; نحو تحول حضاري جذري «۲ من 2».. ضوابط النهضة المنشودة | مجلة المجتمع

العنوان نحو تحول حضاري جذري «۲ من 2».. ضوابط النهضة المنشودة

الكاتب محمد شاويش

تاريخ النشر السبت 30-نوفمبر-2002

مشاهدات 70

نشر في العدد 1529

نشر في الصفحة 42

السبت 30-نوفمبر-2002

الإسلام أرسى مبادئ نهضوية حضارية كافية لبناء مجتمع صحيح.. فلماذا لا نفعلها؟

  • هيمنة القوى الخارجية قد تخرج «الوصفة السلوكية النهضوية» من عالم المواعظ إلى حيز التطبيق

في مقالنا السابق تحدثنا عن الوعي، وتأثيره في السلوك الاجتماعي لأفراد مجتمع ما، والعوامل التي تزيد هذا التأثير أو تنقصه، والآن نطرح سؤالًا يفرض نفسه بشدة في وضعنا الراهن، هل تستطيع أن نراهن على تغيير السلوك الحضاري للأفراد، بحيث يصل سلوكهم إلى مستوى من الفاعلية الإيجابية تدفع مجتمعنا إلى قفزة حضارية تنهي عهد التشرذم والضعف والتمزق؟

إن المراقب الخارجي لمجتمعنا يذهله أن المبادئ المعلنة لهذا المجتمع -مبادئ الإسلام- هي مبادئ نهضوية حضارية كافية لبناء مجتمع صحيح يتناقض كل التناقض مع المجتمع القائم الآن، فما الأمر إذن؟ ما هذا السر الغريب الذي يجعل هذه المبادئ الحضارية النهضوية بعيدة عن التأثير في الفرد؟ لماذا يؤمن المسلم نظريًا بمبادئ توجهه إلى «السلوك العالي» ولكنه يسلك «سلوكًا منحطًا»؟!

أزعم أن الطبيعة العامة للسلوك النهضوي الحضاري المطلوب معروفة عند المسلم، ولكنها معرفة غير فاعلة، معرفة لا تسيّر السلوك، فهي مثل معرفة الطالب بضرورة الاجتهاد حين يسلك سلوكًا كسولًا معاكسًا لما يعلم أنه هو المطلوب والصحيح! بل إن الذي يتحدث بلسان التغيير يكون عُرضة للسخرية! وقد يوصف «بالمزايدة»، فإن حاول تطبيق ما يدعو إليه من سلوك في وسطه المحيط في السكن أو العمل أو العائلة سخر منه المجتمع ووصف «بالحنبلية»!

هذا كله وضع مجتمع استنفد ما عنده من حماس ومن أمل واستنام كل فرد فيه إلى شؤونه الخاصة، فالذي يحرك أغلب أفراده دوافع دنيئة تجعل سلوكهم من نوع السلوك المنحط عمومًا.

ولكن هذا الوعي النظري الذي قلنا إنه موجود يشكل مع ذلك أرضية للنهضة على شرط انبثاق تلك الدفعة الحضارية الخارقة التي وصفها توينبي ومالك بن نبي، والمسألة يمكن فهمها إذا أخذنا المثال الفردي التالي:

شخص صحيح الجسم ينصحه الطبيب بجملة نصائح تكوّن مفهومًا متكاملًا عن «السلوك الصحي»، ولكنه وهو صحيح يميل إلى الكسل والنزعة الذميمة التي تجعل الفرد يفضل العاجل على الآجل، ولا يفكر إلا في القريب دون البعيد، وفي اللذات العاجلة متناسيًا العواقب الأليمة الآجلة.

في هذه النقطة الزمنية قد يبدو الطبيب في نظر المريض «متشددًا» أو «مزايدًا» ويطلب المستحيل، ونصائحه مجرد مواعظ مملة، أو قد يقال: إنها أرقى بكثير من أن يحتملها هذا الإنسان العادي، فهي تريد أناسًا مثاليين هم إلى الملائكة أقرب! والآن تأتي تلك الدفعة حين يقع الإنسان فريسة مرض خطير، فيتذكر نصائح الطبيب بحذافيرها، ويصبح السلوك الصحي بعيدًا عن أن يكون مجرد «مثاليات»، بل يغدو هو السلوك الوحيد لإنقاذ الحياة من الخطر الداهم!

هنا تستعيد «الوصفة السلوكية» كل فاعليتها، ويغدو سلوك الفرد موجهًا باتجاه هدف واحد هو الصحة، أو الحيلولة دون الهلاك، ويتوافر عنصر الالتزام وعدم الإهمال!

وإنني لآمل أن تقود حماقة القوى الكبرى الخارجية -التي لم تترك مجالًا للناس عندنا بل تجاهلتهم واحتقرتهم وأرتهم أنها تريد هلاكهم المادي أو الثقافي- إلى تلك النتيجة الإيجابية التي تخرج «الوصفة السلوكية النهضوية» من عالم المواعظ إلى حيز التطبيق، عندها سيستعيد الوعي دوره الفاعل في السلوك وسيتحول السلوك عند الغالبية إلى سلوك عال يشبه سلوك تلك الأمم العظيمة التي هدمتها الحرب، فأعادت بناء نفسها بهمة من أمثال ألمانيا واليابان.

السلوك الحضاري المطلوب

في انتظار لحظة الصحوة العتيدة تلك، لن يكون من تضييع الوقت أن نفكر بصوت مرتفع في موضوع السؤال: ما السلوك الحضاري المطلوب؟

قلت إنني أعتقد أن هذا السلوك بوجه عام معروف، وإن كان التطبيق العملي له مهجورًا! وأذكر بعض الخطوط العريضة التي تخص طبيعة هذا السلوك:

أ- الفكرة الموجهة للسلوك النهضوي:

إن هذا السلوك موجّه بكلية لخدمة هدف عام يخص المجموع، هو هدف بناء مجتمع ناهض قوي ماديًا ومتلاحم في وحدته الداخلية كالبنيان المرصوص، في كل صغيرة وكبيرة من السلوك يسأل الفرد نفسه: هل هذا ملائم لهدف النهضة ويساهم في تحقيقه أم هو غير ملائم ويعرقله؟

وعلى هذا الأساس سيقمع الفرد كل الدوافع الداخلية التي تدفعه إلى سلوك غير ملائم للهدف النهضوي العام، وسيشجع الدوافع التي تنسجم مع هذا الهدف.

ب- أمثلة على مكونات هذا السلوك:

الفرد الذي يوجه سلوكه الوعي النهضوي سيقمع في نفسه الدوافع المنحطة التي تمنعه من:

- ألا يحقّر شيئًا من المعروف: فابن مجتمعنا الآن لا يقبل أن يعمل أشياء مفيدة بدعوى أنها صغيرة لا قيمة لها وتكون النتيجة أنه لا يعمل شيئًا مفيدًا، لا صغيرًا ولا كبيرًا.

- قبول رئاسة الآخر: فالفرد عندنا في وضعه الحالي لا يقبل إلا أن يكون هو

«الزعيم»، والحقيقة أن المخلص حقًا يقبل أن يتنازل عن نزعته التزعمية، ويقمع هذه النزعة، ويطبع الشخص الكفء لتسيير أي شأن اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي بالشكل الأمثل.

- التعود على العمل الجماعي: فابن مجتمعنا يشكو من الفردية والضعف الشديد في القدرة على التنسيق مع الآخرين، والإنسان الذي يوجه سلوكه الوعي النهضوي سيقمع هذا الميل الذي يمنعه من تعلم العمل الجماعي، ويجتهد لحيازة أخلاق فريق العمل الناجح.

- تعلم القيام بحوار فعال: كان من بين ملاحظات بن نبي الصائبة أن الفرد في المجتمع المنحط «مجتمع ما بعد الحضارة» لا يبحث في جدالاته عن الحقيقة، بل هو يبحث دومًا عن حجج يفحم بها خصمه.

وأقول: إن السلوك الناهض في ميدان الحوار يجب أن يعود الفرد نفسه عليه بقمع هذه النزعة الذاتية في نفسه، فالحوار النهضوي هو اشبه بحوار المهندسين والعمال في ورشة حين يواجهون مشكلة عملية، ويرغبون بإخلاص في إيجاد أحسن حل لها، فهم يتعاونون وهدفهم إيجاد الحل، وليس إثبات مهارة الذات في الجدل أو في «الذكاء» أو «الشطارة»!.

ومن عيوبنا أننا في حوارنا لا نسمع الآخر حقًا لمراقبة ما قال، فالمحاور غالبًا ما يتابع ما بدأ قوله رغم أن محاوره جاء للتو بمعلومات يعيد هو ذكرها غير منتبه إلى أنها قيلت من الطرف الآخر!.

- قبول أن يكون الآخر على حق والإقرار بأننا على خطأ إذا ثبت لنا هذا، كما قال الأسلاف: إن «الرجوع عن الخطأ فضيلة»! وما أكثر ما نعاند ونركب رؤوسنا ولا نقر بالخطأ!.

- التنازل عن الكرامة الزائفة تجاه إخوتنا وعدم تقديم التناقضات الثانوية معهم على التناقضات الرئيسة: مع الأسف العيب الذي يوجد عندنا من أصغر وحدة اقتصادية أو سياسية إلى أعلاها، هو أننا لا نغفر لأخينا زلة! ولسنا مستعدين للتنازل عن كرامتنا الزائفة حياله، بل لا بد لحربنا الداخلية معه أن تصل لمستوى تكسير العظام! وما أكثر ما يترافق هذا مع الخضوع للعدو الخارجي، واتباع «سياسة مرنة» معه، وحتى قبول الإهانات منه!

- رفض النزول عن بعض المكتسبات الأنانية لأخينا، ومحاسبته بكل دقة مقابل الكرم الحاتمي مع غيره: وانظروا الأمثلة في التشديد الهائل الذي نراه في التعاملات الاقتصادية بين أقطارنا: الجمرك يراعى بدقة في وجه البضائع الشقيقة، والعمالة يفضل أن تكون من غير الأقطار الشقيقة! وهذا يناقض كل منطق ديموجرافي أو تربوي ناهيك عن المنطق العقائدي!.

ج- سلوك أقل من الشهادة بكثير: هل أنت قادر عليه؟

صحيح أننا نشهد في السنوات الأخيرة مستوى من البطولة عند شبابنا في فلسطين خصوصًا لا يكاد يكون له مثيل في تاريخ الشعوب، وهذا المستوى من روح التضحية بالنفس أشاع فكرة يحسن بنا الوقوف عندها بصورة نقدية، وهي أن الحل النهوض من الكبوة لا يكون بأقل من الشهادة!

ثمة لحظات تاريخية فاصلة تحتاج فيها المجتمعات حقًا إلى أبطال أفذاذ مستعدين أن يضحوا بحياتهم في سبيل العقيدة أو الهدف العام، وهذا موجود حتى على مستوى الحياة اليومية، فربما نحتاج إلى أولئك الشجعان ليقوموا بأعمال الإنقاذ الخطرة كما هو معلوم.

ولكن لنتوقف قليلًا ونقول: هل الشجاعة وحدها وروح التضحية تكفي حقًا للنهضة المطلوبة؟

ما قولكم بشباب على مستوى عال من القدرة على التضحية بالذات، ولكنهم مع ذلك مستعدون «ليضحوا بذاتهم» في قتال داخلي بين التنظيمات المتنافسة «هذا رأيناه مرارًا مع الأسف في الساحة الفلسطينية، وفي ساحات عديدة أخرى»، ثم إن الشهادة على جلالة قدرها التي لا ينكرها مؤمن، تظل عاملًا من عوامل النهضة لا يكون مفيدًا إلا في مواضع جزئية خاصة، ولكن المطلوب لإنقاذ هذه الثقافة العظيمة نهضة حضارية اجتماعية شاملة! والشرط لهذه النهضة هو في اعتقادي تحول السلوك في مجتمعنا إلى السلوك النهضوي الذي ذكرته، وهذا المطلب هو في الظاهر أقل صعوبة بكثير من الشهادة! فهل يا تری نحن قادرون عليه؟.

هل نستطيع فرض الوحدة في أقطارنا من الأسفل إذا كان «الكبار» مُصرين على فرض الحدود بيننا وتأييد تجزئتنا حتى النهاية؟ هل نستطيع أن نجاهد أنفسنا الجهاد الأكبر فتمنعها من السعي لتدمير الأشقاء؟ هل يمكننا أن نمنعها من الحسد الذي يجعلنا نسعى لعرقلة مواهب زميلنا في العمل؟ وهل يمكن أن نتغاضى عن إساءة جارنا ونحاول استمالته بالحسنى لنحقق معًا جماعة محلية متكافلة؟

ما أكثر الأمثلة من هذا النوع، وفيها يكمن الحل إن أراد الله أن يكون حل! 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل