العنوان الحصار المفروض على الدول: تعذيب للشعوب لا عقاب للأنظمة
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1999
مشاهدات 67
نشر في العدد 1363
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 17-أغسطس-1999
لقد أثبتت تجارب الحصار والمقاطعة التي تتزعم الولايات المتحدة الأمريكية فرضها على بعض الدول العربية والإسلامية أنها لا تؤدي إلا إلى تعزيز الأنظمة الحاكمة على حساب الشعوب التي تظل تعاني من الاضطهاد والتجويع والتنكيل، وسواء صحت الادعاءات التي تبنى عليها قرارات الحصار أو المقاطعة أم لا، فإن الملاحظ في كل الحالات أن الحصار يؤدي بالإضافة إلى المعاناة الاقتصادية، إلى تراجع كبير في احترام الأنظمة في الدول المحاصرة لحقوق الإنسان وكذلك إلى تهميش شديد للحريات المدنية.
لا يكتوي بنار المقاطعة الاقتصادية في كل الحالات سوى عامة الناس دون أن يؤثر ذلك على النخبة المستأثرة بالحكم والمحتكرة لما هو متوافر في البلد المحاصر من موارد، ولو أردنا أن نضرب مثلًا بالحالة العراقية، نجد أنه في الوقت الذي يعاني فيه ملايين الناس من الحرمان، لدرجة أن قضى كثير منهم نحبه جوعًا أو مرضًا يستمر النظام العراقي في هدر الأموال تشييدًا للقصور وترسيخًا لوسائل وأجهزة القمع الجماعي وما ينطبق على العراق ينطبق بنسب متفاوتة تزيد أو تقل على غيره من الأقطار المحاصرة جزئيًا أو كليًا، ومنها على سبيل المثال ليبيا التي لم يضعف الحصار المفروض عليها النظام رغم أنه هو المقصود بالعقاب بقدر ما تسبب في تفاقم الأوضاع المعيشية لعامة الناس، وفي تصاعد مستمر في انتهاكات حقوق الإنسان.
إن النتيجة المباشرة للحصار في كافة الحالات في مبادرة السلطات الحاكمة في البلد المعاقب إلى تقليص مخصصات الجمهور من موارد الدولة المتاحة على الأقل بالقدر الذي يسمح بالحفاظ على نفس المستوى المعيشي الذي يتمتع به القائمون على الحكم ومن حولهم من بطانة، ومن يستندون إليهم في الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهذا من شأنه أن يزيد الثري ثراء في الوقت الذي يزداد فيه الفقراء فقرًا وتتلاشى بالتدريج الطبقة الوسطى حتى ينعدم وجودها. لم يمنع الحصار في أي من الدول المعاقبة النخب الحاكمة من الاستمرار في الإثراء واكتساب المزيد من الصلاحيات والسلطات على حساب المواطنين الذين لا يجدون ما يسد جوعهم، أو يعالج أمراضهم، أو يؤمن حياتهم، أو يحمي حقوقهم.
في مثل هذه الأجواء من المقاطعة وما ينتج عنها من حرمان للعامة والتضييق عليهم في المعيشة تزداد سطوة الأجهزة الأمنية للحيلولة دون توجيه أي نقد للكيفية التي تدار بها البلاد في ظل الحصار، أو الأسلوب الذي تهدر به الثروات، ولا يسمح بالتعبير عن الألم الذي يسببه تردي الأوضاع الاقتصادية، يقتضي بطبيعة الحال الحد من حرية الصحافة وتحريم التجمعات، وفرض قيود على السفر وعلى ممارسة النشاطات الثقافية بكافة أنواعها، وتغص السجون بالمشتبه في معارضتهم للنظام، والذين يفقدون حقهم في المحاكمة العادلة وفي الدفاع عن أنفسهم بسبب انعدام سيادة القانون.
بالإضافة إلى ذلك، ثمة ما يشير إلى وجود علاقة عضوية بين الحصار والتدهور الأمني الحاصل في مجتمعات الدول المحاصرة بسبب تنافس مراكز القوى المتصارعة على النفوذ في استلاب ما تقع عليه أياديها من ثروات وسلطات الأمر الذي يحولها إلى ما يشبه العصابات أو «المافيا» ويشجعها في غياب سيادة القانون وآليات المسالمة الشعبية على ممارسة جرائم الاغتيال والاختطاف..
ولعلنا نجد علاقة عضوية أخرى بين الحصار وتزايد أعداد اللاجئين الاقتصاديين والسياسيين المتدفقين على دول الجوار والمهاجرين إلى الغرب من البلدان المحاصرة بحثًا عن لقمة العيش التي حرموها أو عن الكرامة الإنسانية التي جردوا منها بسبب ما يتعرضون له في بلدانهم المحاصرة من تجويع وتضييق، بل تكاد أعداد المهاجرين من الأقطار المحاصرة تكافئ أعداد المهاجرين من مناطق الحروب والنزاعات.
ما من شك في أن التدخلات الأجنبية هي سبب البلاء، فهي التي أدت بالأنظمة الدكتاتورية ودعمتها وحافظت على وجودها وقوضت في سبيل ذلك كافة التوجهات الديمقراطية في المنطقة العربية بأسرها، ولا ادل على ذلك من أنه رغم ما یكتسي به الخطاب الأمريكي من حلل الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فقد ظلت السياسة الأمريكية بشكل خاص والغربية بشكل عام حتى الآن ضد التوجهات الديمقراطية في المنطقة، كما لو كان خيار الديمقراطية هو الأكثر إضرارًا بمصالح القوى الأجنبية.
إن المطلوب من القوى الغربية إذا أرادت الاستقرار للمنطقة حماية لمصالحها وتمهيدًا لمستقبل أفضل تسود فيه علاقات التفاهم والتبادل والتعاون بين الشعوب أن تنأى بنفسها عن التدخل في شؤون الدول الأخرى، وأن تترك المجال للتحول الذاتي نحو الديمقراطية.