العنوان د. خالد عبد القادر عودة.. العالم الجيولوجي الذي كرمه العالم يتحدث عن المحاكمة العسكرية: النظام اختارنا كرهائن لمساومة الإخوان على أمر لا نعلمه
الكاتب أحمد عبدالفتاح
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1804
نشر في الصفحة 28
السبت 31-مايو-2008
- مسؤول مصري أكد لـ فولييت داغر أنه لن يبقى منا أحد في السجن.. ولكن!!
- البراءة التي حصلنا عليها سياسية.. كباقي الأحكام في القضية
- لم نشعر بطعم الإفراج وقلوبنا ما زالت داخل السجن مع الشاطر وإخوانه
- عندما يبرئ النظام شخصًا مثلي فإنه يوهم الجميع بأن الباقين مدانون بالرغم من أن الكل أبرياء والقضية ملفقة
- عندما فتشوا منزلي كانوا يبحثون عن النقود فقط ولم يهتموا بأي أوراق
- المحكمة لم يكن لديها دليل إدانة واحد ولذلك كانت جلسة النطق بالحكم مريبة ولم يحضرها سوى صحفيي الحكومة والأمن
هو أحد العلماء الأفذاذ الذين أنجبتهم مصر، عندما اعتقل في القضية الأخيرة للإخوان المسلمين وجهت لمصر انتقادات كبيرة، وهددت اليونسكو بسحب أكبر مشروع بحثي عن مركزية الأرض أو ما يعرف بمشروع محمية الدببية، كان جزءًا من المسرحية الهزلية التي شهدتها صحراء الهايكستب فيما عرفت مجازًا بالمحكمة العسكرية، وجهت له النيابة العسكرية تهمًا غريبة مثل غيره من قيادات ورموز الإخوان، ويرى البعض أن المحكمة رغم قسوتها كان لها جانب واحد مضيء وهو الكشف عن هؤلاء الرجال وما حققوه من إنجازات شهد بها العدو قبل الصديق، ومنهم الدكتور خالد عبد القادر عودة الذي حكمت المحكمة العسكرية لصالحه بالبراءة التقينا به فور الإفراج عنه بساعات لإجراء حوار عما حدث، ولماذا حدث، إلا أنه فضل أن يكون الحوار في موطنه أسيوط، وقد كان، حيث ذهبنا إليه نحمل الكثير من الأسئلة التي ننتظر الإجابة عليها، وصدقت توقعاتنا، حيث كشف الدكتور خالد عن أسرار عديدة في هذه المحاكمة العجيبة، نستعرضها في السطور القادمة.
نص قرار المحكمة العسكرية.
بداية ما تعليقكم على حكم البراءة بعد عام ونصف العام من السجن؟ وما رأيكم في باقي الأحكام التي صدرت بحق الإخوان؟
الأحكام جاءت على غير سير المحاكمة فعلى مدار ۷۰ جلسة كان رئيس المحكمة وأعضاء اليمين واليسار وممثل النيابة العسكرية مقتنعين تمامًا أنه لا توجد جرائم على الإطلاق، وليس هناك بينة أو تهم، فلم تتحقق أركان جرائم على الإطلاق فلا يوجد شهود إثبات أو دلائل لأي شيء ولا ما يفيد أو يؤكد أن واحدًا من المدعي عليهم ارتكب أي جرم، اللهم إلا المحاكمة على الجريمة الأولى وهي الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، لكن باقي الجرائم لم تقم أركانها، وحتى الأحراز فهي لا تشكل جريمة لأنه لا تعد جريمة أن تحرز شيئًا خاصًا بك للاطلاع، فأي ورقة يمكن الحصول عليها من الإنترنت، ولقد كان فيما مضى يعدون تحريز أوراق تدعو لفكر معين جريمة، لكن الآن هذا مستحيل.
والمحكمة من جهتها كان واضحًا لها تمامًا أنه لا توجد جرائم، وعلاوة على هذا كان هناك أكثر من ٣٠٠ طعن من قبل هيئة الدفاع، سواء طعون بالتزوير أو ضد مواد حوكمنا بها وطعون ضد مصادرة الأموال، وطعون ضد قرار رئيس الجمهورية بالإحالة، وتخطت المحكمة كل هذا، وبالرغم من أن رئيس المحكمة مع كل طعن كان يقول: إنه متفهم وإن الطعن واضح، بدليل أنه في وقت نظر القضية غير قيد ووصف الاتهام وحذف تهم الإرهاب، ورفع أسماء من تهم غسل الأموال وبناء على كل هذا كان الحكم مفاجئًا، خاصة أنه قد تواتر إلينا من مصادر كثيرة أن الأحكام مخففة.
وبخصوص إخواننا المدعى عليهم والمقيمين خارج مصر والذين صدرت ضدهم أحكام لمدد خمس وعشر سنوات فهذه الأحكام بكل تأكيد أحكام سياسية وليست قضائية، ومثلها مثل كل أحكام هذه القضية، ويكفي مثلًا أن نعلم أن كل من هم متهمون في هذه القضية من خارج مصر لم يخطروا أصلًا بموعد المحاكمة، بل أكثر من ذلك أن المحكمة لا تملك عنوان فرد منهم والدليل أننا عندما طلبنا من المحكمة أوراق إخطار هؤلاء في البلاد التي يقيمون فيها لم تطلعنا المحكمة على أي شيء، والأمر نفسه مع وزارة الخارجية التي من المفترض أن تكون هي من أخطرتهم بموعد المحاكمة كما ينص القانون، فكيف لك أن تحاكم فردًا وأنت لم تبلغه بموعد المحاكمة؟!
أما عن سؤالك بخصوص إحساسي بالبراءة وإحساس زملائي الأربعة عشر الحاصلين على الحكم نفسه، فكان الغضب الشديد لزملائنا الذين تمت إدانتهم، بل لك أن تعلم أن الذين بكوا بعد صدور الأحكام هم مجموعة الـ ١٥ الحاصلين على أحكام البراءة، أما الثمانية عشر الذين أدينوا فكانوا هم الصامدون وتلقوا الأحكام في صمود وشموخ نادرين، بل هم من حثونا على الصبر، نحن لم نشعر بطعم الإفراج، وحتى وأنا معك هنا أشعر بأن قلبي ما زال داخل السجن، فأنا هنا معك بجسدي فقط.
ذكرت أنه تواتر إليكم أن الأحكام مخففة، وفي الوقت نفسه تناقلت وسائل الإعلام أن الإخوان يعقدون صفقة مع النظام للحصول على أحكام مخففة في العسكرية، وأن سبب عدم مشاركة الإخوان في إضراب ٦ أبريل كان لهذا السبب، فما تعليقكم على كل هذا؟
ليس هناك أي صحة لهذا الأمر نهائيًا، ولا توجد أي صفقات بين النظام والإخوان نهائيًا، كما أن الصلة منقطعة بين النظام والإخوان منذ أن فاز ۸۸ عضوًا من الإخوان بعضوية البرلمان عام ٢٠٠٥م. أما المعلومات التي وردتنا في السجن فكانت معلومات تناقلها العديد من الناس ووصلت إلينا في السجن بأن الجميع سيفرج عنهم، وأنه لن يحصل أحد منا على أحكام أكثر مما قضى في السجن بالفعل وأن الأحكام تتراوح بين عام وعامين.
رهائن
من كان مصدر هذه المعلومات؟
كان مجرد كلام أناس ومصادر ذهبت لعائلاتنا وهنأتهم بأننا جميعًا سنخرج قريبًا، وهو الكلام نفسه الذي وصل للدكتورة فولييت داغر رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان التي أرسلت إلينا قائلة إنها سمعت من مصدر مسؤول أنه لن يبقى أحد من قيادات الإخوان أكثر مما أمضى في السجن، وهذا كله كان قبل الإضراب، ولكني أرى أن هناك شيئًا حدث خلال الفترة الأخيرة دفع النظام إلى التنكيل بالإخوان عن طريق هذه الأحكام.
وفي رأيكم.. ما هذا الشيء؟
أعتقد أن هذا الشيء هو الإضراب فهم متصورون أن الإخوان موقفهم لم يكن واضحًا، ولكن كلامي هذا مجرد احتمال فلا أستطيع الجزم بما كان وراء هذا الحكم الجائر، ومن الجائز أيضًا أن يكون ما وصلنا داخل السجن بأحكام مخففة نوعًا من التمويه والمراوغة من النظام حتى لا يكون هناك أي تذمر من جهة الإخوان في الفترة السابقة للأحكام خاصة أنهم رأوا أن صوت الإخوان وصل للخارج، وأن منظمات حقوق الإنسان الدولية أرسلت مندوبين هذا كله بالإضافة للقرار الأخير الصادر عن البرلمان الأوروبي عن حالة حقوق الإنسان في مصر. واعتقد أن هذا القرار للبرلمان الأوروبي له علاقة بذلك لأن علمنا بأن الأحكام ستكون مخففة كان قبل صدور القرار ب٤٨ ساعة ولكن حدث شيء ما بين هذا التاريخ وتاريخ صدور الأحكام قلب الموازين وبدل الأحكام، وأكرر أنه من المحتمل أن يكون تسريب خبر الأحكام المخففة مجرد تمويه لدفعك إلى تخفيف الضغوط التي تمارسها إعلاميًا وحقوقيًا.
وهناك احتمال ثالث: وهو أن النظام يريد أن يفعل المادة التي استحدثت في قانون المحاكم العسكرية بإنشاء محكمة نقض أو استئناف عسكرية، وأنهم يريدون إظهار دور هذه المادة في هذه القضية ويريدون أن يخلقوا لهذه المحاكمة دورًا عن طريق تخفيفها للأحكام في مرحلة النقض.
وأحب أن أوضح هنا أننا كنا ولا نزال رهائن لشيء يريده النظام من الإخوان لا تعلمه، ولم يتواصل النظام مع الإخوان ليعلمنا ما ذلك الشيء الذي يريدون مقايضتنا به ومساومتنا عليه.
لو عدنا بالذاكرة للخلف وبالتحديد منذ عام ونصف العام عندما نشرت بعض وسائل الإعلام صور العرض الرياضي الخاص بطلاب جامعة الأزهر والذي تم اعتقال المهندس خيرت الشاطر على إثره، ثم توالى اعتقال قيادات الإخوان وكنت أنت واحدًا منهم، هل شعرت وأنت تشاهد هذه الصور أن الأمر سيتطور إلى هذه الصورة؟
إطلاقًا فأنا أستاذ بجامعة أسيوط وتاريخي العملي معروف بالجامعة، ومتفرغ تمامًا للعلم منذ أكثر من ٤٠ عامًا، وكنت وقتها منشغلًا بعملي مع الفريق الدولي الجيولوجي الذي أتشرف بتولي منصب مساعد رئيس له وعندما حدث ما حدث بجامعة الأزهر لم يكن لي أي دخل به فأنا موجود في أسيوط والعرض بالقاهرة، بل إن السؤال: ما دخل قيادات الإخوان أصلًا بما حدث؟! فالطلاب عندما يقيمون أي نشاط خاص بهم كالتظاهرات والمعارض فهو أمر خاص بالطلاب وحدهم وليس بقيادات الجماعة، فهل يتصور النظام مثلًا أن طلاب الإخوان عبارة عن آلات مبرمجة يخرجون عند الضغط على زر ما ويتراجعون عند الضغط على آخر؟!
وأنا قلت رأيي في العرض الرياضي في تحقيقات النيابة عندما سألني وكيل النيابة عن رأيي في العرض، فقلت له: إن العرض كان سيئًا في وقت سيئ وأنه لم يكن له أي داع، ولكن السؤال الأهم ما دخل قيادات الإخوان لماذا يتهمون بسببه؟!
بالرجوع إلى الوراء عامًا وثلاثة أشهر عندما تم اعتقالكم من منزلكم بمحافظة أسيوط هل كنت تتوقع أن يكون نهاية الأمر هو محاكمة عسكرية خصوصًا وأنها المرة الأولى التي يتم اعتقالكم فيها؟
لا: لم أكن أتوقع نهائيًا، صحيح أنني أنتظر قدومهم منذ سنة ١٩٥٤م وكان عمري حينها ١٠ سنوات وقت أن تم اعتقال والدي الشهيد عبد القادر عودة وخرجوا به ولم يعد إلينا مرة ثانية، ومنذ ذلك الوقت وأنا في انتظارهم في كل لحظة، وكنت كلما طرق أحد الباب في وقت متأخر أتوقع أن يكونوا هم، وإذا تم استدعائي في الجامعة كنت أتوقع أنهم هم من يستدعونني لكي يعتقلونني واستمر هذا الشعور معي بعد أن أصبحت معيدًا ثم أستاذًا وحتى الآن. وها هم قد أتوا بعد ٥٣ عامًا في الثانية صباحًا، وعندما تم طرق الباب كنت متوقعًا أنهم هم.
ولكني لم أكن أتخيل أبدًا أن يتم الزج باسمي في هذه القضية الكبيرة، وخصوصًا أنني مع الفريق الدولي الذي أعمل معه منذ الصيف السابق للعرض الرياضي وكنت بالنمسا ثم عملنا بجنوب مصر ولم أحضر الأسيوط سوى يوم واحد فقط لإحضار خرائط، وكان هذا هو يوم اعتقالي في ١٤ يناير ۲۰۰۷م، وأؤكد أنه لم يكن لدى النظام أي نوع من أنواع الحصافة، فهم يعلمون أنني أعمل مع فريق دولي وأننا نعمل في مشروع كبير من أجل مصر، ولكن بسبب تصرفهم هذا توقف العمل وسافر الفريق وكانت فضيحة دولية لمصر!!
ذخيرة!!
متى استشعرت الخطر في هذه القضية؟
لم أستشعر الخطر إلا عند تجديد الحبس لي للمرة الثانية في نيابة أمن الدولة، ولكن قبل هذا لم أستشعر أي خطر سواء في مكتب أمن دولة بأسيوط أو أثناء ترحيلي للقاهرة أو حتى عندما تم عرضي على نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس، وكنت مؤمنًا أنه بعد عرضي أول مرة سيتم إخلاء سبيلي فورًا، إلا أنه ومع تجديد حبسي للمرة الثانية استشعرت الخطر وأن هناك قضية كبيرة تحاك ضدنا، وشعرت هذا عندما علمت أنهم اقتحموا ۱۱ مصنعًا وشركة أنا شريك فيها في أسيوط، وتم تفتيشها والاستيلاء على أوراقها وغلق المقار الإدارية لها، وفي جلسة التجديد لاحظت أنه يقوم بتجميع الأحد عشر محضر تفتيش في محضر واحد ووضع ما جاء بها على صورة أحراز كتب عليها: المضبوطات التي ضبطت مع المتهم خالد عبد القادر عودة، بالرغم من أن كل الأحراز وجدت بالمصانع وليس في بيتي أو مكتبي، وكان ضمن هذه الأحراز ذخيرة خاصة بالخفراء بمصنع الفتح وهو ما أدى إلى اتهامي بحيازة ذخيرة!!.
إذن فلماذا تم الحكم عليكم بالبراءة بعد كل هذا التخطيط من جانبهم؟
أتصور أن هذا النظام يملك مواهب فذة في مجال التخطيط السيئ، ولا دليل على ذلك أكبر من القوانين التي يصدرونها في مجلس الشعب لتكبيل الأمة: مثل: إلغاء الإشراف القضائي وتعديل الدستور، وكل هذا من أجل مصالحهم السياسية، فهم جهزوا التهمة، وجهزوا معها من سيتم الحكم عليهم بالبراءة المحاولة إقناع الكل أن المحكمة العسكرية محكمة عادلة تحكم بالإدانة والبراءة، وهذا كله علمته من المهندس خيرت الشاطر وإخوانه وهو أنه في كل قضية عسكرية يتم الحكم ببراءة ٢٥% من المتهمين.
والنظام عندما يبرئ شخصًا مثلي يحاول حينها أن يوهم الجميع أن الباقين مدانون بالرغم من أن الكل أبرياء، وأن القضية مجرد تلفيق والمذهل أن أسباب البراءة لنا هي أسباب الإدانة لهم، وهذا أمر غريب لأن القضية واحدة، ولا يوجد أي دليل أو بينة سواء لنا أو لهم، وأصبح تقرير الضابط عاطف الحسيني لهم دليل إدانة ولي دليل براءة!!
عندما بكى القاضي
بما أنها كانت المرة الأولى لك التي تدخل فيها المحكمة العسكرية... ماذا كان انطباعك وتصوراتك؟
زملائي ممن لهم خبرة بالمحاكم العسكرية مثل المهندس خيرت الشاطر ود. محمد علي بشر، حكوا لي عن أجواء المحاكم العسكرية، وكيف أنها محاكمات هزلية، وأن الأحكام فيها تصدر دون الاعتبار لأي تهمة حتى إنك تجد عضو مكتب إرشاد يحصل على براءة وأشخاصًا عاديين اعتياديين على 5 سنوات، وحكوا لي كيف أن رئيس المحكمة لا يقبل طعنًا أو دفعًا أو نقضًا، وهنا سلمت الأمر لله، وأيقنت أننا مقبلون على بقية لسيناريو التمثيلية وأنه لا أمل، ودخلت المحكمة وأنا متصور أنها مثل محكمة جمال سالم التي حكمت على أبي الشهيد عبد القادر عودة بالإعدام. ولكني فوجئت بتغير كبير لم أكن أتخيله؛ ففوجئت باستقبال رائع من الشرطة العسكرية التي كانت تعلق الإخوان عام ٥٤ في زمن حمزة البسيوني وقد كانوا يقدمون لنا الشاي والبسكويت ويسلمون علينا ويتمنون لنا التوفيق، وفوجئت برئيس المحكمة يقول لنا في أول جلسة حيث لم يكن هناك محامون بعد كل واحد يقول اللي في نفسه، أنا جاي أسمع لكم، وذكرني بالمدرس الذي يدخل أول مرة الفصل ليتعرف على التلاميذ.
وحتى وقت تجديد الحبس لنا على يد المحكمة العسكرية المصغرة التي كانت تجدد لنا كانوا يعاملوننا معاملة طيبة جدًا، وكان بعضهم يقول لنا اصبروا، حتى إن أحد هؤلاء القضاة بكى عندما علم حكايتنا ولم تره بعد ذلك في جلسات التجديد!!
ولكن بعد كل هذا وبعد صدور مثل هذه الأحكام القاسية تأكد لنا أنهم كانوا يذبحوننا ولكن على نار هادئة وبنصل بارد. والمحكمة من الناحية الإنسانية حاولت أن تمثل دور المتفهم والمتعاون، ولكن من الناحية القانونية لم تقبل دفعًا واحدًا من أكثر من ۲۰۰ دفع، ولم يستمع رئيس المحكمة إليها أصلًا وصم أذنيه عنها!
رأي الشاطر أصح
ما الإحساس الذي تنامى لديكم مع طول الجلسات وتعاقبها؟
مع سماع شهادة عاطف الحسيني وبيان مهازلها وتوالي طلبات الدفاع والطعون بالتزوير ومقابلة هذا من قبل المحكمة بالتجاهل تنامى إلينا الشعور بأن المحكمة تسير في اتجاه محدد لها سلفًا، وأن ما حدث في المحاكمات العسكرية السابقة سيطبق علينا، وكان المهندس خيرت أكثرنا ثقة في ذلك، وحتى آخر جلسة كان يقول: لا أحد يتفاءل، وأنا كنت أعترض عليه وأقول: إن شاء الله سنخرج كلنا براءة، وكان هذا بسبب قلة خبرتي التي أقر بها اليوم بل إن الشاطر قال لنا: وصلتني معلومات بأن الأحكام من 7 إلى 3 سنوات، وكان هذا مع بداية المحاكمة وحتى قبل شهر واحد من حجز القضية للحكم عندما بلغتنا أخبار جديدة بأن الأحكام مخففة، إلا أنني أقر أن الشاطر صدق وأن توقعاته أصابت الحقيقة.
في رأيك لماذا استغرقت القضية ٧٠ جلسة إن كانت مديرة كما تقولون؟
أرى أن السبب وراء هذا العدد الكبير من الجلسات أن رئيس المحكمة والنيابة كانوا يبحثون عن أي دليل طوال هذه المدة وثق أنه لو كانت توجد أدلة لما احتاجت المحكمة إلى ۷۰ جلسة لأنها لو وجدت أدلة لكان الأمر انتهى في أقل من 10 جلسات.
من داخل السجن
بعيدا عن المحكمة ماذا كان شعوركم داخل السجن؟
أحب أن أوضح أننا لم نعان بل أهلنا هم من عانوا ونحن داخل السجن وعلى العكس، فقد كنا سعداء داخل السجن لأنها فرصة لم تعوض ولم تتح لي من قبل، وأشكر كل من شارك في إتاحتها لي أن أصادق ۳۲ من خيار الناس في مصر وأن أحيا معهم طوال عام ونصف العام، وأن نعيش طوال هذه الفترة حياة ربانية كاملة، وكانت أيامًا عظيمة لأنها كانت في طاعة الله كلها.
كان يومنا بين صلاة وعمل، فكان يومي مثلًا بين متابعة أعمالي من أبحاث علمية، واقرأ كل ما كتب عنا، وبين صلاة وقيام ليل وصيام ورياضة جسمانية وكنا نأكل بعد صلاة المغرب حتى يأكل الصائم مع المفطر وكان أغلبنا صائمًا دائمًا: لأننا كنا نتفاءل بالصيام ونحن مظلومون، وكنا نتحدث في كل شيء وترتب الدروس بل إننا كنا نتحدث بحرية لم نتحدث بها خارج السجن.
وأعتقد أنه بعد ٦٣ سنة هي سنوات عمري، فإن العام والنصف الماضيين هي أضل أيام حياتي وأحسب أن هذه الأيام سوف تكون حسن الخاتمة لحياتي وأني سألقى الله بها!!
قلت: إن أهلك هم أكثر من عانوا في هذه القضية أكثر منك.. فما معنى ذلك؟
بالطبع زوجتي وابني رضا عانيا كثيرًا في حضور الجلسات والزيارات فابني رضا لم يفوت جلسة واحدة، وزوجتي كانت تقوم بإلقاء المحاضرات في جامعة أسيوط. ثم تسافر للقاهرة لحضور الجلسات وبالرغم من كبر سنها إلا أنها حضرت معظم الجلسات، وعندما تغيبت عن إحدى الجلسات سأل عنها رئيس المحكمة وعن سبب تغيبها.
وبالإضافة لكل هذا كانا يزورانني مرتين كل أسبوع ويلبيان طلباتي بدقة، إلا أن أجمل ما في الزيارة هي زيارة حفيدي «طه» لي وكنت أحتفظ له به الشيبسي الذي يحبه والعصائر التي يحبها قبل زيارته بأيام، ومن الطريف أنه بعد خروجي وعودتي لمنزلي كان هناك استقبال حافل بالبراءة، وبعد أن جلست معه لعدة ساعات قال لي: يله روح بيتك.. وكان يقصد السجن لأنه لم يكن يعلم أن المكان الذي كنت فيه هو السجن وكان يظنه بيتي، ولكني حاولت أن أفهمه الحقيقة قدر الإمكان.
جلسة الحكم
الغموض والسرية كانا عنوان جلسة النطق بالحكم، ولم يعرف أحد. ولا وسائل الإعلام ما حدث تحديدًا.. فهل من الممكن أن تروي لنا بالتفصيل ما حدث يومها؟
في المرتين اللتين تم تأجيل الحكم فيهما لم نكن نخرج من الحبس بطرة. ولم نكن نحضر لمبنى المحكمة السماع قرار التأجيل بالرغم من أنه مثبت في الأوراق أننا كنا نحضر، ولكنهم كانوا يخرجون السيارات فارغة وتذهب من طرة حيث السجن إلى الهايكستب. حيث المحكمة ثم تعود فارغة. ولكن الأمر في المرة الثالثة اختلف حيث أخبرتنا إدارة السجن أننا سنخرج، وحتى التاسعة صباحًا لم يخبرنا أحد أنه قد تم تأجيل الحكم. وكان في الجلستين السابقتين يخبروننا بالتأجيل قبل التاسعة ونتوقف حينها عن تبديل ملابسنا، ولكن في هذه المرة ومع تأخر الخبر؛ استعددنا للخروج ثم أركبونا في السيارات في تمام العاشرة إلا ربعًا ونحن في الطريق علم بعضنا في إحدى السيارات أن الأهالي يعتدى عليهم في الهايكستب وهنا توقعنا أن الأحكام ستكون مشددة.
دخلنا قاعة المحكمة في حدود الثانية عشرة، ولكننا فوجئنا بحشد كبير من البوليس الحربي جالس داخل القاعة وضباط أمن الدولة، ثم دخل أناس يحملون أوراقًا كان من الواضح أنهم صحفيون في بعض الصحف القومية، ولم نجد أيًا من أهالينا أو محامينا وكان ذلك مفاجأة لنا. وكان الحشد كبيرًا لدرجة أن أغلب مقاعد المحكمة كانت ممتلئة وبعد أن صلينا الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، وفي تمام الواحدة إلا ربعًا دخل رئيس المحكمة، وقال الكاتب: محكمة، ثم قرأ أسماءنا والتهم الموجهة لنا كما جرت العادة في كل جلسة ولكنه لم يناد على هيئة الدفاع الخاصة بناء وقد حضرنا كلنا هذه الجلسة عدا الحاج حسن زلط المريض بالمستشفى.
النطق بالحكم
وبعد أن قال الكاتب: «بعد الاطلاع على نص المادة ٨٦ و٨٦ مكرر، شعرنا وقتها أن الأحكام مشددة، خصوصًا أن هذه المواد بالذات كنا قد طعنا في دستوريتها، ثم أكمل سرد المواد التي من المفترض أننا عوقبنا بها.
ثم قال: حكمت المحكمة حضوريًا ببراءة كل من وسرد أسماء وأرقام كل المفرج عنهم ما عدا الحاج حسن زلط.. ثم قال: غيابيًا على حسن زلط بالبراءة، وأعتقد أنه اختار البدء بالبراءة خوفًا من علو صوت الإخوة قبل أن يكمل نطق الحكم، وكنا حريصين على التزام الصمت وقت نطق الأحكام حتى النهاية لتعرف الأحكام جيدًا.
ماذا حدث بعد ذلك؟
فور انتهائه من سرد الأحكام قال: رفعت الجلسة، وخرج مسرعًا من القاعة ومن كانوا موجودين بالقاعة خرجوا جميعهم في لحظات معدودة، ووقتها كنا بدأنا في ترديد. حسبنا الله ونعم الوكيل لأكثر من ۲۰ دقيقة حتى تم وضعنا داخل سيارات الترحيلات، ولاحظنا أنه تم تصويرنا لأول مرة ونحن خارجون من القاعة بواسطة أحد الضباط برداء مدني.
ما الحديث الذي دار بينكم في رحلة العودة؟
لم نتكلم في شيء... لزمنا الصمت والمحكوم عليهم بالبراءة كانوا يبكون وكانوا يخجلون من النظر في عيون إخوانهم المحكوم عليهم، وحتى بعد وصولنا السجن لزمنا الصمت، وكنا في غاية التأثر، وكان من يصبرنا هم إخواننا المحكوم عليهم، والغريب أننا لم نجد واحدًا ممن حصلوا على أحكام بالإدانة مهتزًا أو يبكي، وكان من حصلوا على أحكام إدانة هم أكثرنا إيمانًا وصلابة وصمودًا وصبرًا وأقرب منا إلى الله وأفضل منا كثيرًا.
غرق الدلتا
بعد هذا الظلم الذي أشرت إليه، هل ما زلت مصرًا على استكمال أبحاثك، خاصة المتعلقة بغرق الدلتا وما يتعلق بالتغيرات المناخية؟
أحب أن أوضح أن موضوع التغيرات المناخية هو موضوع مهم للغاية، حتى أنني وقت التحقيق معي في النيابة سألني رئيس النيابة: هل لديك أقوال أخرى؟ فقلت: نعم فقال: ما هي؟ قلت: الدلتا سوف تغرق فتعجب الرجل، ولكني أصررت أن أسجل هذا بالمحضر.. إنني أقوم بأبحاث تثبت أن الدلتا سوف تغرق بعد ٢٠ عامًا، وأننا يجب أن نبدأ في مواجهة الخطر المحدق بناء وكان الغرض من هذا هو أن أنبه الجميع وعلى رأسهم النظام المصري للخطر المحيط بنا...
وبناء على هذا سوف أستكمل أبحاثي في هذا المجال من أجل الشعب المصري لأن هذا موضوع مصيري، بل إنني كتبت الحلول وطرحتها، وطلبت أن نبدأ فيها من اليوم؛ لأنها سوف تستغرق وقتًا طويلًا. وأرجو من الله أن يستجيب النظام وسأبعث بأبحاثي للرئيس مبارك، وأتمنى من الله أن يهتم بها.
معنى ذلك أنك تطالب بمشروع قومي من أجل حماية الدلتا؟
نعم أطالب بذلك؛ لأنه إن لم يحدث ذلك ستكون الآثار وخيمة، ويكفي أن نعرف أن الدلتا تنتج أغلب غذاء مصر.