العنوان شهيد يعدك مائة فارس>> الضحاك بن سفيان الكلابي
الكاتب الدكتور أحمد الشرباصي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1975
مشاهدات 73
نشر في العدد 253
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 10-يونيو-1975
شهيد يعدل مائة فارس
الضحاك بن سفيان الكلابي
إن الإنسان إذا لاحظته عناية الله تبارك وتعالى هدته إلى سواء السبيل وقرنته بالعمل الجليل، ورفعته الى المقصد النبيل، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وهو عز شأنه يهدى بحكمة وعلم، ويهدى بقسطاس وعدل، وهو أحكم الحاكمين.
ولقد يكون الإنسان سادرًا في غلوائه، غارقًا في شهواته وأهوائه، لم يتدبر ويتبصر، فإذا نور الحق يطمع أمامه، ويضيء أيامه، فيعتدل بعد انحراف، ويستقيم بعد اعتساف، وإذا هو -بعد أن كان أسيرًا لشهواته- يصبح طالبًا لما عند الله وحده، طامعًا لديه في تجارة لن تبور وما عند الله خير للأبرار، فيحمل روحه على راحته، ويمضي بها إلى كريم غايته، باذلًا ماله ودمه، وحسه ونفسه، في سبيل ربه الداعي إلى العزة والكرامة: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139) ولنأخذ لنا مثلًا من أمثلة هذا الطراز الكريم:
إنه الصحابي الجليل، البطل الشجاع، المجاهد الشهيد: أبو سعيد الضحاك بن سفيان بن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن عبيد بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكلابي (1)
وقد كان أحد الذين شهدوا جانبًا من عهد الجاهلية فعرفوا لهوها وسوءها، ثم استضاء بصره وبصيرته بنور الإسلام، فامتثل واعتدل، وأخذ يعيد بناء شخصيته من جديد، على أساس الإيمان:
كان يلهو بالشعر فشغله القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9) وكان يقطع فراغه بباطل القول، فأصبح يعمره بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، يتلقاه ويحفظه، ثم يرويه عنه بعد ذلك جماعة من الأعلام الكبار، أمثال سعيد بن المسيب، والحسن البصرى (۲): ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ﴾ (البقرة: 269).
وكان لا يعرف له نحو الحق رائدًا ولا قائدًا، فوجد خير رائد وقائد في شخص الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فأخلص له وغداه بنفسه، حتى كان يقوم وراء النبي متوشحًا سيفه، حارسًا لإكرم ذات بين الناس.
وكان يبذل قوته وفتوته في فنون من الصراع لا تخلص لوجه الله عز وجل، فأصبح يجلى بطولته في ساحات الجهاد، حتى صار يعادل مائة فارس، بشهادة الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، ففي فتح مكة أعطاه النبي لواء، وجعله أميرًا على بني سليم، وكانوا تسعمائة، فقال لهم رسول الله: هل لكل في رجل يعدل مائة فارس، يوفيكم ألفًا؟ (۳)
فقالوا: ومن هو يا رسول الله؟
فقال: الضحاك بن سفيان.
فقبلوا ذلك فرحين.
ولقد عقد الرسول أيضًا للضحاك بن سفيان، وجعله أميرًا على سرية فدائية إلى بني كلاب في أرض نجد. وكان ذلك في شهر ربيع الأول، من السنة التاسعة للهجرة، وهناك دعا الضحاك القوم إلى الإسلام فأبوا وتطاولوا، ووقعت بينهم معركة ثبت فيها الضحاك ومن معه ثباتًا عجيبًا. حتى انتصروا على أعدائهم. وكان معه رفيق سلاح له هو الأسيد بن سلمة الذي عرض على أبيه الإسلام فأبى، وأخذ الوالد الجاهلي العنيد يسب الإسلام سبًا فاحشًا. فغضب ولده الأصيد، وطارده حتى أوقعه من فوق فرسه، وهم بالفتك به تقديمًا لحق دينه على حق أبيه، ولكنه تردد قليلًا، مضطربًا بين عاطفتين تتصارعان في نفسه، وأنقذ الله الموقف، فأقبل أحد المجاهدين فقتل والد الأصيد (1).
ويقول ياقوت الحموي في «معجم البلدان» ما خلاصته: أن هذه المعركة كانت في موضع يقال له «زج لاوة» وهو موضع نجدي بعث إليه رسول الله صلى الله عليــــه وسلم الضحاك بن سفيان، ومعه سلمة بن قرط؛ ليدعوهم إلى الإسلام، فدعوهم فأبوا، ونشبت بينهم معركة أبلى فيها الضحاك بلاء حسنًا، ويقول العباس بن مرداس في بطولة الضحاك:
بأن الذين وفوا بما عاهدتهم
جيش بعثت عليهم الضحاكا
ولقد بذل الضحاك مع أهله وقومه المشركين جهودًا كبيرة حتى أسلموا، فجعله الرسول صلى الله عليه وسلم واليًا عليهم في نجد، وجامعًا للزكاة منهم، ونصحه بأن يكون على وعي ويقظة فيهم.
وفي السنة التاسعة للهجرة قدم وفد يمثل بني كلاب - وهم قوم الضحاك - إلى الرسول، وكانوا ثلاثة عشر رجلًا، فأكرم النبي وفادتهم وأحتفى بهم كعب بن مالك الصحابي الجليل، وأهدى إليهم، وهو الذي ذهب معهم إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فسلموا عليه بتحية الإسلام، وأثنوا على الضحاك وعلى مسيرته فيهم لله ولرسوله، وقالوا فيما قالوا: إن الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله «تبارك وتعالى»، وبسنتك التي أمرته بها، وإنه دعانا إلى الله، فاستجبنا لله ولرسوله، وإنه أخذ الصدقة «الزكاة» من أغنيائنا، فردها على فقرائنا، فسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم لذلك (۲).
وكما عمل الرسول على إبراز البطولة الكافية في نفس الضحاك، وتمكينها من أداء واجبها على أوسع نطاق، عنى بتربيته وتخريجه في الناحية الروحية والأخلاقية، فكان يلقي إليه بأحاديثه وتوجيهاته، التي أفاد منها الضحاك فوائد جليلة، نفع بها نفسه، وأرشد بها غيره.
ومن أمثلة ذلك أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال للضحاك يومًا:
يا ضحاك، ألست تؤتى بطعامك وقد قزح (۳) وملح «أي جعلت فيه التوابل الشهية» ثم تشرب عليه الماء؟
قال الضحاك: بلى يا رسول الله. فقال له النبي: فإلى ماذا يصير؟
فأجاب الضحاك: يصير إلى ما علمت يا رسول الله.
فقال له النبي: فإن الله عز وجل ضرب مثل الدنيا بما يصير إليه طعام ابن آدم.
وجاء الخبر في «العقد الفريد»، و «عيون الأخبار» هكذا:
قال النبي صلى الله عليه وسلم للضحاك بن قيس: ما طعامك؟
فقال: اللحم واللبن.
قال النبي: ثم إلى ماذا يصير؟
فأجابه: يصير إلى ما قد علمت.
قال النبي: فإن الله عز وجل ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلًا للدنيا (٤).
ولذلك روى المفسرون أن هذا المعنى هو المراد من قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ (عبس: 24).
أي فلينظر إلى أي شيء يصير هذا الطعام، فإنه بعد أن كان شهيًّا محبوبًا مرغوبًا فيه، يصبح نجاسة قذرة منتنة، لا يطيق الإنسان رائحتها، ولا يحتمل النظر إلى شكلها.
وكذلك يقول الحق جل جلاله: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (الطارق:5)
ويقول: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾) العلق: 2(.
والعلق جمع علقة، والعلقة القطعة من الدم الرطب المتجمد، وهما مما يستقذره الإنسان وينفر منه.
وهذا يذكرنا بما روى عن الإمام عبد الله بن المبارك - رضي الله عنه - حيث وقف ذات يوم متدبرًا بين مزبلة ومقبرة، فقيل له: ما وقوفك بين هاتين؟
فأجاب: أنا بين كنزين من كنوز الدنيا، فيهما عبرة: هذا كنز الرجال «وأشار إلى المقبرة» وهذا كنز الأموال «وأشار إلى المزبلة»!
ويا لها من عبرة فيها ذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.
ويذكرنا هذا أيضًا بما يروى عن أمير المؤمنين الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه، فقد رووا أنه مر على مزبلة، فقال: هذا ما بخل به الباخلون.
وفي رواية أخرى أنه قال: هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالأمس (۱)!
ونعود إلى بطلنا الضحاك لقد مضى البطل المجاهد الجسور في طريق نضاله وجهاده حتى شهد المعارك الشرسة الفاصلة التي عرفها تاريخ الإسلام باسم «حروب الردة» في عهد الصديق أبي بكر رضوان الله عليه، وفي أتون هذه المعارك نال الضحاك العظيم نعمة الشهادة في سبيل الله تعالى، في السنة الحادية عشرة للهجرة.
ومضى إلى ربه ليلقى عنده خالد الثواب وعظيم الجزاء.
رضوان الله تبارك وتعالى عليه.
الهوامش:
(١) - نهاية الأرب، ج ۲ ص ۷۱
(۲) - نهاية الأرب ج ١ ص٢٦٧
(٣) - صبح الأعشى، ج ١ ص ٤١١ . وراجع حكومته في منافرة بين جرير البجلي وخالد بن أرطاة في بلوغ الأرب للألوسي ج ١ ص ۳۰۱.
(٤) - صبح الأعشى، ج ١ ص ٤٣٥.
(٥) - بلوغ الأرب، ج ١ ص ٣٤٤ و ج٢ ص ٢٣٥
(١) - التحفة اللطيفة، ج ١ ص ٣٢٤
(٢) - انظر الأعلام، ج ١ ص ٣٤٣. وتاريخ الطبري، ج ۳ ص ٩٠ . وصبح الأعشى، ج ١ ص ٤٤٨.
(٣) - التحفة اللطيفة، ج ١ ص ٣٢٤.
(١) - انظر البداية والنهاية، ج ۷ ص ١٦٠ وبلوغ الارب، ج ١ ص ٣١٥ . وهناك رواية عن الشاطبي أن الأقرع استشهد باليرموك في عشرة من أهل بيته «التحفة اللطيفة، ج ١ ص ٣٢٤».
(١) - كتاب تهذيب الأسماء واللغات، ج ١ ص ٢٥٠.
(٢) - المرجع السابق.
(٣) - المرجع السابق.
(١) - الطبقات الكبرى لابن سعد، ج ١ ص ۱۱۷ . القسم الأول.
(٢) - الطبقات لابن سعد، ج ١ ص ٤٤ القسم الاول.
(٣) - في تاج العروس: القزح - بكسر فسكون - التابل الذي يطرح في القدر كالكمون كالكزبرة. وقزح القدر - كمنع - جعل فيها التابل.
(٤) - العقد الفريد، ج ۳ ص ۱۲۲. وعيون الأخبار، ج ۲ ص ۳۲۷.
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج ٥ ص ٤٨٢.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل