العنوان داء ينخر المجتمعات: الرشوة.. واستغلال النفوذ
الكاتب المهدي المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1989
مشاهدات 50
نشر في العدد 904
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 14-فبراير-1989
· ما تعلنه المحاكم أو الجهات الرسمية من أرقام ونسب حول قضايا
الرشوة وتزايدها يجب أن يقرأ بتحفظ لأن الأرقام الحقيقية أضعاف ما يعلن.
· التعقيدات الإدارية والروتين بالمصالح والإدارات الحكومية تشجع
على الرشوة.
· انتشار الرشوة سببه البعد عن المنهج الإسلامي وضعف العقيدة
وضعف الإيمان.
· بدون أخلاق وبدون ضمير حي وبدون وازع ديني لا يمكن للجهود
المبذولة للقضاء على الرشوة أن تؤدي إلى النتائج المرتقبة.
· الرشوة جريمة لا تترك أثرًا دالًّا عليها ولا يمكن أن تظهر إلا
بالتبليغ عنها.
ظاهرة الرشوة ليست جديدة فقد عرفتها كل الأزمان
والعصور وليست مقصورة على مجتمع دون آخر أو على فئة دون أخرى، وإذا وجدناها متفشية
في كثير من المجتمعات النامية فلا يعني ذلك أنها معدومة في المجتمعات المتقدمة،
غير أن الحديث عن الرشوة واستغلال النفوذ تزايد في مجتمعاتنا العربية عمومًا في
السنوات الأخيرة بصورة ملحوظة مما يدل على استشراء هذا الداء وبلوغه حدًّا خطيرًا
يهدد المسيرة الاقتصادية لهذه المجتمعات، ويعكس فيما يعكسه خللها وجوانب القصور
فيها لكن الأخطر من ذلك ما تحدثه جرائم الرشوة بتفشيها وانتشارها، من استبدال
للقيم حيث تحل قيم «الشطارة» و «الفهلوة» و «الوصولية» و«المغامرة» بدلًا من «الأمانة» و«العمل»
و«الإخلاص» و«الكفاءة» ومن هنا كان لا بد من إطلاق إشارات الخطر تنبيهًا وتحذيرًا.
جبل
الثلج
جرائم الرشوة التي تصل إلى المحاكم وينكشف أمرها
محدودة ومعدودة، ولكن جرائم الرشوة الموصوفة تحت عناوين كثيرة «كالهدية» و«العمولة» و «السمسرة» وما إلى ذلك والتي تقع يوميًّا لا حصر لها ولا عد، وجرائم
الرشوة التي يفتضح أمرها وتتحدث عنها الجرائد والمجلات وتصبح حديث النوادي
والمجالس ما هي إلا تلك الجرائم الخطيرة التي يقوم بها كبار الموظفين والمسؤولين،
ولكن قبالة هذه الجرائم الكبيرة توجد مئات الرشاوي بل الآلاف التي يقوم بها الصغار
والتي تبقى داخل حيز ضيق لا يعلم بها إلا من كانوا على صلة مباشرة بالمتورطين
فيها، وما أقل جرائم الرشوة التي ينكشف أمرها بالنسبة لما هو موجود فعلًا ولكنه
غير منظور. إن طبيعة الرشوة تجعل منها مخالفة غير منظورة لأن كلًّا من الراشي
والمرتشي له مصلحة في إخفائها. إن الرشوة إذن هي أشبه بجبل الثلج الذي لا يظهر منه
إلا ثلثه فوق سطح الماء.
وبناء على ذلك فإن ما تعلنه المحاكم أو الجهات
الرسمية من أرقام ونسب حول قضايا الرشوة وتزايدها يجب أن يقرأ بتحفظ، وأن ينظر
إليه على أنه من المؤشرات لا غير؛ لأن الأرقام والنسب الحقيقية أضعاف ما يعلن
ويدون في التقارير الرسمية، وإذا قال جهاز «مكافحة العبث بالأموال العامة» في مصر مثلًا في آخر إحصائية إن جرائم الرشوة المضبوطة زادت بنسبة 60% في
السنوات العشر الأخيرة فعلينا أن نتقبل حجم الزيادة الحقيقية لهذه الجرائم.
لماذا
يرتشون؟
لا يمكن تفسير ظاهرة تفشي الرشوة بأسباب اقتصادية
بحتة أو سياسية أو اجتماعية أو بتعقيدات إدارية أو انحرافات سلوكية نفسية؛ لأن كل
هذه العوامل مجتمعة وراء اتساع رقعة الارتشاء، وحيثما كان هنالك قصور أو خلل أو
أزمة ظهرت الرشوة وكأنها عرض لأكثر من مرض، ولكن مهما تكن دوافع الرشوة فإن كل
مرتشٍ كبيرًا كان أو صغيرًا إنما يلجأ للرشوة لضعف في الأخلاق وانحسار في الوازع
الديني وخلط في القيم يساعد عليه النظام الاجتماعي والاقتصادي السائد. إن المرتشي
يريد تحقيق مآربه المادية من أقصر السبل وهو يتصف بالجشع والأثرة والأنانية حيث لا
يراعي مصالح الآخرين، ثم إنه إذا ذاق طعم الرشوة مرة تلو مرة وكل ممنوع مرغوب كما
يقال ووجد كل الظروف التي تحيط به تشجع على الارتشاء انغمس في هذه الجريمة وأصبح
له تبريراته لها ولم يعد يستحِ منها، ومن لا يفعل مثله يصبح في نظره غبيًّا
ومتخلفًا لا يعرف من أين تؤكل الكتف.. وفي نطاق تبريره لما يقوم به تصبح الرشوة
عمولة مستحقة أو هدية لا ترفض أو ترد، وهكذا يستمر المرتشي على نفس الحال، وينتهي
بمغالطة نفسه وبإقناعها بأن ما يقوم به ليس إثمًا ولا عارًا بل هو حق مكتسب، وهنا
تدخل العوامل الاقتصادية لتساعد على قلب المفاهيم والقيم وتبرير الرشوة في نظر
المرتشين والراشين على حد سواء.
يقول لك بعض المرتشين إننا نفضل الرشوة على أن
نشحت أو نمد أيدينا لا سيما وأن الأسعار في تصاعد مستمر وهي تضغط على الأنفاس،
والرواتب تتناقص قيمتها الشرائية بفعل التضخم، ويقول أحد صغار الموظفين الذين
انزلقوا إلى الرشوة «كيف أطالب «باستقامة البلهاء»!! وراتبي لا يفي بالقليل من حاجاتي وأنا أرى في نفس الوقت الكثير
من الموظفين الكبار والصغار يصرفون من الأموال على أولادهم وزوجاتهما وبيوتهم ما
لا يصدق أحد بأنه من مدخراتهم الرسمية المعروفة؟» ومن جهة أخرى نلاحظ أن فضائح الرشاوي الكبيرة يكون لها مردود
عكسي، إذا لم تكن الحكومات جادة في القضاء على آفة الرشوة ومحاصرتها بكل الطرق؛ إذ
يجد صغار الموظفين في رشاوي كبار المسؤولين والمتنفذين تبريرًا لرشاويهم الصغيرة
ما دام كل واحد ينهب من المال العام أو من الآخرين على قدر استطاعته وعلى قدر
نفوذه.
البيروقراطية
وغياب الديمقراطية.. والرشوة
هناك شبه إجماع لدى المهتمين بهذه القضية على أن
التعقيدات الإدارية والروتين بالمصالح والإدارات الحكومية تشجع على الرشوة
وانتشارها بين الموظفين لا سيما إذا كان المناخ العام في البلاد هو نفسه يشجع على
هذه الآفة فيتراخى الموظفون في قضاء المصالح والإجراءات حتى يحصلوا على رشاوي، وفي
بعض المصالح التي يكثر عليها الازدحام والمعروفة بكثرة إجراءاتها كالمحاكم
والجمارك تصبح الرشوة كأنها بند من بنود المعاملة، وأي متعامل يخل بهذا البند
تتعطل معاملته، والرشوة المكتبية- إن صح التعبير- ليست دائمًا رشوة بسيطة، بل في
كثير من الأحيان تصبح رشوة مركبة بمعنى أن كثيرًا ما يصحبها تزوير أو تغطية حقائق،
کإدخال الأطعمة المستوردة الفاسدة على أساس أنها سليمة وصالحة للاستهلاك الآدمي،
أو إصدار تراخيص البناء أو الهدم التي لا تستوفي الشروط المطلوبة ولا تنطبق عليها
القوانين واللوائح المعمول بها أو الموافقة على الصفقات والعطاءات لمن يقدم أفضل
الرشاوي، وفي مثل هذه الحالات تكون الجريمة أخطر على المجتمع وعلى اقتصاد البلاد،
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما سمي بالرشوة الكبرى في مصر تلك الرشوة التي هزت
الأوساط السياسية والاقتصادية المصرية، والتي تورط فيها حوالي عشرين شخصية من
بينها وكلاء وزارة ومسؤولون كبار في وزارة الصناعة باعوا ذممهم في سبيل الحصول على
رشاوي قدرت ب 5.5 ملايين جنيه.
وهذه القضية تتعلق بلجنة البت في
مشروع إقامة مصنع كبير للورق، حيث حاولت لجنة البت هذه إرساء العطاء على شركة
ألمانية قدمت أفضل الرشاوي لا أفضل العروض لإقامة المصنع المذكور، ولكن إذا
استطاعت الجهات المختصة فضح هذه العملية فكم من عملية مثلها وليس في مصر وحدها تمت
في صمت دون أن يعلم بها أصحاب الحق الشرعيون المستغفلون من أبناء شعوبنا الكادحة
والدافعة لضريبة العرق والجهد علاوة على الضرائب الأخرى؟ ونتساءل لماذا يقع ذلك
ولا نجد من جواب سوى غياب الديمقراطية بمعناها الحقيقي، أي بمعنى حق الناس في
اختيار الأصلح والأفضل والأكثر أمانة وحق الناس في الدفاع عن مصالحهم بالوسائل
المشروعة وحق الناس في الإعلام بكل ما يجري ويحدث وحق الناس في العدل، أي أن يعطى
كل ذي حق حقه وأن يقدر المؤمن على أداء الأمانة وأن يعاقب المذنب على ما اقترفت
يداه وعلى قدر إجرامه في حق المجتمع وهنا سيأتي دور الحكومة والدولة.
ما
الحل؟
لا يكفي أن تسن القوانين الزاجرة وتثبت الأحكام
القاسية الغليظة بخصوص جريمة الرشوة، فحتى هذه الأحكام يمكن دفع رشوة لإبطالها
وعدم تطبيقها أو لعدم إثبات الجريمة نفسها، ونحن نعرف أن كل القوانين الجنائية تنص
على عقوبات للراشي والمرتشي بعضها يصل إلى عشر سنوات سجنًا أو أكثر، ومع ذلك ما
زالت الرشوة سائدة في مجتمعاتنا بل تزداد استفحالًا سنة بعد أخرى؛ مما يؤكد أن ترك
أمرها للمحاكم لا يكفي لتضييق الخناق عليها ومحاصرتها، وحتى النصوص الشرعية
المعروفة والتي سبقت بكثير قوانيننا الجنائية لم تعد رادعة لأولئك الذين أعمتهم
الرشوة.
يقول الله تعالى في محكم آياته: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا
أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ
لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188).
وفي حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش»، والرائش هو الوسيط بينهما.
ولا يمكن أن نستنتج من هذا التحريم الواضح لعملية
الرشوة- بل التحريم لمن يقوم بها من جهة وانتشار هذه الآفة من جهة أخرى- سوى البعد
عن النهج الإسلامي وضعف العقيدة وضعف الإيمان، والتعدي على الحدود والتنصل من
الأخلاق الحميدة ومن ضمنها الأمانة والنزاهة والتمسك بالحق والعدل وترك الجشع
والطمع وكل مال حرام، ولذلك فإن أهم خطوة على طريق الحل هي إعادة تربية النشء على
الفضيلة والخلق الحميد وغرس مكارم الأخلاق في الناس وتقوية الوازع الديني لديهم،
وبدون أخلاق وبدون وازع من الداخل لا يمكن لأي جهد نبذله مهما كان كبيرًا لحل هذه
المشكلة أن يؤدي إلى النتائج المرتقبة، وبعد ذلك علينا أن نعمل على توعية الجماهير
بخطورة هذه الآفة ومضارها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، حيث يسهم كل فرد
بدوره في القضاء عليها لا سيما وأن الرشوة جريمة لا تترك أثرًا دالًّا عليها، ولا
يمكن أن تظهر إلا بالتبليغ عليها وبدون التبليغ عليها ليست هنالك جريمة، ونحن
نتساءل: لماذا تشن الحملات ضد المخدرات والمسكرات وضد الكثير من مظاهر الانحراف
ولا تشن حملات ضد الرشوة واستغلال النفوذ لتعريف الناس بخطورة هذه الآفة
الاجتماعية؟ ولمَ لا تساهم وسائل الإعلام في هذه الحملات لتبصير المواطنين بحقوقهم
وواجباتهم وتبصير المواطنين بأن أقصر طريق للسجن هو الرشوة؟
لقد ذكرنا أن الرشوة ما هي إلا ظاهرة وعَرَض
لأكثر من مرض، وبالتالي إذا شئنا الحد منها أو القضاء عليها فلا بد من العمل بجد
لمعالجة الأمراض الأساسية، وفي هذا الخصوص يقترح على سبيل المثال:
· القضاء
على الروتين الإداري وتبسيط الإجراءات لقضاء مصالح الناس.
· تشديد
الرقابة على الأموال العامة وطرق صرفها والحد من السلطات الواسعة المخولة لبعض
الموظفين.
· تخفيف
الأزمات التي يعاني منها المواطنون كأزمات السكن وأزمات النقل وأزمات البطالة
وغيرها.
· تطبيق
القوانين الزاجرة على كبار المرتشين قبل صغارهم، وعدم استغلال فضائح الرشوة لأغراض
سياسية أو شخصية.
· تطبيق
الديمقراطية شكلًا ومضمونًا وإشاعة روح الثقة بين المواطنين وأصحاب السلطة.
ويبقى أخيرًا الحكم الفيصل في هذه القضية الضمير
الحي الذي يرفض المال الحرام ولا يقبل بالرشوة، وينأى بنفسه عن مزالقها تعففًا
وإخلاصًا لوطنه واتباعًا لدينه وبدون ذلك تبقى كل الجهود دون فائدة تذكر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل