; الرباط الوثيق بين آداب العرب وتاريخهم وبيئتهم | مجلة المجتمع

العنوان الرباط الوثيق بين آداب العرب وتاريخهم وبيئتهم

الكاتب عبد الرحمن جميعان

تاريخ النشر

مشاهدات 91

نشر في

نشر في الصفحة 57

ترتبط آداب العرب بالتاريخ وبالبيئة والدين، فلا انفكاك ولا مناص لدارس الآداب من هذا الرباط المحكم، فجميعها مقرونة بقرنٍ واحد لا تكاد تُفصم.

 ومدارسة هذا الخليط معوانٌ لفهم الأدب وتاريخه، ثم فهم هؤلاء الناس الذين أقاموا هذا العلم وقاموا به، فمن رام دراسة جزء من الأدب فقد أبعد المذهب، إذا لم يُدرك هذه الحقيقة، وكان كمن جز سمط اللآلئ فتناثرت حباته على الأرض وفرط العقد، فعندئذ تتفكك العلائق، وتنفصِمُ العُرى، فيصعب الولوج إلى آدابنا لمدارسَتها ثم يكون اقتراف الخطأ، ويتراكم هذا الخطأ إلى أن يأتي اليوم الذي تتفكك فيه الآداب وتفترق عن التاريخ، وتبتعد عن الدين فلا يعبِّر الأدب عن حالة الأمة، ولا يدل إلا على تاريخ ممزق لا يدري متي ابتدأ وإلى أين يصل ولا أي طريق سَلَك.

فمدارسة الآداب، وعلى وجه الخصوص، آداب أمتنا العربية والإسلامية لا يكون، ولا يأتي ثماره إلا بذلك الربط المُحكم بين أجزائه.

وحتى لا نذهب بعيدًا نضرب لذلك مثالًا:

 لو أراد كاتب مثلًا أن يكتب عن شاعر من شعراء الجاهلية، فماذا عليه أن يفعل؟ 

لو أخذ الشاعر وانتزعه من تاريخ أمته، وأخذ بعض فقرات من شعره، وبعض أقاويل يختطفها خطفًا من هنا وهناك، لاضطرب في فهم أسلوب ومغزى ومعنى شعره!! فهل هذا طريق لدراسة آدابنا؟ لا شك أن هذا الطريق قد درج عليه كثير من محققي التراث اليوم ومن كتبة المقالات، ولكنه ليس الطريق السوي لدراسة آثار هذه الأمة.

إن الطريق السليم الذي قد يفتح مغاليق في التاريخ وفي الحركة وفي فهم الشعر هو:

  1. دراسة البيئة العربية وقراءتها قراءة درس وفهم ووعي.
  2.  دراسة تاريخ الشاعر وتحركاته وهجراته وحروبه وعشقه من مصادر  شتى، ثم ربط الأشباه بنظائرها، ونقد وتحليل النصوص.
  3. عند ذلك تأتي قراءة ديوان الشاعر قراءة متأنية واعية، يقف عند كل كلمة، وكل قصيدة ليفهم الروح التي تحرك القصيدة وليتعرف على الحادي الذي تتراقص الألفاظ أمامه لتتحدد المعاني سليمة صحيحة.

هذه بعض أصول الطريق، وعسى بهذا الطريق نستطيع أن نفهم ما يرنو الشاعر إليه، وما تصبوا إليه كلماته!.

والذي جرني إلى هذا الكلام وألجأني إلى هذا المدخل هو ما قرأته لكاتب اشتهر بإعداد السيناريوهات الإذاعية والتليفزيونية في مقالة بدأها بذكر قصة لبيد في أحد طرقات الكوفة ثم ألقى نتيجتها كأنها قضية مسلم بها وهي أن أشعر الناس ثلاثة: امرؤ القيس وطرفة ولبيد

ولو رجع كاتبنا إلى كتب الطبقات وكتب الأدباء الذين ألفوا في الأدب الجاهلي لما ألقى الكلام على عواهنه:

ففي كتاب الديباج «أبو عبيدة-معمر بن المثنى التيمي» يقول: اتفقوا «العرب» على أن أشعر الشعراء في الجاهلية امرؤ القيس بن حُجر الكندي والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمى، ثم اختلفوا أيهم أشعر ثم أورد الخبر الذي ذكره الكاتب.

وعلَّق أبو عبيدة قائلًا محتجًا على كلام لبيد -رضي الله عنه- فقال من يحتجُّ عليهم: إنما قول «لبيد» اختيار لنفسه كما يختار الرجل الفارس والشاعر وليس كالمجتمع عليه ثم جعل نفسه ثالثًا.

ثم قال في ص7: قال أبو عمرو بن العلاء: وخداش بن زهير أشعر في نظم الشعر من لبيد إنما لبيد «صاحب صفات» (۸۷).

ثم يأتي صاحب «فحول الشعراء» ص ٥٤ ويذكر الخبر، ويستل منه تفضيل امرئ القيس وطرفة، ولا يلتفت إلى لبيد -رضى الله عنه- ولا يضعه في طبقة امرئ القيس ولا مع الحطيئة وكعب بل يضعه في الطبقة الثالثة من طبقاته مع الشماخ، ونابغة بني جعدة وأبو ذؤيب الهُذلي وعندما يتكلم عن الشماخ -رضي الله عنه- يقول:

«فأما الشمَّاخ، فكان شديد مُتون الشعر «عباراته وألفاظه وصياغته» أشدُّ أسر كلام من لبيد «بناء وتركيب الكلام» وفيه كزارة «شدة في الألفاظ»،  ولبيد أسهل منه منطقًا» ص ۱۳۲، «شاکر».

وفي الطبقات ص ١٣٦ قولة لا أدري قرأها الكاتب أم لا؟

فلعلها هي التي ظنها في تفضيله «وكان في الجاهلية خير شاعر لقومه: يمدحهم ويرثيهم، ويعد أيامهم ووقائعهم وفرسانهم».

فهذه العبارة لا توحي بتفضيله حتى على شعراء قومه، وإنما هو أفضلهم لقومه، نظرة وفاء وتقدير لقومه فقط وليس وراء ذلك شيء!!.

نعم هناك نص ذكره الدكتور «إحسان عباس» محقق ديوان لبيد «الكويت ١٩٨٤» «نقلًا عن الأغاني ١٤/٩٧»: في ص ۲۱ لأن النابغة عندما أنشده لبيد بعض القصائد، ثم أنشده معلقة «عفت الديار» قال النابغة «اذهب فأنت أشعر العرب».

وهذه الرواية عن حمَّاد الراوية، ويقول ابن سلام عن حماد «هذا ولقد كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها، حمَّاد الراوية، وكان غير موثوق به وكان ينحل شعرًا لرجل غيره وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار » ص ٤٨.

والنص يحتاج إلى نظر.. وإن اعتبرها محقق الديوان وهو مَن هو!!

ومن أراد فليرجع إلى ديوان لبيد ففيه مقدمة رائعة حول لبيد وشعره وعصره.

الرابط المختصر :