; الشريعة أو الجحيم | مجلة المجتمع

العنوان الشريعة أو الجحيم

الكاتب عبدالملك الكليب

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1981

مشاهدات 60

نشر في العدد 534

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 30-يونيو-1981

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، والصلاة والسلام على رسولنا الرحمة المهداة، أما بعد..

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة:١١٩) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال:٢٤) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ (الأنفال:٢٠-٢٢)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال:٢٧)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (التوبة:23)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (الحشر:١٨-٢٠)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الحجرات: 1-2).

 وقد امتن الله تبارك وتعالى- على عباده بأن لم يتركهم هملًا، بل أنزل كتبه المقدسة الهادية على المرسلين وبعثهم مبشرين، ومنذرين، يبلغون أممهم شرائع رب العباد، ويهدونهم إلى سبيل الرشاد، فلم تخل أمة إلا وبعث فيها ربنا تبارك وتعالى- رسولًا كريمًا منهم، يدعوهم إلى عبادة الملك الواحد القهار وحده لا شريك له، وينهاهم عن الأنداد والأوثان والطواغيت التي يعبدونها ويتبعون شرائعها ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ﴾ (النحل:36).

فما من رسول إلا وآمنت به وبشريعته طائفة من قومه، واستكبرت وتابعت أهواءها طائفة، فأما الذين آمنوا وتحاكموا إلى الله ورسله وأخلصوا دينهم لله، فقد سبقوا وفازوا برضوان الله في الدنيا والآخرة، وأما الذين استكبروا وردوا على ربهم شريعته وما أرادهم به من كرامته واعتزوا بهدي آبائهم وضلالات أجدادهم فقد مزقهم وشتت شملهم ودمرهم، وجعل منهم عبرة لمن يعتبر ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ (الحج:45)، ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٠-٤١).

وقد كان الرسول فيمن سبق يرسل إلى قومه خاصة، فلما اقتربت الساعة، وأراد العزيز الحكيم أن يختتم رسالاته بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم للناس كافة، عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم وأحمرهم؛ رحمة مهداة من لدنه سبحانه، وهاديًا إلى الله بإذنه ومبشرًا ونذيرا ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان:1)، وأيده تبارك وتعالى بكتابه الكريم، ألا وهو القرآن العظيم المثبت لرسالته، والمؤكد لنبوته، فدعا قومه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة آلهتهم، التي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، ونهاهم عن الدماء، والفواحش، ووأد البنات، وقول الزور، وأكل مال الأيتام، وأمرهم بالصلاة والزكاة والصيام والصدق والعفاف وصلة الأرحام، وكان مما أمره به ربنا -تبارك وتعالى- القيام بتنفيذ أحكام شريعته، وحذرهم من مخالفته، واتباع أهواء العوام أو التقصير في تنفيذها، ونفي الإيمان عمن ترك التحاكم إليها، ورمي بالفسق والظلم والكفر من لم يحكم بها، ولأنه سبحانه وتعالى جعل التشريع من حقه وحده، فقد اعتبر من أطاع المشرعين، وتابعهم بتعطيلهم للحدود أو باستحلال ما حرم الله تعالى أو بتحريم ما أحل سبحانه مشركًا، كل هذه المسائل قد جاءت صريحة في كتاب الله عز وجل- وسنة نبيه  صلى الله عليه وسلم، وما حملني على نشرها إلا تكاثر الأخطاء من بعض أصحابنا وغيرهم ممن ينسب إلى العلم والفقه والفتيا في تساهلهم في مسألة تحكيم الشريعة، وتوقفهم عن الحكم بردة المتلفظ بالشهادتين إن تبين كفره من قوله أو فعله، كان يسب الله  تعالى أو رسوله  صلى الله عليه وسلم أو يدفع شيئًا مما أنزله الله  تعالى أو ثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم مما زين لكثير من الناس ما هم عليه من الضلال ﴿ِإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة:159).. أعيذهم بالله أن يكونوا ممن غلبت عليه شقاوته، فغير وحرّف وأوّل وكتم كما كتم الذين من قبلهم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (آل عمران:187). هذا وعلى الحي الذي لا يموت اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، هو حسبي ونعم الوكيل، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم

الأمر بتحكيم الشريعة

جاء الأمر بتحكيم الشريعة المنزلة من ربنا تبارك وتعالى في آيات كثيرة في كتاب الله  عز وجل، ومن ذلك قوله تعالى﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 49-50).

ويعرض الحافظ عماد الدين ابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤هـ، في كتابه (تفسير القرآن العظيم) فهم السلف لهذه الآيات؛ حيث يقول: «أي فاحكم يا محمد بين الناس عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، بما أنزل الله إليك في هذه الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء، ولم ينسخه في شرعك، (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، واحذرهم أن يدلسوا عليك الحق، فيما ينهونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كذبة كفرة خونة (فَإِن تَوَلَّوْا)، أي: عما تحكم به بينهم من الحق، وخالفوا شرع الله، فاعلم أن ذلك كائن عن قدرة الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما لهم من الذنوب السالفة، التي اقتضت إضلالهم ونكالهم.

وقوله تعالى﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50)،  ينكر تعالى على من خرج على حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان، الذي وضع لهم «الياسق»، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتیمن اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، أييبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون، ﴿ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾، أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.

قال الشيخ محمد حامد الفقيرحمه الله- في تعليقه على «ياسق جنكيز خان»: ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم، وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه سلم، فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها، ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به، ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج ونحوها«فتح المجيد ١٣٩٦». 

وقال الإمام أبوعبيد القاسم بن سلام رحمه الله- في تعليقه على قوله تعالى﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله، وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون. «كتاب الإيمان: ٩٥».

نفي الإيمان عمن يأبى التحاكم إلى الشرع ورميه بالنفاق 

ولما أمر الملك القدوس تبارك وتعالى بتحكيم شرعه، والتحاكم إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقد نبه سبحانه إلى أن إيمان من آمن يكون لاغيًا ما لم يقترن به الاحتكام لشرعه والإذعان لحكمه جلت قدرته، قال تعالى﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

فنفى الله جل وعلا- الإيمان عمن لا يتحاكم إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الشريعة الحقة، وشدد المولى عز وجل في ذلك بأن أقسم بنفسه المقدسة، وشدد مرة أخرى بأن تحاكمهم إلى الشريعة العادلة، يجب أن يلازمه الانقياد والرضا والتسليم.

وأنكر ربنا  تبارك وتعالى في موضع آخر على هؤلاء القوم وأمثالهم من أنصار القوانين الوضعية دعواهم الإيمان، وضلل أعمالهم، ورماهم بالنفاق، ومتابعة الشيطان؛ لأنهم تصاموا وأعرضوا عمن يدعوهم إلى شريعة الله  عز وجل، وأرادوا التحاكم إلى شرائعهم وأحكام طواغيتهم، قال تعالى﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا .وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ (النساء: 60–61).

قال ابن كثير: هذا إنكار من الله عز وجل- على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقولبيني وبينك محمد، وذاك يقولبيني وبينك كعب بن الأشرفوقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا، وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ﴾ (النور: 51)، الآيةانتهى

وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمه الله- في كتابه (فتح المجيد)وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله، فقد ترك ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب عنه، وجعل لله شريكًا في الطاعة، وخالف ما جاء به رسول الله صلى عليه وسلم فيما أمره الله  تعالى به في قوله﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ﴾ (المائدة: 49).

وقوله تعالى﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

فمن خالف ما أمر الله به ورسوله  صلى الله عليه وسلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله أو طلب اتباعًا لما يهواه ويريده، فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن، فإن الله  تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله :(يزعمون) من نفي إيمانهم، فإن (يزعمون) إنما يقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها يحقق هذا قوله، «وقد أمروا أن يكفروا به»؛ لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد كما في آية البقرة، فإن لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدًا، والتوحيد هو أساس الايمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه، كما أن ذلك يبين في قوله تعالى﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ (البقرة: 256)، الآية، وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به.

 وقوله: (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا)، يبين تعالى في هذه الآية أن التحاكم إلى الطاغوت مما يأمر به الشيطان، ويزينه لمن أطاعه، ويبين أن ذلك مما أضل به الشيطان من أضله، وأكده بالمصدر ووصفه بالبعد، فدل على أن ذلك من أعظم الضلال وأبعده عن الهدى.

 وقوله: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا)، بيّن تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البعد من الإيمان، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى إنه من المنافقين.

 وقوله﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة: 11)، قال أبو العالية في الآية: يعني لا تعصوا في الأرض؛ لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله، فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء إنما هو بطاعة الله ورسوله، ومناسبة الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعمال المنافقين، وهو من الفساد في الأرض.

وقوله﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: 56)، قالووجه مطابقة هذه الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو سبيل المؤمنين، كما قال تعالى﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115). انتهى ملخصًا، (فتح المجيد ٢٩٢ – ٣٩٥).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1639

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 11

152

الثلاثاء 26-مايو-1970

تفسير زئبقي للقرآن

نشر في العدد 46

129

الثلاثاء 02-فبراير-1971

كيف يفكر أشبال الجيل الجديد؟