; تونس: من تحدي التكلس الاستبدادي إلى تحدي البناء الديمقراطي | مجلة المجتمع

العنوان تونس: من تحدي التكلس الاستبدادي إلى تحدي البناء الديمقراطي

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1980

نشر في الصفحة 34

السبت 10-ديسمبر-2011

  • من أكبر المطبات التي وقع فيها النظام السابق التجرؤ على المقدسات الدينية واعتماد سياسة تجفيف ينابيع التدين.. بذريعة استئصال الإرهاب والأصولية ممثلا في حركة النهضة!
  • استطاع نظام بن علي إقناع نسبة كبرى من الرأي العام داخليا وخارجيا بخطته الاستئصالية... لكن الصورة اختلفت عندما بدأت تنكشف فصول المؤامرة على هوية البلاد
  • أدى تفاعل المرونة والاعتدال مع التدين المتجذر في الشخصية التونسية إلى تكوين شخصية متميزة استعصت على الأطراف الخارجية والداخلية التي حاولت جاهدة ترويضها أو مسخها

خلال أشهر قليلة، تغير المشهد السياسي في تونس من الحديث عن مظاهر الاستبداد في نظام بن علي» ونتائجه وتداعياته، إلى الحديث عن مقتضيات بناء الجمهورية الثانية على أسس ديمقراطية، وبقدر ما أقض مضاجع العقلاء والحكماء وأصحاب الضمائر الحية في العالم حجم القمع والاستبداد اللذين شهدتهما تونس في العهد البائد، بقدر ما أبهرت التجربة التونسية الرأي العام العربي والإسلامي والدولي، إلى حد وصفها بالتجربة «الرائدة» و«التاريخية خلال محطتي الثورة وانتخابات المجلس الوطني التأسيسي.

ولعل من أكبر المطبات التي وقع فيها النظام السابق التجرؤ على المقدسات الدينية. و اعتماد سياسة تجفيف ينابيع التدين تحت مبررات شتى أهمها «استئصال الإرهاب والأصولية بخلفية محاربة طرف سياسي معارض لسياسته الاستبدادية ممثلا في حركة النهضة» التي كانت تحمل اسم حركة الاتجاه الإسلامي»، واضطرت لتغيير اسمها بحجة منع أي طرف سياسي من الاستئثار بالصفة الإسلامية التي هي ملك للجميع، وغلق أبواب توظيف الدين لأغراض سياسية.. ولئن استطاع نظام بن علي» في مرحلة أولى إقناع نسبة كبرى من الرأي العام داخليًا وخارجيًا بخطته - عبر آلته الإعلامية والدعائية الضخمة - في ظل وضع عالمي يساير ويدعم نهجه الأمني في محاربة ما يسمى بالإرهاب فإن الصورة اختلفت في مرحلة ثانية عندما بدأت تنكشف فصول المؤامرة على هوية البلاد، واستهداف الطرف الرئيس المنافح عن هذه الهوية أي الحركة الإسلامية.

واكتشف العالم حجم المأساة الحقوقية التي يعاني منها الشعب التونسي بشرائحه المختلفة، عدا تلك التي اختارت الوقوف مع النظام الاستبدادي، بل ودعم سياسته الاستئصالية، وتلميع صورته الدكتاتورية من أجل مصالح مادية وسياسية وأيديولوجية... ومن بين هذه الفئات عدد من رجال الأعمال والكفاءات من البيروقراطيين الذين اعتمد عليهم النظام السابق لإرساء دعائم حكمه المطلق، علاوة على أطراف سياسية تحمل أيديولوجية علمانية متطرفة معادية للدين وحاقدة على الدعاة إلى الالتزام بنهجه واتخاذه مرجعية دون العلمانية.

وقد أطلت هذه الفئات برؤوسها بعد الثورة تحت شعارات الحداثة والتقدمية والحفاظ على مكتسبات مرحلة بن علي الذي تخرج من مدرسة بورقيبة، الرئيس الأسبق لتونس بعد عهد الاستعمار، ورافع راية الحداثة والداعي إلى تحرير المرأة والالتحاق بركب الحضارة الغربية، في الوقت الذي أغلق فيه جامعة الزيتونة»، وشجع على الإفطار في رمضان بحجة الحفاظ على الإنتاجية التي تنخفض - حسب زعمه - بتأثير الصيام... وعندما تصدت حركة الاتجاه الإسلامي» (النهضة حاليا) لسياسة «بورقيبة» التغريبية وقد دخل خريف العمر - واجهها بسياسة استبدادية ومحاكمات جائرة كادت أن تنتهي بإعدامات بعض قياداتها، وما كادت الأمور تنفرج لبعض السنوات في عهد بن علي» حتى انقلب الوضع إلى جحيم الاعتقالات والمحاكمات وتحولت البلاد إلى سجن كبير يحكمها منطق واحد إما أنا أو الطوفان».

شعب متحضر ومرن

لقد حيرت هذه السياسة الاستبدادية الاستئصالية أولي الألباب: لأنها كانت منافية لروح التسامح والتحضر اللتين يتسم بهما الشعب التونسي نتيجة مسار التلاقح الثقافي والحضاري الذي شهدته تونس طوال تاريخها بحكم موقعها الإستراتيجي بمثابة الجسر بين المشرق والمغرب وبين أفريقيا وأوروبا.. ولذلك كانت المسحة التي صبغت المزاج التونسي يغلب عليها طابع المرونة والقدرة على التكيف والتفاعل مع المؤثرات الحضارية بمختلف مشاربها وتوجهاتها. من ناحية أخرى تطبعت الشخصية التونسية ببصمات المنهج الإسلامي القائم على الوسطية والاعتدال والواقعية، خاصة وأن تونس التي كانت تسمى «إفريقية» تعتبر من المناطق الأولى التي وصلتها موجات الفتوحات الإسلامية منذ عصر الخلافة الراشدة في عهد عثمان بن عفان ، وتأسست بها في عهد العباسيين دولة الأغالبة» وعاصمتها القيروان» التي كانت نقطة إشعاع حضاري إسلامي، اعتمادًا على المذهب المالكي الذي ساهم في نشره في شمال أفريقيا العالم أسد ابن الفرات صاحب مؤلف الأسدية»، علاوة على دور جامع وجامعة الزيتونة» في تثبيت هذا النهج.

وأدى تفاعل هاتين الميزتين المرونة والاعتدال مع نفس ديني متجذر إلى تكوين شخصية تونسية متميزة استعصت على الأطراف الخارجية والداخلية التي حاولت جاهدة ترويضها أو مسخها سواء من طرف الاستعمار أو نظامي بورقيبة» و«بن علي» وبالنظر إلى أن هذا الأخير قد انتهج سياسة علمانية استئصالية متكلسة تكبت الأنفاس وتضيق على الأقوات والأرزاق، فقد تراكمت النقمة الشعبية لتفجر في الرابع عشر من يناير ۲۰۱۱ م ثورة عارمة، كانت بمثابة ضربة البداية الإسقاط منظومة الاستبداد بكل أشكاله بإرادة شعبية قوية، ليس في المنطقة العربية فحسب بل وصل صداها إلى قلب الفضاء الغربي حيث تعالت أصوات الاحتجاج على منظومة الاستغلال والاحتكار والفساد الاقتصادي والمالي، والمطالبة بالعدالة في توزيع الثروات وثمار التنمية داخل الفضاء الغربي وبين ما يسمى بالشمال والجنوب، إذ تؤكد الإحصاءات أن ۲۰% من سكان العالم في الشمال» أساسا يتمتعون بـ ۸۰٪ من خيرات العالم وثرواته.

فشل سياسة علمنة تونس

وبقدر ما أبهرت الثورة التونسية العالم بتوقيتها وحجمها وطبيعتها السلمية بقدر ما شد انتباه الرأي العالمي المستوى الحضاري الرفيع للشعب التونسي خلال العملية الانتخابية التي تمت في الثالث والعشرين من الشهر الجاري لانتخاب المجلس الوطني التأسيسي، وقد عبر الكثير من الجهات الداخلية والخارجية عن تخوفها من فشل المسار الانتخابي نتيجة حجم الاستقطاب الذي شهده هذا البلد بين التيارين الإسلامي والعلماني، ويعود مصدر هذا التخوف إلى أن تونس تم توظيفها خلال عهدي بورقيبة» و«بن علي لتكون مخبرًا لتجربة نادرة في المنطقة العربية تتمثل في تكريس النهج العلماني على الطريقة الغربية فصل الدين عن إدارة شؤون الحكم والدولة في بلد عربي مسلم بحيث إن نجحت التجربة في بلد صغير مثل تونس، فيمكن العمل على تطبيقها على نطاق أوسع الأمر الذي يفسر وجود أعتى تيار علماني في المنطقة العربية بتونس، وبداخله شريحة من الاستئصاليين يمثلها اليوم «القطب الديمقراطي الحداثي، أساسا.

ولم يتورع أصحاب هذه الشريحة العلمانية المتجذرة والمتصلبة عن التحالف مع نظام بن علي بل دعمه في نهجه الاستبدادي المتكلس بحجة قطع الطريق على الحركة الإسلامية ممثلة أساسا في حركة «النهضة» التي اتهمت ب الأصولية الدينية» و«الرجعية والظلامية... من هذا المنطلق، كانت المعركة الانتخابية شرسة»، ولكنها ليست عنيفة بين القطب الإسلامي الذي ركز حملته على التزامه بنهج الاعتدال والعدالة والإشادة بالمثال التركي وحزب «رجب أردوغان، مقابل رفع شعار التقدمية والحداثة واحترام الحريات من طرف الخصم العلماني، وكانت الكلمة الأخيرة للشعب الذي برهن على وعيه السياسي الكبير من حيث مشاركته بكثافة فاقت كل التصورات (حوالي (٩٠) في انتخابات المجلس التأسيسي الذي سيصوغ دستورا جديدا يضع معالم الجمهورية الثانية في تونس، ومن حيث تصويته بكثافة أيضا للأحزاب التي لا تعادي الهوية الإسلامية سواء كانت تحت راية إسلامية أو كانت ذات منحى علماني ولكن لديها انفتاحا ومرونة.

واللافت للنظر أن الحزب الفائز بنسبة كبرى من الأصوات في هذه الانتخابات لم ينفك يردد بأن سياسته تقوم على مراعاة مصلحة البلاد فوق كل اعتبار حزبي، وبالتالي يدعو حزب «النهضة» الأطراف الرئيسة في الطيف السياسي إلى الوفاق، ومن بينها أعتى خصومه السياسيين، وكرر رغبته في طي صفحة الماضي فيما يتعلق بالصراعات الأيديولوجية الحزبية والنظر إلى مستقبل تونس وأجيالها الصاعدة، والارتقاء إلى مستوى التحدي الذي يمليه الواقع الجديد، وهو بناء دولة حديثة على أسس ديمقراطية تعددية تحترم التنوع، ولا يضيرها الاختلاف في المشارب والانتماءات... ويزيد الأمر إثارة وطرافة أن تتصدر لهذا التحدي - لأول مرة في المنطقة العربية حركة إسلامية أفرزتها إرادة شعبية بعد ثورة أطاحت بنظام استبدادي، وهذا يعني بداية انقلاب في التصورات والمفاهيم التي سادت إلى اليوم تحت تأثير المنظومة القيمية الغربية والتي تعتبر أن قيام الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن يتم إلا في ظل نظام علماني يفصل الدين عن شؤون الدولة والحكم.. وهكذا قدم الشعب التونسي بفضل تضحياته ووعيه تجربة رائدة في رفع تحدي التكلس الاستبدادي، وهو يراهن اليوم على مواصلة تجربته في رفع تحدي البناء الديمقراطي..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 112

99

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

الإنسان... والسحق الحضاري

نشر في العدد 434

83

الثلاثاء 27-فبراير-1979

الطريد