; كيف تحول الحرام المجمع عليه بين المجامع الفقهية إلى حلال؟! | مجلة المجتمع

العنوان كيف تحول الحرام المجمع عليه بين المجامع الفقهية إلى حلال؟!

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002

مشاهدات 52

نشر في العدد 1532

نشر في الصفحة 42

السبت 28-ديسمبر-2002

أجاز مجمع البحوث الإسلامية في مصر برئاسة الشيخ محمد سيد طنطاوي فوائد البنوك الربوية، مخالفًا بذلك قرارات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية عام ١٩٦٥ الذي حضره ممثلو خمس وثلاثين دولة إسلامية، وفتوى جبهة علماء الأزهر، وقرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي الذي حضره ممثلو جميع الدول الإسلامية مع أكثر من سبعين خبيرًا في الفقه والاقتصاد في ديسمبر ۱۹۸۵، وقرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وقرار هيئة كبار العلماء في السعودية، وقرارات المجمع الفقهي في السودان و الهند والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وغيرها، وقرارات عدد من مؤتمرات الاقتصاد الإسلامي التي ضمت عددًا كبيرًا من الفقهاء والاقتصاديين على مستوى العالم الإسلامي.

ولا أريد الخوض في الرد على القرار الأخير بكلام أو فتوى من عندي، وإنما أود الرد عليه من خلال اتفاق جميع المجامع الفقهية المعتبرة في العالم على حرمة الفوائد البنكية، وأضع هذه القرارات والفتاوى الجماعية العالمية التي صدرت في أجواء حرة لم تهيمن عليها جهة لها مصلحة في إصدارها.

حيثيات القرار الجديد لمجمع البحوث الإسلامية

لم يكتف الاستعمار الحديث بالاحتلال المادي فقط وإنما قام «من خلال جهود المستشرقين والمنصرين والمتغربين» بغزو ثقافي فكري، وبغزو اقتصادي، وبغزو قانوني تشريعي، لذلك كان توجه الاستعمار -أينما حل- نحو تغيير الشريعة وأن تستبدل بها القوانين الوضعية، ولذلك لم يأل جهدًا في إنشاء البنوك في العالم الإسلامي على نفس المنهج الرأسمالي اليهودي، فأنشئت البنوك وأطلقت شعارات تقضي بأنه لا اقتصاد بدون بنوك، ولا بنوك بدون فوائد ربوية.

وقد ظهرت فتاوى فردية حول هذا الموضوع إلى حين صدور قرار حاسم بحرمة الفوائد الربوية البنكية من خلال المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة في شهر محرم ١٣٨٥هـ الموافق مايو ١٩٦٥م، وقد ضم المؤتمر آنذاك ممثلين ومندوبين عن خمس وثلاثين دولة، فكان اجتماعه نهاية المرحلة، وبداية المرحلة جديدة على طريق أداء الرسالة التي يقوم بها المجمع، وهي رسالة نشر المبادئ والثقافة الإسلامية. والتعريف بها في كل مجتمع وبيئة، ومع تجلياتها في صورتها الأصلية الصحيحة، والعمل على إيجاد الحلول للمشكلات التي تجد وتظهر في حياة المسلمين على أساس من مبادئ الإسلام ومثله، وفي ضوء ما جاء به الكتاب والسنة.

بهذه الروح التقى علماء الإسلام من مختلف البلاد الإسلامية وإخوانهم من أعضاء المجمع في المؤتمر الثاني، فألقيت البحوث ودارت المناقشات وبحث المثير من المسائل التي تمس حياة المسلمين في شؤونهم وفي أقطارهم المختلفة.

 إذا لم تكن فوائد البنوك التقليدية ربًا فلا ربا في الإسلام اليوم!

 لماذا لم يدع مجمع البحوث لمؤتمر فقهي اقتصادي لمناقشة الموضوع بنفس مستوى المؤتمر الثاني عام ١٩٦٥؟!

هذا بيان المؤتمر الذي صدر به قراراته وتوصياته ونقتصر في هذا المجال على نشر ما قرره المؤتمر بالإجماع بشأن المعاملات المصرفية:

1. الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.

2. كثير الربا وقليله حرام، كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران: آية: 130).

3. الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ولا يرفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.

4. أعمال البنوك من الحسابات الجارية وصرف الشيكات وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية التي يقوم عليها العمل بين التجار والبنوك في الداخل. كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا.

5. الحسابات ذات الأجل، وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة.

هذا ما انتهى إليه «مجمع البحوث الإسلامية» في مؤتمره الثاني من قرارات وتوصيات بشأن المعاملات المصرفية. المؤتمر الذي ضم أعضاء مجمع البحوث وأعضاء الوفود الذين اشتركوا في هذا المؤتمر.

وبعد هذا القرار الحاسم بدأت بعض الدول الإسلامية والمستثمرون الملتزمون بالتفكير بالبديل الإسلامي المتمثل في إنشاء البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، فكانت بداية التطبيق في مصر، من خلال بنك إسلامي في «ميت غمر»، ثم كان إنشاء بنك دبي الإسلامي عام ١٩٧٥، وبنك التنمية الإسلامية، وبيت التمويل الكويتي، ومجموعة بنوك فيصل الإسلامي، والبركة، ومصرف قطر الإسلامي وبنك قطر الدولي الإسلامي، وغيرها حتى وصل عدد البنوك الإسلامية إلى أكثر من مائتي بنك. إضافة إلى أن معظم البنوك التقليدية فتحت فروعًا إسلامية، بل إن بعض البنوك الغربية الكبيرة أنشأت بنوكًا إسلامية مثل سيتي بنك إسلامي.

 وتدل كل المؤشرات على نجاح هذه البنوك بما تنعكس آثار نجاحها على نجاح النظام الاقتصادي الإسلامي الذي أهمل -مع الأسف الشديد- على الرغم من أن كثيرًا من المنصفين يقولون إنه الحل الوحيد للأزمات الاقتصادية التي يمر بها العالم.

 ولم يثر هذا الموضوع إلا بعد مدة من وصول فضيلة الدكتور طنطاوي إلى دار الإفتاء المصرية، حتى أنه أصدر فتوى وهو في دار الإفتاء بحرمة الفوائد البنكية هذا نصها: «فتوى فضيلة مفتي الجمهورية بشأن تحريم فوائد البنوك بتاريخ ۲۰/۲/۱۹۸۹».

«سؤال وارد إلى دار الإفتاء من المواطن يوسف فهمي حسين، وقيد برقم ٥١٥ / لسنة ١٩٨٩ يقول فيه: إنه قد أحيل إلى المعاش، وصرفت له الشركة التي كان يعمل بها مبلغ أربعين ألف جنيه، والمعاش الذي يتقاضاه لا يفي بحاجته الأسرية، ولأجل أن يغطي حاجيات الأسرة وضع المبلغ المذكور في بنك مصر في صور شهادات استثمار بعائد شهري حيث لم يعد هناك أمان لوضع الأموال في شركات توظيف الأموال.

وعندما فكر في وضعها في أي مشروع لم يجد وخاصة أن حالته الصحية لا تسمح بالقيام بأي جهد وقد قرأ تحقيقًا بجريدة أخبار اليوم، شارك فيه بعض المشايخ والعلماء الأفاضل بأن الودائع التي تودع في البنوك تخدم في مشاريع صناعية وتجارية، وأن هذه الشهادات الاستثمارية تدر عائدًا حلالًا لا ربا.

وأنه رأى بعينه أن أحد البنوك الإسلامية يتعامل مع زوج ابنته نفس المعاملة التي تتعامل بها البنوك الأخرى، في حين أن البنوك الإسلامية تعطي أرباحًا أقل.

وحيث إنه حريص على أن لا يدخل بيته حرامًا بعث إلى دار الإفتاء يستفسر عن رأي الدين في هذا الأمر، حيث إن بعض العلماء يقولون بأن العائد حلال والبعض الآخر يقولون إنه ربا.

ماذا كان جواب الدكتور طنطاوي المفتي؟

الجواب بعد المقدمة: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ (سورة البقرة: آية: 278:279).

ويقول الرسول ﷺ فيما روي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الأخذ والمعطي فيه سواء» «رواه أحمد والبخاري ومسلم».

وأجمع المسلمون على تحريم الربا، والربا في اصطلاح فقهاء المسلمين هو زيادة مال في معاوضة مال بمال دون مقابل.

وتحريم الربا بهذا المعنى أمر مجمع عليه في كل الشرائع السماوية، لما كان ذلك، وكان إيداع الأموال في البنوك أو إقراضها أو الاقتراض بأي صورة من الصور مقابل فائدة محددة مقدمًا زمنًا ومقدرًا يعتبر قرضًا بفائدة وكل قرض بفائدة محددة مقدمًا حرام، كانت تلك الفوائد التي تعود على السائل داخلة في نطاق ربا الزيادة المحرم شرعًا بمقتضى النصوص الشرعية.

وننصح كل مسلم بأن يتحرى الطريق الحلال لاستثمار ماله، والبعد عن كل ما فيه شبهة حرام لأنه مسؤول يوم القيامة عن ماله من اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟.

 مفتي جمهورية مصر العربية.

توقيع/ د. محمد طنطاوي

سجل ٤١/١٣٤ في ١٤ رجب ١٤٠٩هـ

الموافق ٢٠/٢/١٩٨٩

بداية التحول

ولم تمض فترة طويلة إلى أن أصدر فضيلة المفتي بيانًا في ۸/۹/۱۹۸۹ قال فيه بالنص: إن دار الإفتاء المصرية تعتقد أن الكلام عن المعاملات في البنوك والمصارف لا يؤخذ جملة واحدة، بأن يقال: إن المعاملات التي تجريها البنوك كلها حرام أو كلها حلال إنما يؤخذ الكلام عنها في صورة كل مسألة على حدة أو على الأقل يؤتى بالمسائل المتشابهة، ثم يصدر بشأنها الحكم الشرعي المناسب لها.

وذلك لأن المعاملات التي تجريها البنوك والمصارف متعددة الجوانب متنوعة الأغراض مختلفة الوسائل والمقاصد.

ومع ذلك فإننا نستطيع أن نقول بصفة مجملة إن هذه المعاملات منها ما أجمع العلماء على أنها جائزة شرعًا، وعلى أن الأرباح التي تأتي عن طريقها حلال.

 ومنها ما اتفق العلماء على أنها غير جائزة شرعًا، وعلى أن الأرباح التي تأتي عن طريقها حرام. ومنها ما اختلف العلماء في شأنها وفي شأن أرباحها، ثم قال: وما قلناه في شأن البنوك الاجتماعية نقوله بشأن ما يوصف بالبنوك المتخصصة، كالبنوك الصناعية أو الزراعية أو العقارية أو ما يشبهها من تلك البنوك التي تقدم لأصحاب المشروعات المتنوعة النافعة، ما هم بحاجة إليه من أموال لتنمية مشروعاتهم ثم تأخذ منهم مقابل ذلك مبالغ مناسبة يقدرها الخبراء على أنها أجور أو مصروفات إدارية.

 أقول: ما تأخذه البنوك من المتعاملين معها بتلك الصورة، جائز شرعًا ولا بأس به، لأنه أيضًا في مقابل خدمات معينة، تقدمه تلك البنوك للمتعاملين معها.

ونرى أن فضيلة المفتي أباح الأجور والمصروفات الإدارية للبنوك المتخصصة وهذا لا كلام فيه، وإنما الكلام حول موضوعين لهذه البنوك المتخصصة هما:

الأول: أن هذه البنوك لا تقوم بالمشاركة أو المساهمة في المشروعات المتنوعة، وإنما تقرض قروضًا بفوائد محددة، حيث تسترجع أموالها مع فوائدها سواء خسر المشروع أم ربح، فلا دخل لها بالربح والخسارة والمشاركة، وتحمل الغرم في مقابل الغنم كما أجمع الفقهاء المسلمون على أن «الغنم بالغرم» استنادًا إلى الحديث الصحيح القاضي بأن «الخرج بالضمان» رواه أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح.

الثاني: أن هذه البنوك لا تكتفي بأخذ مقابل خدمات معينة، وإنما تحدد نسبة من الفوائد تفوق ذلك بكثير، بل هي زيادة على قرض ربوي في مقابل القرض المؤجل، وهو عين ربا الجاهلية «كما سيأتي».

خطوة أخرى

ثم تطور الوضع فأكثر، فأباح فوائد البنوك التقليدية من خلال كتابه المسمى «معاملات البنوك وأحكامها الشرعية» وقد قام بالرد عليه كبار علماء المسلمين وفقهائهم أمثال العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه «فوائد البنوك هي الربا المحرم» والدكتور علي السالوس في مجموعة من كتبه وجمع غفير من علماء الأزهر وغيرهم.

كما قمت بالرد عليه، ومناظرته في برنامج إذاعي لإذاعة قطر يسمى برنامج «قضايا وآراء» اقترح فضيلته عقد مؤتمر خاص بهذا الموضوع، ولكنه مع الأسف الشديد لم يقم بذلك، بل ركز منذ حوالي ۱۹۸۸ على تجميع من يؤيده في هذه الفتاوى في المؤسسات التي تتبع الأزهر ولذلك لم يعرض هذا الموضوع على مجمع البحوث منذ فتواه عام ۱۹۸۹ إلى أن اطمـأن إلى تأييد الغالبية فعرضه في ۲۱/۱۰/۲۰۰۲ برئاسته، إذ كانت جلسة المجمع التي أجازت فوائد البنوك الربوية قد ضمنت كلًا من:

1. الدكتور محمد سيد طنطاوي، أستاذ التفسير، وشيخ الأزهر الحالي.

2. الدكتور محمود حمدي زقزوق أستاذ الفلسفة، خريج ألمانيا، ووزير الأوقاف.

3. الدكتور عمر هاشم أستاذ الحديث بالأزهر ورئيس جامعة الأزهر.

4. الدكتور أحمد الطيب، أستاذ الفلسفة وخريج جامعة السوريون مفتي مصر.

5. والدكتور محمد الراوي، أستاذ التفسير والحديث.

6. والدكتور عبد المعطي بيومي، أستاذ الفلسفة وعميد كلية أصول الدين .

7. المستشار بدر المنياوي.

8. والدكتور عبد الرحمن العدوي.

9. والدكتور طه أبو كريشه.

10. والدكتور محمد إبراهيم الفيومي.

11. والدكتور محمد رجب الفيومي.

12. والدكتور حسن عباس زكي.

13. والدكتور عبد الفتاح الشيخ، أستاذ الفقه والأصول وعميد كلية الشريعة والقانون بالأزهر سابقًا. الذي عارض الفتوى ورفضها.

14. والدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الفقه المقارن، وعميد كلية الشريعة والقانون بالأزهر سابقًا الذي رفض الفتوى جملة وتفصيلًا.

وهم متخصصون في علوم الفلسفة والتفسير والحديث والقانون ونحو ذلك، ولذلك رفض المتخصصون في الفقه والأصول «أ. د. عبد الفتاح الشيخ وا. د. محمد رافت عثمان» هذه الفتوى، ولو جمع رئيس المجمع علماء الاقتصاد وفقهاء الشريعة لما انتابني أدنى شك بأنهم لن يوافقوا على ذلك.

ولذلك يثور التساؤل حول عدم قيام رئيس المجمع يعقد مؤتمر فقهي اقتصادي على غرار المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية في القاهرة عام ١٩٦٥ حتى يكون متقاربًا من حيث الحجج والقوة للمؤتمر السابق ناهيك عن المجامع الفقهية التي تضم مئات من كبار الفقهاء والاقتصاديين الذين حرموا الفوائد البنكية.

المعارضون لهذه الفتوى داخل الأزهر

لا يمكن حصر عدد المعارضين لهذه الفتوى داخل الأزهر، وداخل مصر، لكثرتهم، إذ سبق أن أعدت جبهة علماء الأزهر بيانًا وقع عليه عشرات بل مئات على رفض الفتوى السابقة بحل الفوائد البنكية حتى في هذه المرة صرح هؤلاء العلماء لمجلة المجتمع في عددها ١٥٢٧ الحادي عشر من رمضان ١٤٢٣هـ الموافق ١٦ نوفمبر ۲۰۰۲ بما يأتي:

 إثارة الموضوع في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة تستحق أن توضع تحتها ألف علامة استفهام

1. يؤكد الدكتور رأفت عثمان أن صدور فتوى على هذا النحو يثير مشكلات كثيرة مع المجامع الفقهية في العالم الإسلامي، حسمت أمر المعاملات الربوية بحرمة الفوائد البنكية باعتبارها الربا المذكور في القرآن.

2. ويوضح الدكتور حامد الجامع أن الفتوى السابقة الصادرة عن المجمع هي المرجع في هذه القضية، ولا داعي الإثارة الأمر مرة أخرى.

3. ويرى الدكتور أحمد طه ريان وكيل كلية الشريعة بالأزهر، أن معاملات البنوك التقليدية هي الربا المحرم شرعًا. والثابت حرمته بإجماع علماء الفقه والشريعة في العالم الإسلامي منذ ظهور هذه البنوك حتى الآن. مستغربًا القول بإجازة تحديد الفائدة مسبقًا تحت أي تسمية.

وقال الدكتور ريان إن أي قرار يصدر عن المجمع لا بد أن يأخذ في الاعتبار ما سبقه من اجتهادات وفتاوى حتى لا يصطدم معها وتحدث البلبلة، كما أنه من الضروري أن يراعي القرارات الصادرة من المجامع.

4. بينما يقول الدكتور عبد الحميد الغزالي، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة القاهرة من المعلوم أنه ثابت شرعًا أي قرض جر نفعًا فهو الربا المحرم شرعًا. والفوائد المصرفية دائنة أو مدينة تعد من ربا الدين أي الزيادة مقابل الأجل وهو ما يسمى بالربا القرآني أو الجلي أو الجاهلي، وهو المحرم بنص الكتاب والسنة والإجماع. بل كان يعد في الجاهلية من الكسب الخبيث.

5. ويؤكد الدكتور حسين شحاته الأستاذ بجامعة الأزهر أن جامعات أمريكا وأوروبا تدرس تجربة المصارف الإسلامية، ونظام عملها، ودليلنا على نجاح البنوك الإسلامية التنامي الكبير لها، كما أن عدد المؤسسات النقدية الإسلامية يزيد على الألف كما أن حجم تعامل العمل المصرفي الإسلامي يصل إلى مئات المليارات من الدولارات يستفيد منه ملايين المتعاملين في كل الأنشطة الاقتصادية زراعية وصناعية وتجارية ومختلف الأنشطة الخدمية.

كما صرح بعض هؤلاء العلماء وغيرهم لشبكة إسلام أون لاين بما يأتي:

أكد الدكتور محمد رأفت عثمان عضو مجمع البحوث الإسلامية أنه رفض الموافقة على فتوى تحليل فوائد البنوك، موضحًا أنها حرام مطلقًا، لأنها وعلى فرض أنها ليست ربا فإنها من المضاربة الفاسدة. وأوضح أن المضاربة الإسلامية معناها أن يكون هناك اتفاق بين رب المال وفرد أو جهة معينة تستثمر هذا المال على أن يكون لهذه الجهة نسبة من الربح، أما تحديد مبلغ معين من المال كما هو متبع في البنوك لأي من الطرفين فهو يؤدي إلى فساد المضاربة كأحد طرق استثمار المال.

وأضاف أنه لو فرض أن وضع المال في البنوك هدفه الاستثمار فإن تحديد الربح مسبقًا يؤدي إلى الغرر المنهي عنه شرعًا، لأن فيه ضياعًا لنصيب أحد الطرفين، مبينًا أن اعتراضه على الفتوى يتأسس على قاعدة مردها أن فوائد البنوك المحدد سلفًا لا تجوز شرعًا ولا تتفق مع تعاليم الدين الإسلامي، كما لا يمكن اعتبارها نوعًا من المضاربة الإسلامية.

ويذكر أن فتوى فوائد البنوك الأخيرة لم يتم عرضها أو مناقشتها داخل لجنة البحوث الفقهية، مع أنها اللجنة المتخصصة والمختصة بمناقشة مثل هذه القضية لتجديد الحكم الشرعي فيها، ثم عرضها على مجلس مجمع البحوث الإسلامية.

أما ردود الفعل على هذه الفتوى في الخارج فكانت كبيرة، حتى قال فضيلة العلامة الشيخ القرضاوي في معرض رده عليها: ما الذي جعل الحرام المتفق عليه بين مجمع البحوث والمجامع الفقهية حلالًا.

فقد نشرت الراية القطرية ما يأتي:

تعجب فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي مما سمع به من أن فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر قد استصدر قرارًا من مجمع البحوث الإسلامية يحل فيه فوائد البنوك المحددة سلفًا والذي وافق عليه أعضاء المجمع ما عدا رئيس اللجنة الفقهية، وقال د. القرضاوي الذي أعلمه أن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر هو أول مجمع يقرر بصراحة ووضوح أن فوائد البنوك هي الربا الحرام، وكان ذلك في عام ١٩٦٥ برئاسة الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر، وعضوية المشايخ الكبار محمد أبو زهرة، وعلي الخفيف وفرج السنهوري ومحمد علي السايس، وعبد الله المشد وغيرهم من العلماء الكبار، وقد أكدت هذا الأمر المجامع الفقهية الإسلامية التي نشأت بعد ذلك مثل المجمع الفقهي الرابطة العالم الإسلامي والمجمع الفقهي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، والذي يمثل الأمة الإسلامية، أيدت هذه المجامع قرار مجمع البحوث الإسلامية وساندته كل المؤتمرات التي عقدت عن الاقتصاد الإسلامي، والبنوك الإسلامية التي عقدت في بلدان العالم الإسلامي المختلفة مثل مؤتمر الفقه الإسلامي في دبي، وفي الرياض والمؤتمر العالمي للفقه الإسلامي في مكة.

 لماذا لم يعرض مجمع البحوث الإسلامية قراره الأخير على لجنة البحوث الفقهية؟؟

 وعن سبب صدور القرار الأخير قال: لا أدري ما وجهة النظر التي جعلت مجمع البحوث الإسلامية يغير رأيه، وما تلك الأدلة التي غيرت القرار القديم، وما الذي جد حتى يصبح المحرم حلالًا، ونحن هنا نذكر نصوص قرارات المجامع والمؤتمرات الاقتصادية حتى يكون القارئ على بينة من الأمر:

قرار مجمع رابطة العالم الإسلامي بشأن موضوع تفشي المصارف الربوية وتعامل الناس معها وحكم أخذ الفوائد الربوية

 فإن مجلس المجمع الفقهي في دورته التاسعة المنعقدة بمبنى رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ۱۲ رجب ١٤٠٦هـ إلى يوم السبت ١٩ رجب ١٤٠٦هـ قد نظر في موضوع «تفشي المصارف الربوية وتعامل الناس معها، وعدم توفر البدائل عنها» وهو الذي أحاله إلى المجلس معالي الأمين العام نائب رئيس المجلس.

وقد استمع المجلس إلى كلام السادة الأعضاء حول هذه القضية الخطيرة التي يقترف فيها محرم بين ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع، وأصبح من المعلوم من الدين بالضرورة، واتفق المسلمون كافة على أنه من كبائر الإثم والموبقات السبع، وقد أذن القرآن الكريم مرتكبيه بحرب من الله ورسوله، قال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: آية: 278:279).

وقد صح عن النبي قوله لعن أكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء. «رواه مسلم» كما روى ابن عباس عنه: «إذا ظهر الزني والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله عز وجل» وروی نحوه ابن مسعود.

وقد أثبتت البحوث الاقتصادية الحديثة أن الربا خطر على اقتصاد العالم وسياسته، وأخلاقياته وسلامته، وأنه وراء كثير من الأزمات التي يعانيها العالم، وألا نجاة من ذلك إلا باستئصال هذا الداء الخبيث الذي هو الربا من جسم العالم، وهو ما سبق به الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا.

 ومن نعم الله تعالى أن المسلمين بدوا يستعيدون ثقتهم بأنفسهم ووعيهم لهويتهم، نتيجة وعيهم لدينهم. فتراجعت الأفكار التي كانت تمثل مرحلة الهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية، ونظامها الرأسمالي والتي وجدت لها يومًا من ضعاف الأنفس من يريد أن يفسر النصوص الثابتة الصريحة قسرًا لتحليل ما حرم الله ورسوله.

وقد رأينا المؤتمرات والندوات الاقتصادية التي عقدت في أكثر من بلد إسلامي، وخارج العالم الإسلامي أيضًا، تقرر بالإجماع حرمة الفوائد الربوية وتثبت للناس إمكان قيام بدائل شرعية عن البنوك والمؤسسات القائمة على الربا.

 ثم كانت الخطوة العملية المباركة، هي إقامة مصارف إسلامية خالية من الربا والمعاملات المحظورة شرعًا، بدأت صغيرة ثم سرعان ما كبرت، ثم سرعان ما تكاثرت حتى بلغ عددها الآن في البلاد الإسلامية وخارجها أكثر من تسعين مصرفًا.

 وبهذا كذبت دعوى العلمانيين وضحايا الغزو الثقافي الذين زعموا يومًا أن تطبيق الشريعة في المجال الاقتصادي مستحيل، لأنه لا اقتصاد بغير بنوك، ولا بنوك بغير فوائد.

وقد وفقه الله بعض البلاد الإسلامية مثل باكستان لتحويل بنوكها الوطنية إلى بنوك إسلامية لا تتعامل بالربا أخذًا ولا عطاء، كما طلبت من البنوك الأجنبية أن تغير نظامها بما يتفق مع اتجاه الدولة وإلا فلا مكان لها، وهي سنة حسنة لها أجرها وأجر من عمل بها إن شاء الله.

ومن هنا يقرر المجلس ما يلي:

أولًا: يجب على المسلمين كافة أن ينتهوا عما نهى الله تعالى عنه من التعامل بالربا أخذًا وعطاءً والمعاونة عليه بأية صورة من الصور حتى لا يحل بهم عذاب الله، وحتى لا يؤذنوا بحرب من الله ورسوله.

 ثانيًا: ينظر المجلس بعين الارتياح والرضا إلى قيام المصارف الإسلامية التي هي البديل الشرعي للمصارف الربوية، ويعنى بالمصارف الإسلامية كل مصرف ينص نظامه الأساسي على وجوب الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء في جميع معاملاته ويلزم إدارته بوجوب وجود رقابة شرعية ملزمة.

ويدعو المجلس المسلمين في كل مكان إلى مساندة هذه المصارف وشد أزرها، وعدم الاستماع إلى الإشاعات المغرضة التي تحاول أن تشوش عليها وتشوه صورتها بغير حق.

ويرى المجلس ضرورة التوسع في إنشاء هذه المصارف في كل أقطار الإسلام، وحيثما وجد المسلمين تجمع خارج أقطاره، حتى تتكون من هذه المصارف شبكة قوية تهيئ الاقتصاد إسلامي متكامل.

ثالثًا: يحرم على كل مسلم يتيسر له التعامل مع مصرف إسلامي أن يتعامل مع المصارف الربوية في الداخل أو الخارج، إذ لا عذر له في التعامل معها بعد وجود البديل الإسلامي، ويجب عليه أن يستعيض عن الخبيث بالطيب ويستغني بالحلال عن الحرام.

 رابعًا: يدعو المجلس المسؤولين في البلاد الإسلامية والقائمين على المصارف الربوية فيها إلى المبادرة الجادة لتطهيرها من رجس الرياء استجابة لنداء الله تعالى:﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (سورة البقرة: آية: 277) وبذلك يسهمون في تحرير مجتمعاتهم من آثار الاستعمار القانونية والاقتصادية.

خامسًا: كل مال جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعًا، لا يجوز أن ينتفع به المسلم مودع المال لنفسه أو لأحد ممن يعوله في أي شأن من شؤونه، ويجب أن يصرف في المصالح العامة للمسلمين من مدارس ومستشفيات وغيرها، وليس هذا من باب الصدقة وإنما هو من باب التطهر من الحرام ولا يجوز بحال ترك هذه الفوائد للبنوك الربوية للتقوي بها، ويزداد الإثم في ذلك بالنسبة للبنوك في الخارج، فإنها في العادة تصرفها إلى المؤسسات التنصيرية واليهودية، وبهذا تغدو أموال المسلمين أسلحة لحرب المسلمين وإضلال أبنائهم عن عقيدتهم، علمًا بأنه لا يجوز أن يستمر في التعامل مع هذه البنوك الربوية بفائدة أو بغير فائدة.

كما يطالب المجلس القائمين على المصارف الإسلامية أن ينتقوا لها العناصر المسلمة الصالحة وأن يوالوها بالتوعية والتفقيه بأحكام الإسلام وآدابه حتى تكون معاملاتهم وتصرفاتهم موافقة لها.

والله ولي التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا والحمد لله رب العاملين.

 قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن حكم التعامل المصرفي بالفوائد وحكم التعامل بالمصارف الإسلامية

 أما بعد: فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة ١٦.١٠ ربيع الثاني ١٤٠٦هـ الموافق ۲۲ - ۲۸ ديسمبر 1985م، بعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر وبعد التأمل فيما قدم ومناقشته مناقشة مركزة أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على النظام الاقتصادي العالمي وعلى استقراره خاصة في دول العالم الثالث. وبعد التأمل فيما جره هذا النظام من خراب نتيجة إعراضه عما جاء في كتاب الله تعالى من تحريم الربا جزئيًا وكليًا تحريمًا واضحًا بدعوته إلى التوبة منه، وعلى الاقتصار على استعادة رؤوس أموال القروض دون زيادة أو نقصان قل أو كثر وما جاء من تهديد بحرب مدمرة من الله ورسوله للمرابين قرر أن:

 أولًا: كل زيادة «أو فائدة» على الدين الذي حل أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة «أو الفائدة» على القرض منذ بداية العقد هاتان الصورتان ربا محرم.

ثانيًا: البديل الذي يضمن السيولة المالية والمساعدة على النشاط الاقتصادي حسب الصورة التي يرتضيها الإسلام -هي التعامل وفقًا للأحكام الشرعية- ولا سيما ما صدر عن هيئات الفتوى المعنية بالنظر في جميع أحوال التعامل التي تمارسها المصارف الإسلامية في الواقع العملي.

ثالثًا: قرر المجمع التأكيد على دعوة الحكومات الإسلامية إلى تشجيع المصارف الإسلامية القائمة والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامي لتغطي حاجة المسلمين كيلا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته.

مبررات القرار الجديد

نشرت شبكة إسلام أون لاين في ١٤ نوفمبر ۲۰۰۲ أن الأعضاء المجيزين للفوائد البنكية ذكروا أن مبرراتهم في هذه الفتوى هي ما يأتي:

ربط النصوص الشرعية القطعية وإجماع الفقهاء في الربا بالحكم والمصالح الموهومة فتح بابًا خطيرًا لبقية النصوص الشرعية الأخرى وفي سياق بيان مبررات الإباحة أكد أعضاء المجمع أنهم أجازوا استثمار الأموال في البنوك مع تحديد العائد مقدمًا على اعتبار أنها نوع من الوكالة وأن الأموال التي تودع في البنوك تدخل في التنمية والصناعات الوطنية، وتمثل جزءً منها في اقتصاد الدولة، وبالتالي لا توجد هناك شبهة ربا أو استغلال طرف الآخر.

وقال الدكتور عبد المعطي بيومي عضو المجمع إن ما أجازه مجمع البحوث الإسلامية وتم إقراره حتى الآن هو استثمار الأموال في البنوك مع تحديد العائد مقدمًا حلال، وبالتالي فإن إجازة التعامل مع البنوك التي تحدد العائد أو الربح مقدمًا تركز على الاستثمار، وعلى تحديد العائد وليس على معنى الفائدة، وهذا لا شيء فيه شرعًا.

وأضاف عبد المعطي إن استثمار البنوك لأموال الأفراد استثمارًا حلالًا نظير تحديد عائد مقدمًا يدخل في باب الوكالة، كما أنه يحمي المال من فساد الذمم التي قد تؤدي إلى ضياع أرباح المال المستثمر، مشيرًا إلى أن تحديد الفائدة يضمن ألا يضيع العائد أو الربح على صاحب المال، وأن الأزهر سيصدر الفتوى الخاصة بالبنوك بصياغتها النهائية بعد أن يتم تمحيصها جيدًا.

وأشار الدكتور محمد إبراهيم الفيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية إلى أن: «جواز تحديد الأرباح مقدمًا للأموال داخل البنوك له وجهة وهي أنه لا ربا بين الدولة ورعاياها، وعليه فإن التعامل مع البنوك المحددة للفائدة جائز على اعتبار أن البنوك الضامن الأول لها هو الدولة، هذا بالإضافة إلى أن المال الذي يوضع في البنوك يدخل في التنمية والصناعات الوطنية، مما يجعل استثمار الأموال في البنوك محققًا لتنمية شاملة للوطن».

وأضاف الفيومي أن قرار مجمع البحوث الإسلامية صحيح شرعًا، حيث إن التعامل مع البنوك المحددة للفائدة مسبقًا لا يوجد فيه تعامل الفرد مع الفرد والدائن والمدين، كما أن معنى استغلال الدائن للمدين ليس واردًا في هذا التعامل، مشيرًا إلى أن معاملات البنك بالأرباح مع الأفراد أصحاب الأموال يجعل البنك وكيلًا في هذه الأموال لاستثمارها والوكالة مشروعة إسلاميًا.

لا جديد أبدًا فيما ذكروه

ذكر هؤلاء الأعضاء أن مبرراتهم في هذه الفتوى هي:

1. أن الفوائد البنكية قائمة على عقد الوكالة بين البنك والعميل، فالبنك وكيل عن العميل.

2. أنه لا ربا بين الدولة رعاياها.

والرد على ذلك فيما يأتي:

 أولًا: أن التكييف القانوني في مصر وفرنسا وغيرهما لعقد الوديعة في البنوك التقليدية هو عقد القرض وهذا أكبر رد على من يقول إن العلاقة بين البنك والعميل علاقة وكالة، وذلك لأن العقد الذي يوقع بين الطرفين إلى يومنا هذا هو عقد قرض بفائدة محددة، فالعميل حينما يودع مبلغًا لدى البنك، فإنه يقرضه قرضًا مضمونًا بفائدة محددة مضمونة، فأين الوكالة في هذا العقد حيث يأخذ العميل المقرض نسبة مئوية من المال المودع لدى البنك، ففي مقابل أي شيء يأخذها؟ وأين دوره في الوكالة؟ وما الذي يقدمه العميل للبنك حتى يأخذ منه أجرًا؟ وأين مصروفاته الإدارية فالعميل قد جاء ووضع مليون ريال وديعة في البنك، ثم في آخر السنة يأخذ رأس ماله و 5% مثلًا زيادة على رأس ماله.

ويبدو أن هؤلاء الإخوة نسوا هذا الجانب، وركزوا على ما يأخذه البنك من فوائد ربوية، حيث إنه في حالة البنك مقترضًا من العميل فلا مجال أصلًا لتكييف هذه النسبة على أساس الأجر في الوكالة في مقابل المصروفات الإدارية.

وكذلك الأمر عندما يقرض البنك العميل ويأخذ نسبة من الفوائد الربوية حيث إن العلاقة هي علاقة عقد القرض في الشريعة والقانون.

 وقد حسم التقنين المدني المصري الخلاف في طبيعة الودائع في البنوك الربوية حيث كيفها على أنها قرض فقد نصت المادة ٧٢٦ على أنه «إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال وكان المودع عنده مأذونًا له في استعماله اعتبر العقد قرضًا».

وقد علق العلامة الدكتور فرج السنهوري على ذلك بقوله: وقد يتخذ القرض صورًا مختلفة أخرى غير الصور المألوفة من ذلك إيداع نقود في مصرف فالعميل الذي أودع النقود هو المقرض، والمصرف هو المقترض. الوسيط للسنهوري ٥٧/٤٣٥

وقد أكد ذلك فقهاء القانون والاقتصاد «يراجع كتاب عمليات البنوك من الوجهة القانونية للدكتور علي جمال الدين عوض /ص ۲۰- ۲۸»

وقد أكد هذا المعنى بالإجماع مع الحكم بتحريم الفوائد البنكية المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي الذي حضره عدد كبير من فقهاء الشريعة. وعلماء الاقتصاد والقانون عام ١٣٩٦هـ.

ولذلك كان من المفروض على هؤلاء الأساتذة أن يرجعوا إلى علماء القانون والاقتصاد لبيان التكييف القانوني والاقتصادي لعقد الوديعة في البنوك الربوية وإن لم يرجعوا إلى المتخصصين في الفقه الإسلامي والاقتصاد الإسلامي.

 ومن جانب آخر، فإن الوكيل غير ضامن بالإجماع في الشريعة «أنظر المغني لابن قدامة: 5/102-103» و «القانون الوسيط 7/468» إلا في حالات التعدي والتقصير، في حين أن البنك ضامن بإجماع القانونيين عن المبلغ الذي اقترضه من العميل مع الفائدة المحددة، وأن العميل أيضًا ضامن عن المبلغ الذي اقترضه من البنك مع الفائدة المحددة مهما كانت الأمور، ومهما خسر العميل.

ثانيًا: ادعى بعضهم أن تحديد العائد مقدمًا يعود إلى الاستثمار وهذا الادعاء يعود إلى عدم المعرفة بطبيعة التعامل في البنوك الربوية، فقد ذكر علماء القانون والاقتصاد أن الوظيفة الرئيسة للبنوك التقليدية هي الاقتراض والإقراض بفائدة، وخلق الائتمان فهي مؤسسة تقوم على التجارة في القروض والديون، وأنها ممنوعة بحكم القوانين من الاستثمار والتجارة بأموال المودعين، وأن نظرة بسيطة على ميزانية أي بنك تقليدي تكشف بوضوح أنه يقوم على الإقراض والاقتراض وخلق الائتمان بصورة أساسية إضافة إلى بعض خدمات لا يذكر حجمها أمام حجم القروض والديون، كما أن عقود هذه البنوك تنص على أن العلاقة هي القرض، فيوجد فيها العقد النمطي الذي يسمى «عقد قرض» ثم ينص فيه على أنه «يحتسب على قيمة القرض فائدة مركبة سعرها كذا سنويًا تقيد على حسابنا شهريًا».

 ونحن نرجو من هؤلاء الأساتذة أن يسألوا البنك المركزي المصري، أو أي بنك مركزي آخر هل يجوز للبنوك الربوية ممارسة التجارة والاستثمار المباشر والبيع والشراء بأموال المودعين؟

 وذلك لأن الجواب يكون بالنفي قطعًا، فلا يسمح لأي بنك ربوي أن يتاجر بأموال المودعين أبدًا، لأنه ضامن لها، فلا بد أن يعطيها للمقترضين بفائدة أكبر من الفائدة التي يعطيها للمقرض.

ثالثًا: أما القول بأن التعامل الربوي هو بين الدولة وأبنائها فلنا عليها الملاحظات التالية:

1. أن معظم البنوك ليست للدولة، بل للمساهمين، أو من القطاع المختلط المشترك بين الطرفين، وبالأخص في عصر الخصخصة أصبحت معظم البنوك مملوكة للمساهمين.

2. هذا الكلام الذي اعتبروه مثل القاعدة ليس له أصل في الشرع ولا بين الفقهاء، وأنه لا يجوز قياس الدولة على الوالد في علاقته المالية بولده على رأي من يقول إن مال الولد للوالد وبالتالي فلا ربا بين أموال الشخص الواحد.

وذلك لأن جمهور الفقهاء على أن الربا يوجد بين الوالد والولد لأن ذمة الولد مستقلة، وبالتالي يحرم الربا بين الوالد والولد.

وأما من قال إنه لا ربا بين الوالد والولد فهذا ينطلق من أن الوالد يملك أموال أولاده، وهذا «مع أنه قول ضعيف» لا يصح أن يكون أصلًا لقياس الدولة عليه من عدة وجوه من أهمها أن الدولة لا تملك أموال الأفراد قطعًا وبالإجماع لدى الفقهاء، وحينئذ أصبح القياس فاسدًا غير مستقيم.

ومن جانب آخر فإن المفروض في الدولة الإسلامية أن تكون القدوة في الالتزام بأوامر الله تعالى، وشرعه قبل الأفراد، وإلا فكيف ترتكب المحرمات وتفعل ما أذن الله فيه بالحرب ثم تقول للناس: اتركوا الربا، فمن أولى واجبات الدولة أن تمنع الربا، كما قال ابن عباس «من كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن لم ينزع، وإلا ضرب عنقه». تفسير الطبري ٦/٢٢٥ والدرر المنثور ١/٣٦٦.

وأخيرًا ننقل رد فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر السابق -الشيخ جاد الحق- على الدكتور طنطاوي حين كان مفتيًا وهذا نصه:

وبعد فإن بعض الصحف نشرت كلمة حول «الفوائد المصرفية» و«الشهادات البنكية»، وانعقدت ندوات هنا وهناك للحديث في هذه الأمور بمعايير متباينة دون دراسة عميقة لواقع تلك المعاملات متناسين أو متجاهلين أن الحكم الشرعي المنتسب إلى أصول الإسلام وقواعده في القرآن والسنة قد أوضحه العلماء في أقطار المسلمين وجرت في شانه فتواهم الجماعية حتى صار في حكم الأمر المعلوم من الدين بالضرورة ويعلو على الأمور المختلف عليها.

 وقد وقع القول الفصل من مؤتمر علماء المسلمين المنعقد في شهر المحرم ١٣٨٥هـ - مايو ١٩٦٥ بهيئة مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف الذي من مهامه بحكم قانون الأزهر «بيان الرأي فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية أو اقتصادية» والذي شارك فيه العديد من رجال القانون والاقتصاد والاجتماع من مختلف قرارات هذا تلف الأقطار حيث كان من المؤتمر إجازة بعض صور التأمين التعاوني ونظام المعاش الحكومي وما شابهه من نظم الضمان الاجتماعي، وفي شأن المعاملات المصرفية كان نص القرار:

1. «الفائدة» على أنواع القروض ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي، وما يسمى بالقرض الإنتاجي لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة بتحريم النوعين.

2. كثير الربا وقليله حرام كما يشير إلى تعالى: يا أيها ذلك الفهم الصحيح في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾(سورة آل عمران: آية: 130).

3. الإقراض بالربا المحرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.

4. أعمال البنوك من الحسابات الجارية وصرف الشيكات وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية التي يقوم عليها العمل بين التجار والبنوك في الداخل، كل هذه المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا.

5. الحسابات ذات الأجل وفتح الاعتماد بفائدة وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة كلها من المعاملات الربوية.

6. أما المعاملات المصرفية المتعلقة بالكمبيالات الخارجية فقد أجل النظر فيها إلى أن يتم بحثها.

أفبعد هذا تدبج المقالات طلبًا للحوار وتعقد الندوات للبحث فيما انتهى فيه الرأي الجماعي لعلماء المسلمين مستندًا إلى القرآن والسنة.

إن هذا الذي تناقلته الصحف من أنباء العقد وآراء إثارة الموضوعات قد حسمت واستبان فيها الحكم الشرعي على هذا الوجه، وكان الأولى بهؤلاء وأولئك أن يكتبوا ويجتمعوا للمداولة في أمور لم تحسم بعد كشهادات الاستثمار التي أصر مصدروها على عدم التعرض للقرارات الوزارية المنظمة لها، والتي هي بمثابة لها، وتوقفوا عن قبول أي تعديل للصيغة لتتوافق مع العقود الشرعية وتخلو من الفائدة الربوية الصريحة، وهم مع هذا الموقف يتنادون إلى إسباغ حكم إسلامي عليها بالحل دون أن يدرسوها كعقد من العقود التي وضع الرسول ﷺ قاعدتها في قوله الشريف الذي رواه الترمذي وجاء فيه. «والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا».

إن الأزهر الشريف يضع أمام الناس جميعًا قرارات مؤتمر علماء المسلمين الجماعية في عام ١٩٦٥/١٣٨٥م فيما يحل وما يحرم في شأن الفوائد على القروض، وبعض أعمال البنوك على الوجه المفصل أنفًا.

 وقد دعا هذا المؤتمر علماء المسلمين ورجال المال والاقتصاد إلى إعداد ودراسة بديل إسلامي للنظام المصرفي الحالي، فهل تداولت هذه الندوات في هذا الشأن، وهل تصدت تلك المقالات لما أرجئ البت فيه لمزيد من الدراسة والبحث؟!

ذلك ما لم يحدث وإنه من الحق أن نلمس الهداية إلى الصواب من الله سبحانه الذي قال في كتابه الكريم في سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة النور: آية: 63)، وفي سورة التوبة الآية ١٢٩ :﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (سورة التوبة: آية: 129)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

شيخ الأزهر

الرابط المختصر :