العنوان الشهيد هاشم الرفاعي وحوار مع قصيدته (رسالة في ليلة التنفيذ)
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1979
مشاهدات 60
نشر في العدد 431
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 06-فبراير-1979
أبتاه ماذا قد يخط بناني
والحبل والجلاد ينتظران
بهذا التساؤل.. بدأ المرحوم الشهيد الأستاذ «هاشم الرفاعي» ملحمته الرائعة «رسالة في ليلة التنفيذ».. وقبل أن أبدأ الحوار مع هذه القصيدة تحسن الإشارة إلى الخطوط العريضة لحياة الشاعر: كتب عنه الأستاذ عبده زايد: «هاشم الرفاعي ولد ونشأ في بيئة ريفية صافية لم تلوثها المدينة وإن كانت قد شهدت آثام الملوك وطغيان الاستعمار، تنفس في بيئة هواء الإسلام النقي، ونهل من معين الإيمان العذب، وارتوى من العلوم الدينية والعربية في دراسته الأزهرية والدرعمية».
أما قصيدته الغراء «رسالة في ليلة التنفيذ» فهي تصوير نابض بالحياة لأحاسيس ومشاعر الشاب المسلم المؤمن الثائر.. ورسم حي لحركة الوجدان المتصل بأحداث الأمة.. وتصوير شاخص للثورة على الظلم والطغيان، إنها حكاية شاب أغرت ثورته وطموحه الطاغوت الباغي فسجنه وألقاه في غيابة السجن، وحكم عليه بالإعدام، وفي ليلة تنفيذ حكم الإعدام، يكتب لوالده هذه الرسالة، التي بدأها بالحيرة متسائلًا عما تخطه أصابعه لأبيه البائس في مثل هذه الحال:
أبتاه ماذا قد يخط بناني
والحبل والجلاد ينتظران
هذا الكتاب إليك من زنزانة
مقرورة صخرية الجدران
ما الكلمات التي سيكتبها؟ هل يعلم أباه بموعد التنفيذ..؟ إنه حائر لا يدري كيف يبدأ رسالته، بينما كلمة الليل تلف آلامه المبرحة، والموت ينتظره في الغد.. إنه يفر من هذا كله إلى روضة القرآن حيث ينشد فيها راحته، فيمتلأ قلبه خشوعًا، ويشرق نور الإيمان في قلبه.. انظر إليه يقول:
الليل من حولي هدوء قاتل
والذكريات تمور في وجداني
ويشدني ألمي فأنشد راحتي
في بضع آيات من القرآن
والنفس بين جوانحي شفافة
دب الخشوع بها فهز كياني
قد عشت أؤمن بالإله ولم أذق
إلا أخيرًا لذة الإيمان
والشاعر هنا ككل مسلم، لا يتسرب إلى قلبه اليأس من رحمة ربه في مثل هذه المواقف العصيبة، إنه إن يئس من كل ما حوله، فإنه لا ييئس من الله، مما حول آلامه كلها إلى معاناة إيمانية لذيذة.
وما دام الإيمان قد ملأ شغاف قلبه بهذا الشكل، فإنه لا ينبغي أن يتنازل قيد شعرة عن عزة المؤمن، وإذا كان الجوع بعذابه وضناه يلجىء السجين إلى الطاعة والخنوع، فإن صاحبنا لا يستجيب لهذه الآلام، ما دام الذي يقدم له الطعام هو ظالمه، وما دام هذا الطعام لم يقدم له بصورة كريمة، يقول في ثنايا القصيدة:
شكرًا لهم، أنا لا أريد طعامهم
فليرفعوه فلست بالجوعان
هذا الطعام المر ما صنعته لي
أمي، ولا وضعوه فوق خوان
مدوا إلى به يدًا مصبوغة
بدمي، فهذي غاية الإحسان
وينتقل الشهيد هاشم الرفاعي إلى وصف السجان.. إنه يقطع أنه يقطع الصمت بين الفترة والأخرى، يطل عليه بسحنته المرعبة تارة، ويقطع عليه شروده بتحريك سلاسل زنزانته تارة أخرى.. إنه رقيب عليه، وضعه الطاغوت لهذه المهمة، لذلك فإن الشاعر لا يشعر بخصومة هذا السجان الذي يقول في وصف حركته:
والصمت يقطعه رنين سلاسل
عبثت بهن أصابع السجان
ما بين آونة تمر وأختها
يرنو إلى بمقلتي شيطان
من كوة بالباب يرقب صيده
ويعود في أمن إلى الدوران
فإذا كانت هذه هي الطبيعة الوظيفية للسجان، فلم يحقد شاعرنا عليه؟ فالمؤمن لا يفارقه صفاء نفسه حتى في أحلك الظروف، إنه لا يريد أن يضمر له العدوان؛ لأن هذا ظلم، وهو لا يريد الظلم للآخرين، كما لا يريده لنفسه، فهذا السجان الذي يرنو إليه بمقلتي شيطان، ويراقبه من كوة في الباب لا ذنب له؛ لأنه مثله مغلوب على أمره، ولأنه يحافظ بهذا على لقمة عيشه، وهو يخشى أن يتشرد أبناؤه، فلا مسؤولية عليه في سجن الشاعر، وإنما المسؤولية واقعة فقط على من يقوم بالتنفيذ ما دام لا يستطيع التمرد والعصيان، يقول واصفًا مشاعره الإنسانية المسلم نحو السجان:
أنا لا أحس بأي حقد نحوه
ماذا جنى فتسمه أضغاني؟
هو طيب الأخلاق مثلك يا أبي
لم يبد في ظمأ إلى العدوان
لكنه إن نام عني لحظة
ذاق العيال مرارة الحرمان
فلربما وهو المروع سحنة
لو كان مثلي شاعرًا لرثاني
أو عاد- من يدري- إلى أولاده
يومًا، تذكر صورتي، فبكاني
ثم ينتقل الشاعر في قطعة أخرى من القصيدة إلى الحياة خارج سجنه، فيصف مشاعر الناس، أنهم جميعًا يشاركونه الشعور نفسه وإن كتموا ذلك:
نفس الشعور لدى الجميع وإن همو
كتموا، وكان الموت في إعلاني
ثم يصف لنا حوار الذات فيما بينها وبين خواطرها.. حيث يتسرب الضعف البشري في مثل هذا الموقف الرهيب إلى الذات الإنسانية.
وتدور الوساوس الشيطانية حول هذه النفس بالندم تارة وبالتراجع تارة أخرى، يقول:
ويدور همس في الجوانح ما الذي
بالثورة الحمقاء قد أغراني؟
أو لم يكن خيرًا لنفسي أن أرى
مثل الجموع اسير في إذعان؟
هذا دمي سيسيل يجري مطفئًا
ما ثار في جنبي من نيران
وفؤادي الموارد في نبضاته
سيكف في غده عن الخفقان
والظلم باق، لن يحطم قيده
موتي ولن يودي به قرباني
ويسير ركب البغي ليس يضيره
شاة إذا اجتثت من القطعان
بهذا يصور شاعرنا ضعف النفس البشرية.. حيث تتسرب الوساوس الشيطانية إليها في المواقف العصيبة فتهون من شأن الثورة على الظلم والطغيان، وتصور له أن هذه الحياة سوف تبقى ملأى بالشرور والآثام ولن يفيد المجتمع من موته أو موت غيره، حيث سيستمر ركب الطاغوت في مسيرته، لا يضره موت فرد واحد أبدًا، ولن يعود عليه استشهاد هذا الشهيد بما يضير، بيد أن نوازع الإيمان سرعان ما تستيقظ في نفسه منيرة له الطريق ليقول:
هذا حديث النفس حين تشف عن
بشريتي.. وتمور بعد ثوان
وتقول لي: إن الحياة لغاية
أسمى من التصفيق للطغيان
أنفاسك الحرى وإن هي أخمدت
ستظل تغمر أفقهم بدخان
وهنا تؤوب نفسه.. وتنقشع وساوس الشي سيطان عنه.. إن اندفاعه نحو الشهادة في سبيل الله لن يكون رخيصًا أبدًا، فدمه الذي يراق لا بد وأن يدفع من يرقه ثمنه في الغد، وتضحية لا بد وأن تؤتي ثمارها في الغد القريب أو البعيد، وهذا حسبه، فلقد أدى رسالته وانصرف، وليس يهمه بعد ذلك أن يذكر أو ينسى أو يتهم في صفحات التاريخ بالتآمر، فالمهم أنه قد ثار لئلا يعيش ذليلًا، وأقدم على الشهادة في سبيل الله لينير لأمته الطريق وها هو ذا يلقى الموت عزيزًا كريمًا، يقول:
أنا لست أدري هل ستذكر قصتي
أم سوف يعروها دجى النسيان؟
أو أنني سأكون في تاريخنا
متآمرًا أو هادم الأوثان؟
كل الذي أدريه أن تجرعي
كأس المذلة ليس في إمكاني
لو لم أكن في ثورتي متطلبًا
غير الضياء لأمتي لكفاني
أهوى الحياة كريمة لا قيد لا
إرهاب لا استخفاف بالإنسان
فإذا سقطت سقطت أحمل عزتي
يغلي دم الأحرار في شرياني
وعلى الرغم مما يجول بخاطر الشاعر من أشجان، وما يصطرع في نفسه من أفكار، فإنه لا ينسى والديه اللذين أرضعاه العزة والكرامة، بل يحاول أن يضع في قلبيهما اطمئنانًا بأن هذا الحبل الذي سيشنق بواسطته ليس من صنع أبناء هذه البلاد، ولعل في هذا المعنى رمز يشير إلى أن مؤامرة اغتيال المسلم أو إعدامه، إنما هي مؤامرة ذات خيوط أجنبية بحتة، يقول مخاطبًا والده:
ليكن عزاؤك أن هذا الحبل ما
صنعته في هذه الربوع يدان
نسجوه في بلد يشع حضارة
وتضاء منه مشاعل العرفان
أو هكذا زعموا.. وجيء به إلى
بلدي الجريح على يد الأعوان
وفي ختام القصيدة يترك الشاعر الفنان للأماني المشرقة بالأطلال، فهو مؤمن بنصر الله إن عاجلًا وإن آجلًا، فالحق يعلو ولا يعلى عليه، ولا بد من أن تنتصر شريعة هذا الدين على شرائع القراصنة والطواغيت، وعندئذ يتمنى لقاء الشهادة مع والديه، في ظل عدالة الله التي لا تعرف الظلم، يقول:
هذا الذي سطرته لك يا أبي
بعض الذي يجري بفكرعان
لكن إذا انتصر الضياء ومزقت
بيد الجموع شريعة القرصان
فلسوف يذكرني ويكبر همتي
من كان في بلدي حليف هوان
وإلى لقاء تحت ظل عدالة
قدسية الأحكام والميزان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل