنا سبيل الإسلام الحنيف وتجردتم من كل فكرة سوى ذلك، ووقفتم لعقيدتكم كل جهودكم، فهو الخير لكم في الدنيا والآخرة، وسيحقق الله ربكم إن شاء الله ما حقق بأسلافكم في العصر الأول، وسيجد كل عامل صادق منكم في ميدان الإسلام ما يرضي همته ويستغرق نشاطه إذا كان من الصادقين.

وإن أبيتم إلا التذبذب والاضطراب، والتردد بين الدعوات الحائرة والمناهج الفاشلة، فإن كتيبة الله ستسير غير عابئة بقلة ولا بكثرة: ﴿وما النّصْرُ إِلاَّ مِن عِنْدِ الله العَزِيزِ الحَكِيم﴾ (آل عمران: 126)

الرابط المختصر :