العنوان المجاعة الإفريقية وليدة الرأسمالية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1987
مشاهدات 66
نشر في العدد 840
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 27-أكتوبر-1987
إفريقيا التي كانت على مدى قرون خزَّانًا لا ينضب للخضرة والحياة ومرتعًا لقطعان الحيوانات الأليفة والبرِّية والتي لا تعد، ورمزًا للسواعد السمراء التي تفلِّح الأرض دون كلل أو ملل، إفريقيا هذه تتضور اليوم جوعًا ويموت من أبنائها العشرات وربما المئات يوميًّا بسبب المجاعات التي غطت زهاء 40% من خريطتها الديمغرافية وتقول منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أنه بحلول عام ١٩٨٥ كان عدد البلدان الإفريقية التي تأثرت بنقص الأغذية ٢١ بلدًا وهي تضم أكثر من ۲۰۰ مليون نسمة ويقول رئيس هذه المنظمة الدكتور إدوارد صوما على إثر زيارته لأحد المخيمات في إثيوبيا إنه علم أن ۱۰۰ شخص من سكان ذلك المخيم يموتون يوميًّا جوعًا وأن الكثير ممن كتب لهم البقاء سوف لن يستعيدوا صحتهم كاملة.
هذه هي الصورة التي تطالع بها إفريقيا العالم ويالها من صورة مُزرية تبعث على الرثاء والشفقة بقدر ما تبعث على الحيرة والتساؤل: لماذا يموت هؤلاء المساكين جوعًا؟ في حين يشكو آخرون التخمة، وتتلف في البحر كميات كبيرة من المواد الغذائية الزائدة عن الحاجة بالنسبة لبعض الدول الغنية طبعًا!!
تركز وسائل الإعلام الغربية عند حديثها عن المجاعة التي اجتاحت ولا تزال العديد من البلدان الإفريقية على الظروف المناخية القاسية أي الجفاف والتصحر اللذيْن كان لهما تأثير بالغ على تراجع الإنتاج الزراعي أو حتى انعدامه مما اضطر المزارعين ومربي الماشية إلى مغادرة أراضيهم بحثًا عن الماء والغذاء كما تركز تلك الوسائل الإعلامية الغربية على النمو السكاني المتزايد في إفريقيا والذي يوصف أحيانًا بالانفجار السكاني بالنسبة البعض البلدان حتى ليخيل للمرء أن البلاء الإفريقي كله مرجعه قسوة الطبيعة والمناخ والزيادة في عدد السكان وإذا كان من البديهي اعتبار الجفاف سببًا رئيسيًّا في تقلص الإنتاج الزراعي والحيواني ونزوح الفلاحين عن أراضيهم فإن هناك أسبابًا أخرى وراء انتشار المجاعات بشكل مفزع وصل بها إلى حجم الكارثة الإنسانية.
إن التخطيط العلمي الواعي استطاع في كثير من المجالات أن يقهر الظروف والعناصر الطبيعية ليحولها ويستغلها لفائدته وإن إلقاء التَّبَعَات على الظروف المناخية الصعبة في البلدان الإفريقية هو بالنسبة للإفريقيين تَنَصُّل من المسؤولية، إن هذه المجاعات ما كانت لتحل بإفريقيا لو كان هناك تخطيط مستقبلي واعٍ يضع حسابًا لكل احتمال ويستعد لكل طارئ ولو كان هناك عمل جادٌّ لبناء قاعدة اقتصادية متينة لمَا وصلت الكارثة إلى هذا الجحيم، إن المجاعة في إفريقيا إن دلت على شيء فهي تؤكد فشل السياسات الاقتصادية الإفريقية على مدى ربع قرن تقريبًا لارتباطها بالرأسمالية الغربية التي تنظر بعين الطمع والنَّهَم للموارد الطبيعية الإفريقية.
فإفريقيا التي تعاني اليوم من نقص فادح في الغذاء تعوزها الإمكانات لتحديث فِلاحتها وإصلاح زراعتها، أنها تحتاج إلى مستلزمات الإنتاج مثل الأسمدة والبذور الجيدة والمعدات وغيرها ولكن كيف يكون لها ذلك وهي ترزح تحت وطأة الديون الخارجية، وهي تلهث وراء قروض جديدة لتسدد فوائد الديون القديمة، وكيف يكون لها ذلك وصادراتها من المعادن والمواد الأولية الأخرى يتلاعب بها السوق الرأسمالي الغربي؛
لأنه يشتريها بثمن بخس ويبيع للإفريقيين آلاته ومواده بأرفع الأثمان فتظل إفريقيا على الدوام تابعًا إلى هذا السوق الذي لا يرحم وكيف يكون لها ذلك: وهي تنفق على السلاح المُصَنَّع أكثر مما تنفق على الزراعة، إنها تتسلم القليل باليمين لتعطِي الكثير بالشمال، وهكذا تتراكم ديونها سنة بعد أخرى، وهكذا ما تتقهقر زراعتها وصناعتها فتجوع ولا تجد حتى ما تشتري به لقمة العيش فيموت أبناؤها جوعًا ولكن الغرب يجد في المجاعات في إفريقيا فرصة ذهبية للظهور بمظهر المشفق المساعد ولتعليق وسام الإنسانية على صدره- ربما تكفيرًا عن ذنوب لا تُحصَى.. نعم يلبس الغرب لباس الإنسانية فتقام الاحتفالات التي يذهب ريعها للجوعى في إفريقيا وتنشط الجمعيات الخيرية والكنسيَّة ويشكر الساسة بعض تلك الاحتفالات والمهرجانات ولا يفوتهم أن يقدموا النصح والإرشاد «لإخوانهم» الأفارقة لإيجاد حلول لقضية المجاعة.
ولكن هل ساعدت نصائح الغرب على حل مشاكل الأفارقة حتى تساعد على حلها اليوم. ألم يكن من نتيجة تلك النصائح اقتتال حدودي، وتمزق قبلي وتدهور اقتصادي، فهل يتعظ الأفارقة؟؟