; المجتمع التربوي (1154) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1154)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1995

مشاهدات 102

نشر في العدد 1154

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 20-يونيو-1995

وقفة تربوية 

انتبه قبل فوات الأوان

عندما ينتقل الإنسان من عالم الضلال أو الغفلة إلى عالم الإيمان والعلم، ويغترف من معين العلم الذي لا ينضب، تصاحبه بعض الأحيان شهوة الإجابة عن كل ما سأله عوام الناس، خاصةً وهو يرى البون الشاسع بين ثقافته وثقافتهم، وعلمه وعلمهم، ويزداد هذا الشعور عندما يتوغل بالعلم، ويأخذ شهادة فيه من شيخ أو جامعة، ويصبح من الصعب على بعض الدعاة أن يعتذر عن الإجابة أو يقول لا أعلم، وينسى أن فوق كل ذي علم عليم، وينسى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-

"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" وعندما يصل إلى هذه الدرجة، فقد ابتدأ السير في منطقة الخطر، والذي قد يصل به إلى ما لا تحمد عقباه، إذا لم يتنبه ويتواضع لله تعالى، وهذا هو دأب الداعية الرباني، فإنه إن زل يومًا راجع نفسه فاستيقظ، ومما يرويه إبراهيم الحربي عن مقاتل بن سليمان أنه قعد يومًا بين الناس فقال سلوني عما دون العرش؟ فقال له رجل آدم عليه السلام حين حج من حلق رأسه؟ فانتبه عندما سمع مثل هذا السؤال، فقال له: ليس هذا من علمكم ولكن الله تعالى أراد أن يبتليني لما أعجبتني نفسي(١) 

فعلى الداعية أن ينتبه لتزيين الشيطان له علمه، وأن يتواضع ولا يدعي علم ما لم يعلم، وأن من تواضع لله رفعه، يقول أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة "أريدوا بعلمكم الله تعالى، فإني لم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه التواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى افتضح".(٢)   

 أبو بلال 

١-(وفيات الأعيان ٢٠٥/٥)

٢- بستان العارفين، ص (۸).     

الهجرة النبوية، دروس وعبر

بقلم: أسامة جاسر الأغا

كلما يهل علينا هلال شهر محرم باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ويبدأ عام هجري جديد تعود بنا الذاكرة إلى تلك الرحلة التاريخية، رحلة التحول في تاريخ البشر من الضلال إلى الهدى ومن الظلمات إلى النور، ورحلة التحول في تاريخ المسلمين أيضًا، إذ كان المسلمون قبل الهجرة أمة تدعو الناس دون كيان سياسي يحميهم، ولكن تكونت دولة الإسلام بعد الهجرة لتدعو إلى الله بالحق والرحمة.

وفي هجرة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- من الأحداث ومن الوقائع ما امتلأت به بطون الكتب، وما أفاض فيه المحدثون والخطباء، وفيها كذلك من الدروس والعبر ما لا ينقضي كشفه وما لا تنتهي معرفة سره، وسبر غوره.

 ومع إطلالة عام هجري جديد على المسلمين كافة، نعيش مع الهجرة النبوية والدروس والعظات المستفادة، في محاولة جادة لإلقاء مزيد من الضوء على هذا الحدث العظيم.

أولًا: أول درس نستفيده من الهجرة هو موقف الخليفة الراشد على بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه، عندما فدى رسول الله محمدًا بحياته، وجعل روحه فداء له، حين بات ليلة الهجرة على فراشه -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن وجوده في فراش رسول الله للتمويه فقط، فقد كان من المحتمل الكبير أن تهوي سيوف الكفار على رأسه فتقتله، وهذا من تضحية الجندي الصادق المخلص للنبي القائد، والشيء الآخر الملفت للنظر هو صغر سن سيدنا علي في ذلك الوقت، وهذا درس نعلمه لصغارنا حيث نزرع في نفوسهم روح التضحية والفداء منذ الصغر، وهذا شيء نتمثله جليًا في عصرنا الحاضر عند أطفال الحجارة في فلسطين، وشاهدناه في أفغانستان وغيرها.

  وفي تخطيط رسول الله للنجاة من تآمر المتربصين درس آخر لتفكير قائد الدولة، وهذا لا يعتبر جبنًا أو هروبًا، وإنما هو مخطط لاستئناف حركة الدعوة في ميدان آخر.

 ثانيًا: كان في هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- درس تستفيده نساء المسلمين، وتعلمه لبناتها، وهو ما يتمثل في موقف أسماء بنت أبي بكر الصديق حين تعرضت لصنوف التنكيل من كفار قريش، وكانت على أهبة الاستعداد للموت فداء لدين الله، وما أحاط بموقفها من دروس الشجاعة والسرية لنصرة الدعوة الإسلامية الناشئة في ذلك الوقت.

ثالثًا: كان الشعور بمعية الله تعالى من أهم الدروس المستفادة من هجرة رسول الله كله، ويتضح هذا في قصة الغار بقلم جاسم الله ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾. (سورة التوبة 40)

يقول الشيخ عبد الحميد البلالي: والشعور بمعية الله تعالي من أهم الصفات التي يتحلى بها الداعية، ولولا هذه الصفة ما جرؤ داعية أن ينطق بالحق أمام طاغية، وأنى له الجرأة، وهو لا يشعر بأن القوة المطلقة معه أمام قوة هزيلة مخلوقة لا حول ولا قوة، ومعية الله تعالى كانت مع سيدنا موسي عليه السلام وسيدنا هارون عليه السلام مقال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى، وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام عند البحر ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ  قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾  (سورة الشعراء:61-62)

 ومع رسول الله وصاحبه الصديق كان مشهد عظيم من معية الله لأنبيائه ولعباده الصالحين عندما اضطرب أبو بكر الصديق لسماعه  وقع أقدام المطاردين المشركين، وزاد اضطرابه عندما رأى أقدامهم، وسمع أصواتهم، وتملكه الخوف البشري، وقال لرسول الله: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأ بصرنا، فقال له رسول الله بكل ثقة واطمئنان: لا تحزن إن الله معنا، ما ثقتك باثنين الله ثالثهما؟! لتصبح هذه الكلمات درسا لجميع الدعاة، وقولًا يحتذى به عندما تدلهم الأمور، ويزداد حجم الباطل، وهكذا كان الله مع رسوله في بداية دعوته عند الغار، عندما عميت أبصار المشركين عن رؤية رسول الله وصاحبه، كما عميت عندما خرج من داره بمكة، ولنا في نسيج العنكبوت وتفريخ الطير على فم الغار آية للعناية الإلهية.

    وهكذا تسير دعوة الإسلام بمعية الله تعالى، فمن يتوكل على الله فهو حسبه، ومن يعتصم بحبل الله يهدى إلى صراط مستقيم ومن نفس مشهد الغار، وما تحمله هذه المعاناة من دروس تتضح في خوف أبي بكر الصديق  أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من صدق وآمن برسالة الإسلام، عندما عبرت مشاعره عن حرصه على بقاء دعوة الإسلام، والخوف عليها من كيد الحاقدين، وهو يعلم تمام العلم أن المشركين لو رأوه لقتلوه، ولكنه الفداء والتضحية لدين الله، وهي مسيرة الصادقين التي تحيط بها الأشواك، ويحدق بها الأخطار

رابعًا: بعد نجاة الرسول الكريم والصديق من كفار قريش عند الغار، استمرا في طريقهما إلى المدينة، وفي الوقت نفسه استمر الكفار في البحث عن قائد هذه الدعوة ومؤيده الأول، لتتبين لنا معالم الصراع بين الحق والباطل المستمرة حتى قيام الساعة، ونرى سراقة بن مالك وهو يبحث عن الرسول وصاحبه ليقبض عليهما، فينال الجائزة الكبرى من أسياده، ولكنها العناية الإلهية تتدخل فتسيح قوائم فرس سراقة في الرمل كلما حاول الاقتراب من الرسول الكريم لإلقاء القبض عليه، ويفشل سراقة وتظهر معجزة أخرى على نبوة محمد، وينظر سراقة بعين الإعجاب إلى نبي هذه الأمة، ورغم الخطر المحدق برسول الله إلا أنه لم يتوان في دعوة سراقة إلى الإسلام، بل زاد على ذلك بأن وعده بسواري کسری ويزيد عجب سراقة أألبس سواري كسرى ملك الفرس، وكانت إحدى أقوى دولتين في ذلك الزمان، وتمضي السنون، وتفتح بلاد فارس في عهد عمر بن الخطاب ليطالبه سراقة بإنفاذ وعد رسول الله، ويلبس سراقة السوارين أمام عمر والصحابة ليقول عمر الحمد لله الذي سلب كسرى سواريه وألبسهما سراقة الأعرابي.

 خامسًا: أقام رسول الله-صلى الله عليه وسلم- الدولة الإسلامية في مدينة يثرب، وهي المدينة التي استقبلته بالفرح والترحاب وهكذا تظهر البشائر على وجوه المؤمنين، اعترافًا بفضل الله عليهم ثم بفضل رسول الله حيث خرجوا من الظلمات إلى النور، وكان أبرز ما فعله رسول الله حين وصل المدينة المنورة هو بناء المسجد، ليؤكد على أهميته في الإسلام، والذي أصبح في عصرنا مكانًا تقام فيه الصلوات لدقائق معدودة، ثم يغلق انتظارًا للصلاة القادمة، وكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار دلالة على الأخوة بين المؤمنين، وتأكيدًا على الوحدة بينهم في كل عصر وفي كل مكان، كان هذا مع المؤمنين أما اليهود فقد كان موقفهم مختلفًا حيث اتسمت تصرفاتهم بالحقد والبغض والكراهية.

  لقد كانت الهجرة النبوية نقطة انطلاق مهمة في تاريخ الإسلام، بل في تاريخ البشرية، فلا غرو أن ترى الصحابة يجمعون في السنة السابعة عشرة للهجرة، وفي عهد عمر بن الخطاب على أن يبدأ التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة النبوية لأنها كانت أعظم حدث في تاريخ الإسلام.

النافذة التربوية 

من تواضع الماء!!

كان عند عمر بن عبد العزيز قوم ذات ليلة في بعض ما يحتاج إليه فغشي سراحه، فقام إليه فأصلحه، فقيل له يا أمير المؤمنين ألا نكفيك قال: وما ضرني قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص46) إنه خامس الخلفاء الراشدين والذي دانت له الدنيا بأكملها، ولكن ذلك لم يجعله يتكبر على عباد الله، فلقد حرم الله التكبر لأن الكبرياء رداؤه، كما أن العظمة إزاره ،فلا يحق لأحد أن يتكبر ولو مثقال حبة من خردل ولعلك أخي القارئ ، تلاحظ معي أن الناس يحبون المتواضع ويألفونه ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، ويكرهون المستكبر ويأنفون عنه ولا يألفونه، والسر في ذلك أن المتواضع ينزل بنفسه إلى مستوى جلسائه فيعيش معهم بوداعة وانطلاق ويعيشون معه بمثل ذلك ، فيتم بينه وبينهم الألف والوئام، وذلك يولد المحبة بخلاف المستكبر، فإنه يرفع نفسه فوق مستوى جلسائه فيعيش وحده في جوه النفسي المتعاظم، ويحيط نفسه بسياج شائك لا وداعة ولا انطلاق، وحين يرى جلساؤه ومعاشروه ذلك منه يبتعدون عنه بنفوسهم فلا يألفونه ويرونه يضع نفسه فوقهم فيكرهونه، فكلنا الثمرتين من النتائج الطبيعية لكلا العملين.

ولقد وجهنا سبحانه لذلك بقوله: واخفض جناحك للمؤمنين، فإذا فعلنا ذلك وامتثلنا أمر الله فيه تآلف المجتمع المسلم، وتراصت الصفوف جنبًا إلى جنب، وكنا قوة في وجه المعتدين.

وعلينا معاشر الدعاة أن تنتبه إلى هذا الخلق، وأن نربي أبناء الدعوة عليه، لأن سقف الدعوة طام لا يصلح للمتعالين المستكبرين، ولا يمشي تحته إلا المتواضعون، وها هو الماء يتواضع فينزل في التربة إلى أصول الشجرة فتمتصه جذورها وترفعه إلى سيقانها وأغصانها وأوراقها وثمارها حتى أعلى جزء فيها.. إنه حقًا من تواضع لله رفعه.

عبد اللطيف الصريخ

الإنفاق هدف تربوي ومعلم إيماني

بقلم: محمد الجاهوش

لقد حرص الإسلام منذ فجر رسالته على إقامة المجتمع الفاضل، ووضع لذلك من الأسس والتعليم ما كفل سلامة البنيان وشموخ الصرح.

ومن أهم المرتكزات التي ميزت المجتمع المسلم تكافل أفراده وتعاونهم، فلقد حفظ لنا التاريخ على امتداده أمثلة رائعة ما عرفتها حضارة ولا نعمت بها أمة قبل الإسلام، فمن ذا الذي كان يتخيل أن تنفجر ينابيع العطاء بواد غير ذي زرع، وتنبت في الرمل السبسب الأزهار الإنسانية التي غيرت مفاهيم الحياة ونشرت من ثم أريجها ليعم الكون.

 ففي وديان مكة وبين شعابها قسم القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى مجموعات، وجعل مع كل واحدة منها رجلًا، يتقن قراءة القرآن، وآخر من أهل السعة واليسار، فكانوا يتعلمون من عالمهم ما يتنزل به الوحي على نبيهم، ليحولوه إلى سلوك عملي وزاد يومي.

وكان صاحب المال يبذل لإخوانه ما يسد خلتهم، ويكفي حاجتهم، ويوفر طاقاتهم لتحمل مشاق الدعوة والنهوض بأعبائها، وفي مكة، وقبل نزول فريضة الزكاة تحدث القرآن الكريم عن صفات المتقين، الذين ينالون الدرجات العلى في جنات النعيم، فكان بذل المال وإنفاقه في سبيل الله قريبًا لقيام الليل واستغفار الأسحار﴿ إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ  ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ  كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ  وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ﴾ (الذاريات ۱۰ - ۱۹)، حق مطلق غير محدد ولا مفيد حق يكفي أهل الحاجة يسد ثغرة الفقر وينشر الحب والإخاء، ليصبح المجتمع المسلم كالبنيان المرصوص، وأبناؤه كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

 وتوالى الترغيب في الإنفاق، وتحريك النفوس نحو حب الخير، وبيان أهمية ذلك

وعظيم فائدته وأثره في حياة الفرد والأمة.

الحث على الإنفاق

 جعل الله تعالى الإنفاق علامة على صدق الإيمان، وحسن الامتثال فرغب فيه وحث عليه، وخاطب أهل الإيمان بأن يقبلوا ويجودوا ولا يستسلموا الشح الأنفس وطمع القلوب قال تعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (سورة الحديد 7) ونظرًا لما للإنفاق من مكانة رفيعة فقد قرنه بأداء الصلاة التي هي عمود الدين قال تعالى ﴿ قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ (سورة إبراهيم: 31) ونعى على أقوام توانيهم عن المسارعة في البذل والعطاء، وأخبرهم أن الله غني عنهم، وما نفقاتهم إلا طهرةلهم ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾    (سورة الحديد 10).

المسارعة إلى الخيرات

لم يرض الإسلام لاتباعه حياة الفردية والانغلاق على الذاتـ، وقصر الهمة على الانشغال بهموم النفس، ومطالب الأسرة والأولاد، نعم لم يرض ذلك منهم، بل وجههم إلى المسارعة في فعل الخيرات، واغتنام الفرص المواتية، وحذر من إضاعتها، ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورةآل عمران 133: 134) فلو أننا تدبرنا هذا الأمر الإلهي بالمسارعة إلى مغفرة الله، لوجدنا أن الإنفاق أحد أهم السبل التي تبلغ ذلك، فلا غرابة أن تأتي الأوامر الإلهية حاثة المسلم على التحلي بهذا الخلق مقدمًا بين يديه ما يبلغه المقبل، لأن الأجل محتوم، وربما جاء بغتة والنعمة نفور وشرود وقلما ذهبت نعمة عن قوم ثم عادت إليهم، فالعاقل من يسابق وقته، ويغتنم إقبال زمانه وصحة بدنه وسعة ذات يده، ويقرض ربه عز وجل ، ما يكون له ذخرًا وشافعًا، ولا يغفل اغترارًا بوافر العافية، وسابغ النعمة، فتحل الندامة، ولات ساعة مندم قال تعالى ﴿ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون ۱۱:۱۰) 

الإنفاق من صفات المؤمنين

 من كرامة المؤمن على الله تعالى أن وهبه النعمة، وأثابه على استعمالها في أوجه الخير، ومن هذا المعلم الإيماني زكى عمل المنفقين، ورفع مكانتهم، وأعلى منزلتهم، وعدهم من عباد الرحمن الذين ﴿ أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا﴾ (الفرقان 75:76) ذلك لأنهم ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ﴾ (الفرقان (٦٧).

وأضفى عليهم صفة ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾

(سورة الأنفال2: 4)، فيا لها من مكانة رفيعة لا تنال إلا بالبذل والعطاء والاستعلاء على شح النفس.

خواطر على الدرب 

العزم الفتي

إن الداعية إلى الله تعالى في خضم المعترك مع هذه الدنيا وشهواتها وعوائقها، يحتاج إلى عزيمة فتية وهمة متوقدة للمضي في درب السائرين على طريق الهدى، وقبل ذلك كله فهو يحتاج إلى يقين صادق، وإيمان ملتهب في نفسه، يحركه إلى فعل الطاعات وترك المنكرات، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول "قل آمنت بالله ثم استقم" (رواه مسلم) ويقول حنظلة - رضي الله عنه- "عزفت عن الدنيا فأظلمت نهاري، وأسهرت ليلي وكأني أرى عرش ربي أمامي، وأرى أهل الجنة يتزاورون وأهل النار يتعاورون".

 فاحرص أيها الداعية على ألا تلتفت إلى الوراء وألا تتأثر بما حولك من محيطات، فتعيقك أو تقعدك عن العمل الدؤوب، ولكن صاحب من يقوي عزيمتك كما يقول عبد القادر الجيلاني سيروا مع الهمم العالية، واستمع إلى قول الشاعر وهو يناديك:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة

فإن فساد الرأي أن تترددا

وقد سمع ذلك البيت شاعر آخر فأجابه مسرعًا:

إذا كنت ذا عزم فأنفذه عاجلًا

فإن فساد العزم أن يتقيدا

واعلم يا أخي أن تقييد العزيمة يعوقك عن تحقيق مرادك، وهو مفتاح للكسل والخنوع والاندفاع وراء الشهوات، وبذلك يحذر ابن القيم- رحمه الله- فيقول: وادفع الخطرة، فإنك إن لم تفعل صارت فكرة، فادفعها فإنك إن لم تفعل صارت عزيمة، فادفعها فإنك إن لم تفعل صارت فعلًا، فادفعه، فإنك إن لم تفعل صار عادة والعادة يصعب تركها، (صيد الخاطر) 

هذه هي العزيمة أيها الداعية عزيمة في المضي على دروب الخير والفلاح، وعزيمة الإقلاع عن المعاصي والانغماس في الرذيلة، ولقد قيل لنابليون كيف استطعت أن تولد الثقة في نفوس أفراد جيشك، فقال: كنت أرد ثلاثًا بثلاث من قال لي مستحيل قلت له جرب، ومن قال لي لا أعرف قلت له تعلم، ومن قال لي لا أستطيع قلت له حاول.

ونحن معشر الدعاة أولى بزرع تلك الثقة في نفوسنا لتقوي من عزائمنا، فأجدادنا لم يعرفوا في قاموسهم الدعوي معنى المستحيل، فقد خاضوا عباب البحار وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها بعزيمة لا يفلها إلا الله عز وجل، وحده والتاريخ الإسلامي حافل بكثير من الحوادث العجيبة ويشهد بذلك.

فبادر أخي في الله إلى زرع الثقة بنفسك، وليكن أمامك أمل مشوق لتولد العزم الفني في نفسك، ولتناطح السحاب وتكون نجمًا لامعًا في سماء الدعوة إلى الله تعالى.

خالد علي الملا

آلام وآمال 

الأمة في مواجهة المكر اليهودي

بقلم جاسم الله

المكر اليهودي ينفث سمومه في أمتنا ليصيبها بالهمود، فتصبح أمامه جثة خامدة يقطع من أشلائها ما يريد، ليبني به جسمه ويقتات عليه، مدعيًا أن له حقًّا في ذلك ومن المؤسف أن بيننا من يصدقه أو يميل إليه أو يغض الطرف عن دعواه، مع أن العبث بالمقدسات والحرمات ظاهر لكل ذي عينين، والعبث يزداد يومًا بعد يوم في غيبة الوعي الإسلامي الصحيح، والوعي الإسلامي الصحيح نستمده من القرآن الكريم ﴿  وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (سورة البقرة 120) إنها معركة حضارة تسود، والصراع الحضاري بيننا وبين غيرنا لم يتوقف في يوم من الأيام، ولن يتوقف أبدا، فصراع الحق والباطل صراع قائم في الأرض، منذ أن قتل قابيل هابيل، وسيظل باقيًا إلى يوم الدين، ولا نزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، والباطل كله حزب واحد، وجبهة واحدة في مواجهة الحق، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين.

 وفي سبيل الباطل اليهودي تتكاتف الأمم، وتقام ثورات وتزال عروش، فيوم قامت الثورة الشيوعية إنما كان وراءها اليهود، ليثيروا بين الشعوب الشرور والمفاسد باسم الثورة، بما تحمل من أمور مناقضة للفطرة، فيتخبط الإنسان ويفقد المثل العليا في نفسه وفي المجتمع من حوله، فتخور قواه ويضعف مستوى أدائه في الحياة، فلا يعود يحرص على أمر يؤدي إلى رقي النفس البشرية، أو يؤدي إلى رقي الحياة، والناظر في أوضاع البلاد التي دانت يومًا ما بالشيوعية يدرك مدى ما أصابها من دمار في صميم الحضارة، دفع الناس إلى رفع الأفراد العاديين، ووضعهم في مصاف القديسين، هذا هو الشاعر الشيوعي الهنغاري يقول عن لينين بعد الثورة الشيوعية: جاء المسيح المنتظر، جاء المخلص لينين ومعظم الأحزاب الشيوعية في العالم كله إنما أنشأها اليهود أو ساعدوا على إنشائها، لتساعد في سيطرتهم على أرض فلسطين، ولتعمل ما تريد في البلاد الإسلامية المحيطة بفلسطين، بمساعدة لا تنقطع من الشرق أو الغرب، ولن يتوقف المكر اليهودي بالتطبيع او معاهدات السلام، لأن هذه الأشياء وسائل لغايات أبعد، ومطامع أعظم ظهر بعضها في تصريحات بعض القادة، يوم ظنوا أن العقل اليهودي والمال العربي كفيلان بتحقيق ازدهار المنطقة، ورغم هذا الكيد المؤيد من كل جهة فإن تباشير النصر لا تتوقف أبدًا.

فشعوبنا ذاقت من التنكيل والحقد الدفين ما سوف يبعث ألف قعقاع وألف صلاح الدين، إن سنة الحياة لا تتخلف وإن وعد الله لا يتغير، وقد بين الله في كتابه أن بني إسرائيل يفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوًّا كبيرًا، قال سبحانه ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا  فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ (سورة الإسراء 5:4) وقد مرت المرحلة الأولى، وأصبحت سجلًا من سجلات التاريخ، وتبقى المرحلة الثانية التي نظن أنها الأخيرة لبني إسرائيل مستندين إلى قول الله ﴿وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا﴾ (سورة الإسراء 104) وأقدار الله تتحقق بسننها التي أوجدها الله فيها، ولو بعد حين، لكنها لا تتخلف أبدًا، وهذا ما يحدث مع بني إسرائيل الذين تقاطروا على أرض فلسطين زرافات ووحدانا من بداية القرن العشرين، وأمرهم يعلو حينا بعد حين، مع إفسادهم الأرض ﴿ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا﴾ وفسادهم وعلوهم لا يخيف الصادقين من المؤمنين، الذين يصدقون وعد الله في كتابه بقوله ﴿ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ ﴾ ويصدقون وعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- القائل "لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر والشجر يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله"، فمعاهداتهم لا تخدعنا ووجودهم التي اعتادوا على الغدر بها لا تصرفنا عن أملنا، في أن ينصر الله الحق ويزهق الباطل، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وهذا ما سيكون إن شاء الله ، ولتعلمن نباه بعد حين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

935

الثلاثاء 17-مارس-1970

ناس.. وقضايا.. وتعليقات

نشر في العدد 2147

140

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الهجرة النبوية.. من دلالات المشهد