العنوان قصة لكل العصور
الكاتب محمد واني
تاريخ النشر الجمعة 18-مايو-2012
مشاهدات 97
نشر في العدد 2002
نشر في الصفحة 48
الجمعة 18-مايو-2012
يبدو أن أبناء يعقوب عليه السلام كانوا يدركون أن أباهم يريد أن يجعل أمر العائلة من بعده لأخيهم الصغير يوسف؛ فالحب الكبير الذي يكن له، والحرص المتزايد على حياته، ومراقبة خطواته أينما تتجه تؤكد هواجسهم بما لا يدع مجالًا للشك، وكانوا يراقبون كل ذلك ويضمرونه في أنفسهم ولكنهم كانوا يتداولونه فيما بينهم بكثير من الغضب والأسف كلما خلوا إلى أنفسهم.
وبمرور الزمن كبر الهاجس وأصبح لا بد من تنفيس لهذا الغضب المكبوت في صدورهم لسنين طويلة، هل من المعقول أن يفضل أبوهم هذا الصبي الضعيف الصغير عليهم وهم عصبة كبيرة؟!كانوا يكررون هذا السؤال بكثير من التعجب من دون أن يجدوا جوابًا شافيًا يهدئ سريرتهم التي كادت أن تنفجر من شدة الغيظ.
وما زاد من مخاوفهم وأشعل نار الحقد والغيرة فيهم أن أباهم لم يكن يخفي أبدًا مشاعره الجياشة تجاه يوسف، بل كان يجاهر بها أمامهم ويكررها على مسامعهم بصورة يومية؛ الأمر الذي أثار حفيظتهم إلى أقصى حد واستفز قوتهم التي كانوا يفاخرون بها ﴿ِإنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 8).
التحرك سريعًا
فكان عليهم أن يتحركوا بسرعة لمنع واقع سوف يفرض عليهم عاجلًا أم آجلًا.. وقبل أن يكبر يوسف ويشتد عوده ويخرج الأمر من أيديهم، وكانوا أمام خيارات عدة، إما أن يهجروا القرية إلى الأبد ويتركوا الجمل بما حمل ليوسف ويتخلصوا بالتالي من نار الحسد والغل التي تتقد في داخلهم، وهذا ما لم يكن واردًا أبدًا في فكرهم، فليس من المعقول أن يستسلموا لطفل صغير وهم عصابة كبيرة وذات بأس شديد في مجتمع بدوي يقيس كل شيء بمنطق القوة، القوي هو الذي يجب أن يقود ويحكم وليس الضعيف.
ولكن أباهم كان يفكر بطريقة أخرى مخالفة لمنطقهم الساذج، كان يرى أن يوسف رغم ضعفه وصغر سنه وقلة تجربته في الحياة يمتلك مواهب كثيرة لا توجد فيهم، كانوا يجهلون أن ما كان يعده الله سبحانه ليوسف أكبر مما كان يعده له أبوه، فهو قد خبأ له دورًا أعظم وأكبر في قيادة دولة عظمى - في وقتها - وأمة كبيرة، وهي مصر؛ فالقرية التي يعيش فيها مع إخوته أصغر من أن تستوعب مواهب يوسف وتوجهاته الربانية، ومن أجل أن يحكم دولة بحجم مصر، كان عليه أن يجتاز اختبارات عدة ويخضع لتجارب مريرة: غياهب الجب، الأسر والعبودية، مقاومة الإغراءات الجنسية لفاتنات من البلاط الملكي المتنعمات اللاتي لم يكن لهن مثيل في العالم آنذاك، وخوض تجربة السجن لمدة طويلة.
مواجهة الأب
والخيار الثاني: أن يواجهوا أباهم بحزم وقوة، ويمنعوه من تنفيذ ما يريد، وليكن ما يكون.. ولكن ماذا عن أهل القرية هل نسوا أن أباهم نبي كريم يتمتع باحترام الجميع؟ هل يقبل أهل القرية أن يمس سيدهم بسوء؟ ثم هل انحدروا إلى هذه الدرجة ليقدموا على هذا الأمر الفظيع؟ كلا، فهم ما زالوا يطيعون أمره ويحترمون مكانته.
ولم يبق غير الخيار الثالث الذي استقر عليه رأيهم في النهاية، وهو أن يلقوا يوسف في غيابات الجب إن مات كان بها وهو المطلوب، وإن عاش، وهذا احتمال ضئيل، فلن يجرؤ أن يعود إلى القرية ليعكر عليهم حياتهم ثانية، وبذلك يخلو لهم وجه أبيهم إلى الأبد! وهذا ما فعلوه.
حبكة درامية
ففيما ينقلنا القرآن الكريم من مشهد في القرآن، تتوافر فيها كل مقومات القصة الروائية الناجحة من حبكة درامية متينة إلى آخر، في قصة جميلة أجمل وأروع قصة وجمل موجزة معبرة، واستعمال طريقة فلاش باك الفنية لتساعد الأحداث للوصول إلى نقطة النهاية بصورة تراتبية مبدعة.
تبدأ القصة باستهلال مشوق ومثير يجذبنا من أول سطر ﴿إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ﴾ (يوسف:4)، ويدفعنا الفضول إلى متابعة أحداث القصة بدقائقها لمعرفة السبب في سجود الشمس والكواكب ليوسف، ولماذا أحجم الأب عن إجابة ابنه وتركه وتركنا معه في حيرة من أمرنا وبدلًا عن ذلك يحذره من إخوته! دون الإفصاح عن المزيد لتزداد فيه حيرتنا أكثر إلى أن يميط يوسف اللثام في آخر القصة عن السر الدفين الذي ظل يحمله طوال حياته عندما قال: ﴿ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ﴾ (يوسف: 100).
ففيما نحن على هذه الحالة الحرجة، ترتفع وتيرة الحبكة الدرامية للقصة إلى مراحلها الأخيرة، وتتوالى فيها الأحداث وتتغير المشاهد ويحتدم الصراع ليصل إلى ذروته، وفجأة تتفتح كل العقد واحدة تلو أخرى، «اعتراف امرأة العزيز ومعها النسوة في المدينة ببراءة يوسف عن التهمة الجنسية المنسوبة إليه»، و«حل لغز رؤية الملك»، و«كشف حقيقة يوسف لإخوته»... و«شفاء يعقوب من العمي»، وأخيرًا الإجابة عن مغزى سجود الشمس والقمر والكواكب ليوسف في آخر الرواية لتختتم بها وتنتهي القصة.
من أهم عناصر القوة في الرواية غير عنصر التشويق الذي يشد القارئ ويجذبه ليتابع أحداث القصة إلى آخرها، وجود قواعد ومناهج اجتماعية متكاملة تنظم العلاقة بين الآباء والأبناء، وبين الأبناء والآباء، وتضعها على مسارها الصحيح؛ فالأب في القصة شخصية عاطفية إلى أقصى حد لا يستطيع أن يكتم عواطفه الجياشة أمام ابنه، إذا خانه لسانه، فإن عيونه تفضحه، وهذا ما يثير الإخوة ويبدؤون بحياكة المؤامرات وإلى آخر القصة.
وما يلاحظ في القصة التي تدور أحداثها في المجتمع البدوي أن أبطالها جميعهم من الذكور، لا يوجد للمرأة أي دور في أحداث القصة، بينما تؤدي دورًا رئيسًا في المجتمع المصري المتمدن، وتشارك بصورة مباشرة في صنع الحدث، وهذا يضفي على أحداثها طابعًا واقعيًّا.
مهما تكلمنا عن القصة القرآنية الجميلة فإننا لا نوفيها حقها تمامًا، يكفي أنها تقرأ كل يوم وعلى مدار ألف وأربعمائة سنة دون كلل أو ملل فتزداد تألقًا، وتبرهن أكثر أنها رائعة من روائع الله الخالدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل