; الإنسان في قوته وضعفه | مجلة المجتمع

العنوان الإنسان في قوته وضعفه

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1943

نشر في الصفحة 66

السبت 12-مارس-2011

 المنظور الإسلامي للإنسان يتميز بالواقعية، إنه يتعامل معه في حالتي القوة والضعف، ويؤكد وجود الحالتين معًا في الكينونة البشرية، فيدفع الأولى إلى المزيد من التألق ويأخذ بيد الثانية صوب الصحة والعافية. 

منذ لحظات الخلق الأولى أضيفت نفخة الروح العلوية إلى كتلة الطين السفلية فأصبح الإنسان مزيجًا من التوق والشد، الصعود والهبوط، التسامي والارتكاس، اليقظة والغفلة، والتحرر والاعتقال. 

منذ لحظات الخلق الأولى شكل الإنسان في أحسن تقويم، وصدر الأمر للملائكة بالسجود له، تشريفًا وتكريمًا، وحمل في البر والبحر ورزق من الطيبات، وفضل على كثير من الخلق تفضيلًا، وكان ينطوي في الوقت نفسه على العجلة والضعف والاستعداد للخطيئة، والاستجابة لإغواء الشيطان. 

منذ لحظات الخلق الأولى يعلم آدم الأسماء كلها، أي يعطى -بعبارة أخرى- مفاتيح المعرفة التي هي أساس الفعل الحضاري، وهو -مع ذلك- يحمل الاستعداد للقتل وسفك الدم، فيما توجست منه الملائكة خيفة. 

والقرآن الكريم لا يبخل علينا بتسليط أضوائه الكاشفة على خفايا الإنسان، ومكوناته، ومنازعه، وعناصر القوة والضعف فيه، لأنه يتابع -بواقعية- ملامح وبصمات هذا الكائن الفريد الذي هو من خلق الله سبحانه الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. 

المذاهب الوضعية والأديان المحرفة تصعد بالإنسان إلى القمة أو تهوي به إلى الحضيض، وهي في كلتا الحالتين تمارس انحيازًا غير مبرر لهذا الاتجاه أو ذاك، وتتجاوز الرؤية الوسطية والواقعية التي نلتقيها في كتاب الله.

«السوبرمان»، و«الجنتلمان» والكائن الأعلى، والإنسان المحاط بالخطيئة، والإنسان حيوان اجتماعي، وغيرها من التقاليع التي ضلت الطريق، وتعاملت مع هذا الكائن الفريد برؤية أحادية عاجزة عن الإحاطة بجوانب الكينونة البشرية كافة. 

اليهودية ترفع شعبها فوق مستوى البشرية بادعاء مبدأ شعب الله المختار والمسيحية تطوق الإنسان بالخطيئة الأبدية، التي لا يخلصه منها -حسب ادعائها- سوى صلب السيد المسيح عليه السلام دون أن يبذل الإنسان من جهته أي جهد للخلاص، والمذاهب الوضعية تؤله الإنسان حيناً، وتسحقه حينًا آخر، تغيبه في الجماعة حينًا، وتمكنه من رقابها حينًا آخر.

ومنذ اللحظات الأولى أعلن الإسلام في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما ينطوي عليه الإنسان من قدرة على التسامي والصعود، ومن انقياد للإغواء والشهوات، وقال رسول الله ﷺ: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، وأعلن القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا عن أن الإنسان هو أسير الآثام واللمم والأخطاء، وأن باب التوبة مفتوح على مصراعيه لمن يقدر على تجاوز الشد والتهيؤ للصعود.

إن الإسلام -بإيجاز شديد- دعوة للتغلب على العوائق وبذل الجهد المجابهة عوامل الشد مع الاعتراف بثقلها. 

والإنسان في المنظور الإسلامي مشروع مفتوح للتحقق الذاتي عبر رحلة العمر المتطاولة، والدائبة، والطموحة ما بين محطات الإسلام والإيمان والتقوى والإحسان، تلك المحطة القمة التي يملك فيها الإنسان مطلق إرادته في السيطرة على نوازعه وصياغة مصيره تمامًا كما يريد الله ورسوله أن يكون. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل