; المسلمون في تنزانيا قصة الإسلام.. وحرب التنصير | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في تنزانيا قصة الإسلام.. وحرب التنصير

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996

مشاهدات 67

نشر في العدد 1189

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 20-فبراير-1996

  • دور «نيريري في إحكام الحصار على المسلمين.. وحملة الكنيسة ضد الرئيس علي حسن. 

كغيرها من معظم الدول الإفريقية، دخل الإسلام تنزانيا عن طريق قوافل التجارة العربية وهي كغيرها أيضاً من معظم الدول الإفريقية يمثل فيها المسلمون الأغلبية ولكنها محكومة بالحديد والنار من أقلية مسيحية، ومن هذا الباب يجري التضييق على المسلمين في كل شيء بدءًا من الهوية وحتى لقمة العيش.

وهي كغيرها- للمرة الثالثة- تشهد حضوراً قبلياً مؤثراً يصل إلى أكثر من ١٣٠ قبيلة، ولكنها تتميز عن غيرها بالشفاء من مرض العصبية القبلية، وربما ساعد على ذلك أن أياً من القبائل لا يشكل الأغلبية المغيرة للموازين.. فقط ثلاثة من هذه القبائل (واتشاغا- واهيا- وإيناكيوسا) حظيت عن غيرها بفرص تعليم أو في الحقيبة الاستعمارية.

الدولة ذات مساحة كبيرة (942.315 كم2)، وهي عبارة عن ولايتين متحدتين منذ عام ١٩٦٤م هما «زنجبار» و«تانجانيكا»، وذات عدد من السكان لا بأس به يصل إلى ٣٠ مليون نسمة، وذات اقتصاد يتميز بالثروات الزراعية والمعدنية أبرزها البن والشاي والقطن والذرة، والأرز، والقمح، وتقع تنزانيا بين كينيا وأوغندا، وبحيرة فيكتوريا (منبع النيل) ورواندا، وزائير وبوروندي.

دخلها الإسلام في عهد الخلافة الإسلامية في القرن الثالث عشر الهجري من خلال قوافل التجارة، ثم انتشر عن طريق القوافل التجارية القادمة من اليمن وعمان وظل الإسلام ضارباً بجذوره في البلاد.

وما زالت أغلبية السكان تدين به فطبقاً للإحصاءات الحكومية الصادرة عام ١٩٥٨م يشكل المسلمون 55% من السكان، وطبقاً لإحصاءات أخرى تتعدى النسبة ٦٥% بينما تصل نسبة المسيحيين 25%، والنسبة الباقية 10% وثنيون، وفي هذا الصدد فإن علينا ملاحظة أن التلاعب في الإحصاءات التي تخسف بأعداد المسلمين ونسبهم الأرض وتصورهم دائماً على أنهم أقل من حجمهم الحقيقي، أو على أنهم في سبيلهم إلى التناقص أو الانقراض هي واحدة من صور الحرب الخفية من جانب أعداء الإسلام، ويشير تقرير حديث أصدره مركز شباب الأنصار للشباب المسلم في تنزانيا من داخل البلاد أن الإحصاءات الرسمية التي أجريت وأصدرتها السلطات في أعوام 1968، و١٩٨٧، و ۱۹۸۸م لم تتعرض للانتماءات الدينية، وأن نسبة 55% من المسلمين التي أشارت إليها إحصاءات عام ١٩٥٨م غير سليمة، إذ تتراوح النسبة الحقيقية بين 65% و75%، لكن المسلمين هناك تحولوا على يد التخطيط الصليبي إلى كم مهمل، بعد أن خاض الاستعمار ضدهم حرباً سارت على خطين متوازيين: الإفقار الاقتصادي، والحرمان من التعليم، وهذه هي القاعدة التي انطلق الاستعمار منها في الحرب في كل قطر استعمره، لقد ركزت حملات التنصير المحمية بقوة الاستعمار على بناء المدارس العصرية المجهزة بأحدث التجهيزات العصرية والوسائل العلمية وهو ما فتح فرصة واسعة أمام تعليم أكبر عدد من النصارى، ولم تتح فيها الفرصة لتعليم أبناء المسلمين إلا لمن كان لديه الاستعداد لتنصير ولده، ولذلك لا يكون غريبًا عندما توجد شخصيات بارزة في المجتمع التنزاني كانوا مسلمين، ولكنهم تحولوا إلى النصرانية بفعل هذه الخطة التعليمية والدليل على ذلك تركيبة أسمائهم التي ما زالت توجد في تركيبتها بعض الأسماء الإسلامية مثل جون رمضان، وجورج مبارك، وجوزيف محمد (وهم من زعماء الأساقفة)، بل السيد موسيس ننانوي- نائب الأمين العام للحزب الثوري الحاكم- كان اسمه قبل ذلك موسى علي ننانوي.

وقد استمرت هذه الحرب ضد المسلمين حتى بعد استقلال تنزانيا.. فطوال فترة حكم الرئيس جوليوس نيريري التي جاوزت الثلاثين عاماً نفذ خطة مدروسة لمواصلة إضعاف قوة المسلمين وحرمانهم من التعليم.

عصر نيريري

لا نخطئ التعبير إذا قلنا إن فترة تولي الرئيس جوليوس نيريري رئاسة الدولة في تنزانيا (ما يقرب من ٣٠ سنة) هي فترة العصر الأسود لإحكام الحصار حول المسلمين هناك.. لقد قام هذا الرجل بتنفيذ المخطط الصليبي بدقة أكثر مما كان ينفذ خلال فترة الاحتلال، وفي مجال التعليم بالذات لم يسمح بوصول مسلم أبداً إلى كرسي الوزارة، بل كان كل من تولي الوزارة من بني عقيدته، مسيحيون بل ومن رجال الكنيسة، كما أن المسؤولين في المجلس الوطني للامتحانات كانوا أيضاً من رجال الكنيسة.

لقد كان مسموحاً فقط للمسلمين بإدخال أبنائهم إلى المدارس الابتدائية على أوسع نطاق، ولكن المراحل الأخرى كانت شبه مسدودة تماماً وخاصة المرحلة الثانوية التي تصل نسبة المسلمين فيها إلى ١٠% حتى إذا ما انتقلوا إلى التعليم العالي وصلت النسبة إلى 2%، وهكذا تم كبت المسلمين والحيلولة بينهم وبين التعليم حتى يظلوا جهلة أو أنصاف متعلمين لا يصلحون لأية وظيفة عليا في البلاد.

ولم يتوقف نيريري عند ذلك لكنه تعداه إلى إلغاء جمعية مسلمي شرق إفريقيا التي كرست نفسها للعمل في مجال التعليم، وقامت بحركة نشطة في تشييد المدارس الابتدائية والثانوية الحديثة، وهو ما كان يمثل خرقاً للحصار، وقد أمم نيريري هذه الجمعية وسلم أموالها وممتلكاتها وجميع المدارس التي شيدتها- خاصة في باكواتا- إلى وزارة التعليم التي تسيطر عليها الكنيسة في حقيقة الأمر، وبينما قوبل المسلمون بالعراقيل والصعوبات دائماً عند محاولة بناء مدرسة كانت الكنيسة تفتتح يوماً بعد يوم مدارس جديدة لا يدخلها إلا أولاد النصارى فقط ولم يتمكن المسلمون من افتتاح المدارس إلا بعد استقالة جوليوس نيريري وتولى الرئيس علي حسن أمويني رئاسة الجمهورية والذي عين أول وزير مسلم لوزارة التعليم الدكتور كيفوما علي ماليما، وهو الوزير الذي أصاب خطة الكنيسة في حرمان المسلمين من فرص التعليم بالشلل، وحدثت في عهده انتعاشة في ارتفاع نسبة الطلبة المسلمين في المراحل التعليمية وافتتاح المزيد من المدارس الإسلامية الثانوية، والتي بلغت في دفعة واحدة تسع مدارس ثانوية.

لكن الكنيسة لم تسكت على هذا الوضع فكرست ضغوطها على الرئيس حسن أمويني حتى اضطرته إلى نقل الوزير المسلم من وزارة التعليم إلى وزارة المالية، لكن الأمين العام لوزارة التعليم ظل مسلمًا، وكذلك الأمين العام لوزارة التعليم العالي.

ورغم ذلك فما زال الوضع التعليمي للمسلمين صعباً، وبالذات من ناحية التكاليف. إذ إن الحكومة ألغت قبل عشرين عاماً مجانية التعليم، وصار على أولياء الأمور تحمل تكاليف تعليم أبنائهم، خاصة في ظل الأحوال الاقتصادية الصعبة التي يقاسيها المسلمون. 

الحصار لم يتوقف عند دائرة التعليم فقط، ولكنه قائم على التوازي مع الحصار السياسي المفروض عليهم لهدف واحد هو شل قوتهم السياسية تمامًا حتى يظلوا بعيدين عن دائرة اتخاذ القرار.

الحرمان السياسي 

الحرمان المقنع من التعليم والإفقار الاقتصادي للمسلمين في تنزانيا ما كان لهما أن يسيرا بالدقة المطلوبة بدون الاضطهاد السياسي المفروض عليهم تحت شعارات عدة، ومسميات غير حقيقية، فقد عانى المسلمون الحرمان من تشكيل الأحزاب رغم أنهم كانوا أول من شكل حزباً سياسياً خلال الحقبة الاستعمارية، وقد قاموا من خلال هذا الحزب بجهاد سياسي، إضافة إلى الجهاد العسكري من أجل الاستقلال، وقد تعاطفوا تمامًا مع جوليوس نيريري خلال حقبة المطالبة بالاستقلال.. لكن نيريري بعد أن تولى زمام السلطة في البلاد ألغى نظام تعدد الأحزاب نهائياً، ثم قام بعملية طرد وإبعاد للشخصيات الإسلامية من مواقع الحكم الهامة وحرم- بقرار غير مكتوب- المسلمين من المواقع السياسية.. فلم يتولَّ وزير مسلم منصب الوزارة إلا إن كان بعيداً عن دينه، وقد ولَّدت هذه الحقبة النيريرية معظم مديري المحافظات والولايات، ومديري الشركات والدوائر الحكومية من المسيحيين، بل وممن هم على صلة وثيقة مع الكنيسة.

ومنذ أن تولى الرئيس على حسن أمويني السلطة، فإنه- كمسلم- حاول أن يحدث توازناً في المناصب السياسية بين المسلمين والمسيحيين، وقامت الكنيسة بحملة إعلامية شعواء ضده متهمة إياه بالسعي لإقامة دولة إسلامية (دستور الدولة ينص على أنها دولة علمانية).. ورغم أن البلاد تعيش منذ عام ۱۹۹۱م تحت نظام تعدد الأحزاب السياسية إلا أن نص الدستور على علمانية الدولة يمنع المسلمين من تشكيل أي حزب إسلامي.

صحيح أن هناك وزراء مسلمون اليوم ولكنهم يتعرضون لحملات شبه يومية مركزة من الصحافة ذات التوجهات المناوئة، وقد حظي الدكتور كيفوما علي ماليما- رحمه الله- بالنصيب الأكبر من هذه الحملة عندما تولى وزارة التعليم، والتي نجحت في نقله إلى وزارة المالية، ذلك أن وزارة التعليم ظلت دهراً طويلاً حكراً على من يتبع الكنيسة.

لقد تعرض هذا الرجل إلى هجوم ضارٍ في حياته، ما زالت الأقلام الصليبية تنهش فيه بعد وفاته، وقبيل ذلك فقد الرجل كرسيه في اللجنة المركزية للحزب الثوري الحاكم في الانتخابات الأخيرة بتهمة خلط الدين بالسياسة.

في التحليل الأخير، فإن صعود المسلمين وتشبتهم بعقيدتهم يبعث على الفخر... فهل ينتبه المسلمون إليهم؟ أم أن المطلوب وجود بوسنة حتى يتحركوا للمساعدة؟

الرابط المختصر :