; حسابات سياسة صهيونية خاطئة | مجلة المجتمع

العنوان حسابات سياسة صهيونية خاطئة

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002

مشاهدات 52

نشر في العدد 1503

نشر في الصفحة 38

السبت 01-يونيو-2002

ما حدث في فلسطين المحتلة من سياسة إبادة جماعية على غرار السياسة الصربية في البلقان يدعو إلى طرح تساؤلات جوهرية بشأن البنية الذهنية السياسية الرسمية، والشعبية في الكيان المحتل، فالحديث عن كون الكيان المحتل أكثر دول المنطقة ديمقراطية يدعو إلى التساؤل حول هذا الصنف من الديمقراطية الذي يوصل إلى السلطة حكامًا متعطشين للدماء، متشربين للعدوانية، ويدعو بالتالي إلى وضع نقطة استفهام كبرى حول مدى النضج السياسي لدى جمهور الناخبين فيه.

فالمجتمع الصهيوني تتقاسمه نزعتان متصارعتان في النهج والأسلوب لكنهما متفقتان في الهدف المتمثل في تحقيق الأمن على كل المستويات، لغاية قصوى تتمثل في الحفاظ على الكيان وعلى الهوية اليهودية له.

وقد اختارت أغلبية هذا الجمهور شارون لرئاسة الحكومة، والحال أن الخاص والعام يعرف التاريخ الإجرامي لهذا الرجل، وللتذكير فإنه قاد الوحدة ۱۰۱ التي كوَّنها موشي ديان عام ١٩٥٣م، والتي قامت بأعمال تقتيل جماعي وإرهاب ضد فلسطينيين عزل، وهو الذي قاد ليلًا مجزرة خان يونس ويني سهيلة بمنطقة غزة يوم ۳۱ اغسطس ١٩٥٥م، كما أغار ليلًا على سوريين في بحيرة طبرية يوم ١١ ديسمبر ١٩٥٥م، وعلى قلقيلية يوم ١١ أكتوبر ١٩٥٦م، وفتك بالجنود المصريين في الحملة على قناة السويس في العام نفسه، وكذلك في حرب ١٩٦٧م، حيث قام بقتل نات الجنود عملًا بتعليمات ديان بألا يحتفظ بأسری حرب، وتبقى مجزرة صبرًا وشاتيلا شاهدة على وحشية شارون وتاريخه الدموي، حيث قامت المليشيات المارونية -بدعم من الجيش الصهيوني الذي يقوده شارون أثناء احتلاله للبنان عام ١٩٨٢م- بإبادة مئات -بل الآلاف حسب بعض الروايات- من المدنيين الفلسطينيين، وها هو نفس السيناريو يتكرر في الضفة الغربية منذ ٢٩ مارس الماضي، والذي بدأت مؤشراته منذ تولي شارون رئاسة الحكومة، إن اختيار شخص يحمل هذه العدوانية في أعلى مسؤولية، ومساندته بنسبة ٧٢% في عملية الإبادة العرقية والدينية ضد الشعب الفلسطيني، لا يمكن تفسيرهما بالذكاء السياسي لأن الداعي الأساس لهذا الاختيار ذو أبعاد أمنية، ومنطق الأشياء يقول إن سياسة التدمير والإبادة  تحت غطاء أمني تقود إلى الانتحار السياسي، وإن الشيء إذا بلغ الحد انقلب إلى الضد.

فكل الحسابات السياسية والعسكرية التكتيكية والاستراتيجية الصهيونية قد وضعت في المیزان، سواء ما كان منها يصب في اتجاه التطبيع أو رافضًا له، وأسطورة الجيش الذي لا يقهر قد سقطت في جنين ونابلس... والسند الغربي الكلي اهتز، وشاهد العالم كيف وقف رجال ونساء غربيون أهالتهم الجريمة الإنسانية في فلسطين صامدين أمام الدبابات الصهيونية، وكلهم إرادة لتقديم المساعدة للشعب الفلسطيني الممتحن.

إحراج كبير للديمقراطيات الغربية 

المسألة الثانية تتعلق بتصنيف السياسة الصهيونية في إطار المنظومة الديمقراطية الغربية، ففي ذلك إحراج كبير للديمقراطيات الغربية التي تتعامل مع الاحتلال كحليف وجزء من منظومتها الفكرية والحضارية في منطقة الشرق الأوسط وراعي لمصالحهما المشتركة، مصدر الإحراج يعود إلى أن الديمقراطية على الطريقة العبرية تصب في الاستبداد، إذ إن السياسة الشارونية تذكر بالأنظمة الديكتاتورية التي لا تلقي بالًا لما حولها، وقد أعطى شارون أعلى نموذج في العناد وضرب القوانين والأعراف الدولية عرض الحائط، وتحدي حلفائه، وإملاء شروطه عليهم.

وقد طرحت هذه السياسة إشكالات عن مدى صلاحية النظام الديمقراطي على الطريقة الغربية، وأحدثت شروخًا وثغرات في هذا النظام الذي يمثل مصدر اعتزاز في الغرب، وأعادت السؤال حول مدى تقدم الإنسانية ونجاحها في محاصرة النزعة الفردية الأحادية والعنصرية العرقية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث كان هم أصحاب القرار في ذلك الوقت منع تكرار الهتلرية النازية، وأقيمت في نورمبرج بألمانيا محاكمات للنازيين، كما تم إنشاء مؤسسة دولية «منظمة الأمم المتحدة» يشدد ميثاقها على احترام حقوق الإنسان، من أهم فروعها «منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم» «اليونسكو» التي ينص ميثاقها على أن لحرب تنشأ في العقول، وداخل هذه العقول يجب محاربة الحرب»، وهي صاحبة قرارات مشهور تعالج القضية الفلسطينية ضرب بها الاحتلال عرض الحائط.

وقد تجلى الحرج في الاضطراب بين المصلحة والمبدأ على مستوى مواقف الدول الغربية إن المجزرة الوحشية في فلسطين المحتلة، وكانت المظاهرات الحاشدة التي شارك فيها عدد من أبناء الجاليات العربية المسلمة ومن غير العرب والمسلمين في البلاد الغربية مساندة للشعور الفلسطيني والتعبير عن الغضب الشديد، إن الصمت الدولي على سياسة التقتيل العبرية، أكبر تحد للإرادة السياسية الغربية، خاصة في بلد مثل فرنسا، حيث تزامنت الأحداث الدموية في فلسطين حملة الانتخابات الرئاسية، وباعتبار أن هذا البلد يحتضن في الوقت نفسه أكبر جالية مسلمين «أكثر من خمسة ملايين» وأنشط جالية يهودي مع حوالي ٦٠٠ الف مقارنة بالوضع الأوروبي.

كانت مواقف السياسيين المرشحين للانتخابات مترددة بين كسب أصوات العرب والمسلمين التي تقدر بحوالي مليون ونصف مليون صوت، وعدم إغضاب اللوبي اليهودي وحوالي ٤٠٠ ألف ناخب ينتمون للجالية اليهودية، ويرى المراقبون أن مواقف جوسبان رئيس الوزارة الاشتراكي المستقيل التي اتهم فيها المقاومة الفلسطينية بالإرهاب كانت باهظة الثمن، حين تسببت في خسارته أصوات العديد من المواطنين من أصول عربية.

 ازدواجية المعايير

الحرج يزيد حدة عندما يتعلق الأمر بازدواجية المعايير في تطبيق النمط الغربي السائدة للديمقراطية في بعض بلاد ما يسمى بالجنوب، أي خارج دائرة بلدان الشمال الغربية، وقد أثبت عديد من التجارب إقصاء الأطراف غير المرغوب فيها رغم احترامها لقانون العمل السياسي، كما حصل في بعض البلاد الإسلامية مثل تركيا ضد حزب الرفاه وزعيمه نجم الدين أربكان، والأمثلة عديدة.

كما يزيد الحرج في ظل سيادة قانون الغاب في العالم، وفي ظل التحالف الصهيوني الأمريكي المهيمن على صناعة القرار الدولي، في الوقت الذي يتبجح فيه اليسار العربي بعلاقته الحميمة مع ما يسمون ب«أنصار السلام» من الإسرائيليين، بحجة أنهم دعاة لتطبيع العلاقات من دول الجوار ولا يعارضون قيام كيان فلسطيني وفي الوقت الذي لا يزال بعض العرب والمسلمين مقتنعين بصواب التطبيع مع الكيان المحتل مبررين موقفهم بأن المشكل في حكومة الليكود اليمينية، وأن الأمل معقود على السلام بعودة حزب العمل إلى السلطة، متناسين أن حزب العمل مشارك في الحكومة الحالية وأن رئيسه هو وزير الحرب الصهيوني الحالي.

(*) مدير المركز الفرنسي الأوروبي للبحوث والإعلام والتأهيل

الرابط المختصر :