; الألعاب الأوليمبية بقايا فكرة في طاحونة العولمة | مجلة المجتمع

العنوان الألعاب الأوليمبية بقايا فكرة في طاحونة العولمة

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الجمعة 27-أغسطس-2004

مشاهدات 72

نشر في العدد 1615

نشر في الصفحة 36

الجمعة 27-أغسطس-2004

  • نفقات الدعاية على الرياضة أكبر مما يستهلكه مليار إنسان

  • غياب الرؤية جعل المرأة سلعة تجارية رخيصة

لم تصل العولمة المادية المعاصرة. بغض النظر عن بعض الإيجابيات فيها. إلى میدان من ميادين الفكر والثقافة والعلاقات البشرية إلا وساهمت إسهامًا كبيرًا في تحويله إلى واجهة براقة عبر الدعاية المغرية، سوداء في واقع ما تواريه وراءها، مما لا يكاد يعرف شيئًا آخر سوى تحصيل المال بمختلف السبل القويمة والملتوية.

 

حرية المال في حصار الأفكار

إذا كانت فكرة الألعاب الأوليمبية قد ولدت في عصر الإغريق لإيجاد ميدان آخر غير ميدان الحروب الدموية الطاحنة بين أثينا وإسبرطة آنذاك، فإن ولادتها مجدداً عام 1896م كانت لغرض مشابه، طبقًا لدعوة الفرنسي شوبرتان عام 1894م الذي أراد أن يوجد للأوروبيين ميدانا آخر للتلاقي خارج ساحات الاقتتال التي عرفوها تلاقيًا سلميًا، يجذب إليه جماهير جيل الشباب خاصة، ويوجد «نجوم رياضيين» تصبح بطولاتهم البديل عن «بطولات» زعماء الحروب. ولم تمنع الدورات الأوليمبية التالية وقوع حروب البلقان والحربين العالميتين، وحروب «الإمبراطورية الأمريكية» حاليًا.

المشكلة ليست الفكرة الأوليمبية وما قد يكون لها أو عليها، إنما هي مشكلة موقع الأفكار في عصر العولمة، وهي في قبضة هيمنة القوة التي أصبحت أشد وطأة على الإنسان وعلى الفكر، مما كانت عليه في أي حقبة مضت، المشكلة تكمن  في إعطاء، القوة المادية مكانة الصدارة من صناعة القرار في مختلف الميادين المعيشية بما فيها الميادين الثقافية والرياضية.

الرياضة عمومًا، سواء في صيغة بطولات عالمية أو مهرجانات أوليمبية مرة كل أربعة أعوام أصبحت كغيرها من الميادين الثقافية والفنية تحت سيطرة القوى المالية، بدعوى الحرية الشخصية في الحياة الاقتصادية، فلم تعد الفكرة هي مصدر المعايير لاتخاذ القرار، إنما أصبحت لعبة الصراعات المادية المستمرة هي العامل الحاسم من وراء سائر المظاهر الاحتفالية مع مختلف دورات البطولة المتتالية.

ولهذا أصبح ما ينفق في قطاع الدعاية على صعيد الرياضة وحده أكبر حجمًا مما يستهلكه أكثر من مليار من البشر يمثل خمس سكان المعمورة، ولا يجدون ما يكفي من الغذاء والدواء، وأكبر حجمًا مما تنفقه الدول المتقدمة والنامية معًا على سائر قطاعات البحث العملي والإنتاج الفكري والثقافي والفني.. وهذا هو الرقم القياسي، الأهم من سائر الأرقام القياسية التي يحققها الأبطال والنجوم الرياضيون، عند الإشارة مثلًا إلى أن متوسط إعمار مجلس أعضاء الهيئة الأوليمبية الدولية الذي يقرر ما يراد أن يكون متعة رياضية للشباب يتجاوز السبعين عامًا، وهم أكثر من مائة عضو يعتبرون من أثرياء العالم، ولم تتبدل أوضاعهم وعلاقاتهم، رغم سائر ما انكشف ولا يزال ينكشف من فضائح الفساد والمحسوبية على أعلى المستويات.

 

لعبة رياضية.. أم سياسية؟

الحديث كان يتردد كثيرًا عن قاعدة فصل السياسة عن الرياضة.. وسبق أن تجاوز هذا المبدأ القائلون به أنفسهم في ممارساتهم العملية كما صنع الأمريكيون بمقاطعة الدورة الأوليمبية في موسكو الشيوعية آنذاك، ثم رد المعسكر الشيوعي بمقاطعة مماثلة. ولكن لم يعد هذا الخرق لمبدأ الفصل بين الرياضة والسياسة يتكرر إلا نادرًا، وعند التأمل في الأسباب نجدها تتركز على أن الرياضة أصبحت قطاعًا اقتصاديًا «الاتحاد الأوروبي منذ عام 1996م أدرجها قطاعًا رئيسيًا في مخططاته الاقتصادية للقرن الـ 21» له من الأنصار ذوي النفوذ من يستطيع إملاء قراره المصلحي المادي على صانعي القرار السياسي. وبالمقابل أصبحت السياسة توظف الرياضة لأغراضها أيضًا، فتلتقي المصالح الاقتصادية والسياسية إلى حد بعيد، ومن جوانب ذلك في البلدان النامية، وصول توجيه الناشئة والشباب باسم المتعة الرياضية إلى درجة الهوس لا الممارسة والاستمتاع فقط، إذ أصبح جزءًا صميميًا من عملية الإلهاء الكبرى للابتعاد بجيل المستقبل عن القضايا المصيرية التي تحتاج إلى طاقاتهم وقدراتهم في مختلف الميادين أحدها الرياضي، فالرياضة ضرورة ومتعة، ولكنها لا تحقق وحدها أهداف التقدم والتحرر واستعادة الحقوق والكرامة وممارسة السيادة على صعيد صناعة القرار وطنيًا، والإسهام في صناعته دوليًا.

ولم يعد مستغربًا ظاهرة ارتفاع عدد الصفحات الرياضية في معظم وسائل الإعلام المكتوبة في بلادنا العربية بالمقارنة مع بقية الصفحات ارتفاعًا لا يمكن تفسيره فقط، بأن الرياضة سلعة رائجة ترفع عدد النسخ المبيعة، فالكلمة الهادفة أيضًا ترفع التوزيع، لذا فعند افتقاد التوعية بالقضايا الهامة يتحول «الإعلام الرياضي» إلى وسيلة من وسائل الإلهاء والتخدير، بدلًا من أن يساهم في تحقيق هدف التربية والمتعة على الصعيد الرياضي.

 

التوازن المطلوب

التربية الرياضية القويمة الفردية والاجتماعية هي جزء لا يتجزأ من نسيج تكوين المجتمع الإسلامي على الوجه الأمثل واحد القطاعات التي تتطلب حساسية مرهفة تجاه الشباب وفي التعامل معها، ولكن ما حدث أن الصفقات الرياضية حولت المباريات والبطولات من ميادين متعة محببة ومشروعة منضبطة، إلى وسيلة تجعل مجرد الفوز الرياضي، هدفًا بحد ذاته، وهو منطلق يجري تعميمه في المنطقة الإسلامية بصورة تنطوي على تكرار إثارة غرائز تعصب قومي وإقليمي وقطري بات في الغرب من أسباب ظهور مجموعات العنف الرياضي وغير الرياضي المعروفة، وبما يتناقض مع أي شعار عن التسامح لألعاب رياضية عالمية. كما أنه جعل البلدان الإسلامية تدفع بـ الفتاة المسلمة، تحت ضغوط وإغراءات لتسلك سبل رياضيات عربيات أصبحن – هؤلاء الغربيات – جزءًا من تركيبة القطاع التجاري بالرياضة كسلعة رائجة تخالف النظرة الإسلامية والأخلاقية التي تحترم المرأة وتصونها.

توظيف الرياضة مع سواها لتكوين جيل المستقبل من الناشئة والشباب لا يتحقق من خلال توفير المنشآت وفتح النوادي وتشجيع المواهب فحسب، بل يتطلب أيضًا سياسة حكيمة، تربط الأغراض الرياضية التقليدية بالأغراض المعنوية الأهم والأبعد مدى لتحويل الرياضة إلى رسالة، ينبغي أن نؤديها دون أن تفقد عنصر المتعة فيها، ودون أن تسوقنا من حيث نريد أو لا نريد إلى الانحراف بجيل المستقبل، وميادين اهتمامه والإنجازات المرجوة منه على كل صعيد، وعلى الصعيد الرياضي نفسه أيضاً.

والنهضة الرياضية مطلوبة، شريطة توجيهها بضوابط القيم وثوابتها ووفق قناعاتنا الذاتية وقيمنا بعيدًا عن الوهم في الحصول على مكانة مزعومة تروج لها المهرجانات والاحتفالات عبر توظيفها لشغل جيل المستقبل عن إعداد نفسه كما ينبغي لأداء مهمته المرجوة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

127

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 11

124

الثلاثاء 26-مايو-1970

قضية الحرب والسلام!

نشر في العدد 17

122

الثلاثاء 07-يوليو-1970

تحركات مشبوهة.. فأين المسؤولون؟