; مصر بين ركود الاقتصاد وأزمة الديون | مجلة المجتمع

العنوان مصر بين ركود الاقتصاد وأزمة الديون

الكاتب عبدالكريم حمودى

تاريخ النشر السبت 31-أغسطس-2002

مشاهدات 57

نشر في العدد 1516

نشر في الصفحة 48

السبت 31-أغسطس-2002

الدين العام تجاوز 72 مليار دولاًر في بعض التقديرات

  • المديونية.. أضخم تحدٍ للإقتصاد المصري لما تمثله من إستنزاف للموارد المالية دون أي فائدة تنموية
  • كلما زادت الإستدانة من الخارج إرتفعت أعباء الديون وأقساط الفوائد وإنعدم الإنفاق على المشاريع التنموية
  • ليس أمام مصر سوى وقف الإقتراض الخارجي والإعتماد على الموارد الذاتية وتنشيط المشروعات والقطاعات الإنتاجية

مشكلة الديون «الخارجية والداخلية» التي يعاني منها الاقتصاد المصري تفاقمت خلال هذا العام، وشهدت قيمتها إرتفاعًا كبيرًا.

هذا ما أكدته التقارير والبيانات الإقتصادية الرسمية المصرية مؤخرًا، مشيرة إلى أنه سيكون لهذه الديون تأثيرات مباشرة على حالة الركود التي يعاني منها هذا الإقتصاد، إذ تشير التقارير الأخيرة إلى أن إجمالي الدين العام زاد على 72 مليار دولاًر، فقد إرتفع الدين الخارجي للبلاد خلال الشهور الستة الأولى من العام الجاري بمقدار 1.6 مليار دولاًر، فيما زاد الدين العام المحلي خلال الفترة نفسها بمقدار 7.9 مليار جنيه «بالسعر الرسمي الدولار = 4.63 جنيه»، وهو ما يعكس فشل الحكومة في تخفيض الدين أو حتى الإيفاء بخدمته.

قيمة الدين العام

تتباين التقديرات الرسمية حول قيمة الدين العام الذي ترزح تحته الحكومة المصرية، ففي الوقت الذي أكد فيه الدكتور عاطف عبيد، رئيس الوزراء، أمام البرلمان مؤخرًا أن إجمالي ديون مصر الداخلية والخارجية بلغ 240 مليار جنيه أي ما يعادل «51.7 مليار دولاًر» فإن مسؤولًا في المصرف المركزي المصري اعترف بأن إجمالي الديون أكبر من ذلك بكثير، ويتجاوز 72 مليار دولاًر.

 وأضاف المسؤول أن الدين العام الخارجي إرتفع خلال الشهور الستة الماضية من السنة الجارية بنحو 1.6 مليار دولار فوصل إلى 28.2 مليار دولاًر، بما يعادل 130 مليار جنيه.

 ويتوزع الدين الخارجي على النحو التالي: 14.6 مليار دولاًر قروضًا ثنائية معاد جدولتها مع دول نادي باريس، وتنقسم إلى 7.2 مليار دولاًر قروضًا ميسرة من مؤسسات دولية، وأخرى غير ميسرة بقيمة 7.4 مليار دولاًر، وقروضًا ثنائية مع دول نادي باريس بقيمة 3.8 مليار دولاًر، وقروضًا من مؤسسات دولية وإقليمية بقيمة 4.4 مليار دولاًر، ونحو مليار دولاًر في صورة تسهيلات موردين و مشترين، وسندات سيادية بقيمة 1.5 مليار دولاًر، إضافة إلى 2.2 مليار دولاًر قروضًا قصيرة الأجل، وتدفع مصر على هذه الديون فوائد سنوية تبلغ قيمتها نحو 1.2 مليار دولاًر.

وتقول مصادر إقتصادية مصرية إنه- وفي ضوء القروض الجديدة التي قررتها قمة شرم الشيخ للدول المانحة التي عقدت في فبراير الماضي، والتي تبلغ قيمتها 10.3 مليار دولاًر، منها 2.1 مليار قدمت على وجه السرعة لتغطية العجز في ميزان المدفوعات- فإن الديون الخارجية مرشحة للزيادة بمقدار 2.3 مليار دولاًر إضافية.

 وأضافت تلك المصادر أن الديون سترتفع إلى 39 مليار دولاًر، مما يعني- حسب رأي أحمد عبد الحميد قورة- عضو مجلس إدارة اتحاد البنوك- الإقتراب من الحد العالمي الخطر غير المسموح به، علمًا بأن قيمة الديون الخارجية عبارة عن قروض على 25 سنة، أما القروض الجديدة فهي ما بين 7 إلى 10 سنوات.

أما على صعيد الدين العام المحلي، فقد إرتفعت قيمته بمقدار  7.9 مليار جنيه إلى 202 مليار جنيه، أي ما يعادل 44 مليار دولاًر، أي بزيادة 8 مليارات جنيه خلال النصف الأول من السنة الحالية، كما إرتفعت ديون الهيئات الإقتصادية إلى 45 مليار جنيه بزيادة 2.8 مليار جنيه.

أما ديون الإستثمار القومي، فقد بلغت 50.4 مليار جنيه، بتراجع 4 مليارات جنيه، وبالتالي فإن إجمالي الدين العام يبلغ 72.2 مليار دولاًر، وبالإضافة إلى ذلك ارتفع حجم ديون القطاع الخاص المتعثرة إلى نحو 100 مليار جنيه في نهاية يونيو الماضي.

 كما قدرت مصادر مطلعة حجم الزيادة في الديون المحلية بنحو 10 مليارات جنيه في العام المالي الماضي تمثل قيمة الفوائد وغرامات التأخير التي تمت إضافتها على الديون غير المسددة للقطاع الخاص.

إعادة هيكلة الدين العام

في إطار المواصفات التي وضعتها الدول المانحة للقروض والمساعدات التي أقرت في المؤتمر الذي عقد في فبراير الماضي، وبعد أن أطبقت الديون على الحكومة دون أن تترك لها بدائل أخرى، وافقت الأخيرة على إعادة هيكلة الدين العام وفق شروط الجهات المانحة.

ومن هذه الشروط:

1- إزالة جميع القيود عن التحويلات الرأسمالية التي يقوم بها المستثمرون الأجانب في البورصة المصرية إلى الخارج دون النظر إلى تأثيراتها السلبية على سعر صرف الجنيه مقابل الدولار والعملات الأجنبية الأخرى.

2- خفض الدين العام الداخلي بمقدار 38 مليار جنيه، وذلك من خلال نقل تبعية ملكية مؤسسات إقتصادية إلى بنك الإستثمار القومي حتى تتمكن الحكومة من خدمة الدين العام الخارجي.

وقد شملت إعادة الهيكلة نقل تبعية 30 هيئة إقتصادية عامة إلى «بنك الإستثمار القومي» وأبقت ست هيئات إقتصادية اعتبرت الحكومة بقاءها من بين الضرورات الإقتصادية.

 وقالت مصادر مطلعة إن الهدف من نقل ملكية هذه المؤسسات خفض الدين العام المحلي قبل بداية السنة المالية التي بدأت في الأول من يوليو الماضي كشرط من الدول المانحة بخفض بنود الإنفاق في الموازنة، ومن بينها أعباء خدمة الدين العام المحلي.

 وعلى الرغم من أن الحكومة تخلصت بهذا الإجراء من نحو 20% من إجمالي ذلك الدين، أي نحو 7.6 مليار جنيه، إلا أنها نقلتها عمليًا إلى مصاف الأصول الخطرة في موازنة بنك الإستثمار القومي، إذا جاز هذا التوصيف الذي يطلق في حال صعوبة إسترداد المصرف لأمواله التي سبق أن قدمها في صورة تسهيلات إئتمانية وقروض، كما في وضع المصارف التجارية، وهو ما لم تأبه به الحكومة لأنه لا يمثل ضرورة عاجلة، فضلًا عن كون أصل الدين في صورته الأولى لم يكن بالأفضل حالًا.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن موارد هذا البنك تتألف من صندوق التأمين الإجتماعي للعاملين في الحكومة، وصندوق التأمين الإجتماعي للعاملين في قطاعي الأعمال العام والخاص الذي يمثل الشريحة الأكبر من موارد البنك التي تبلغ 120.5 مليار جنيه، مقابل 56.6 مليار جنيه تمثل حصيلة شهادات الإستثمار والعوائد المتراكمة لبعض أنواعها، وودائع صندوق توفير البريد، وحصيلة بيع سندات التنمية الدولارية.

خدمة الديون

تقول مصادر في المصرف المركزي إن خدمة الدين العام زادت بنحو 55.4 مليون دولا خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، لتصل إلى 906.2 مليون دولار، وبالنسبة للسنة المالية 2002/ 2003 التي بدأت مطلع يوليو المنصرم، فقد تم تخصيص 38.2 مليار جنيه لخدمة الديون، منها 33 مليارًا لخدمة الديون المحلية.

 أما بالنسبة للديون الخارجية التي خصصت لها الحكومة نحو 5.2 مليار جنيه لخدمتها، فإن مصادر مطلعة تؤكد أن خدماتها تزيد على 2.4 مليار دولار، أي أكثر من ضعف المبلغ المخصص، وهو ما يعني زيادة في حجم الديون الخارجية.

وكان مجلس الشورى قد حذر الحكومة مطلع السنة الجارية من أخطار المديونية، إذ أشار إلى ارتفاع قيمة الفوائد المحلية في الموازنة الحالية إلى 22.9 مليار جنيه، والفوائد الخارجية إلى 2.3 مليار جنيه، كما بلغت الأقساط المحلية 6.3 مليار جنيه، والأقساط الخارجية 2.5 مليار جنيه، فيما بلغ عبء الدين العام بنوعيه 34 مليار جنيه بنسبة 26.7% من إجمالي الموازنة العامة للدولة.

أذونات الخزانة

من المقرر أن تطلق الحكومة في سبتمبر المقبل سوقًا خاصة للسندات وأذون الخزانة المالية الحكومية لإعطاء الفرصة لعدد من التسويات المالية وتدبير حاجات الدولة من السيولة المحلية إذ تعاني السوق من نقص كبير في ذلك. 

وفي هذا السياق تقول مصادر رسمية إن إجمالي حجم السيولة المحلية في مصر يبلغ 312 مليار جنيه «نحو 72 مليار دولاًر، وهو يساوي تقريبًا حجم الدين العام»، تتوزع بواقع 57.2 مليار جنيه معروضًا نقديًا، ونحو 254.9 مليار جنيه لأشباه النقود التي تتكون من الودائع الجارية بالعملة المحلية والودائع الجارية بالقطع الأجنبي والودائع غير الجارية.

 وتقول المصادر الحكومية إنها ستطرح سندات جديدة قيمتها مليارًا جنيًه على مدى تسعة شهور، وهو ما أكده مدحت حسانين، وزير المالية، بقوله: إن النظام يهدف إلى رفع كفاءة التعامل في سوق أوراق المال الحكومية، وخفض كلفة الدين المحلي بما يتراوح بين 500 مليون ومليار جنيه سنويًا، وتنشيط سوق المال عمومًا، وتحقيق التوازن في عوائد محافظ أوراق المال للمستثمر الصغير.

وأضاف أنه سيسمح للمصارف الأجنبية بالدخول فيها لزيادة فاعلية نشاط هذه السوق، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية إليها، فيما حدد البنك المركزي شرطين للمشاركة في هذه السوق، هما: ألا يقل رأس المال المرخص عن 160 مليون جنيه للفرع الواحد، وأن تكون لها تعاملات كبيرة بالجنيه، وأن يزيد إجمالي المركز المالي لها على أربعة مليارات جنيه، وأيضًا: أن تسري على تعاملاتها المعايير الرقابية.

وتعتبر حصة السندات والأذونات هي الأكبر بين مكونات الدين العام المحلي «نحو 140 مليار جنيه» مقابل 107 مليارات جنيه لإقتراض الحكومة من بنك الإستثمار، كما تؤدي دورًا أساسيًا في زيادة حجم الدين الداخلي.

تأثير الديون على الاقتصاد

تعتبر مشكلة الديون أضخم تحدٍ للإقتصاد المصري لما تمثله من إستنزاف للموارد المالية دون أي فائدة تنموية، وتعود بدايات هذه المشكلة إلى عصر الإنفتاح الإقتصادي عقب حرب أكتوبر عام 1973م، لتمويل الإستهلاك ومن ثم إقامة مشاريع إقتصادية ثبت بالتجربة أنها فاشلة!

وبلغت أزمة المديونية ذروتها في نهاية الثمانينيات، وفي عام 1991م تم تخفيض الديون الخارجية بنسبة 50% مقابل الموافقة على شروط صندوق النقد والبنك الدوليين التي سميت بـ «برنامج الإصلاح الإقتصادي» في ذلك الوقت.

ويرى الخبراء أن الخروج من وحل هذه الأزمة ليس بالأمر اليسير، فكلما زادت الإستدانة من الخارج زادت أعباء الديون على خزينة الدولة، وزادت أقساط الفوائد وأستنزفت الموارد المالية، وبالتالي حرمان الإقتصاد من موارد مالية يمكن أن تزيد الإنفاق على المشاريع التنموية.

كما أن الديون تقيد الدولة بشروط الجهات المانحة التي أثبتت التجارب أنها تتعارض مع مصالح الدولة والشعب على حد سواء، إذ إن الأولوية بالنسبة للدول المانحة للقروض هي تأمين خدمات وأقساط القروض التي قدمتها دون الأخذ بعين الإعتبار ما تخلفه هذه الشروط التي تضعها من أزمات إقتصادية، وإجتماعية خطيرة.

بكلمة أخيرة: ثبت فشل التنمية بالقروض والإستدانة من المؤسسات المالية الدولية، وتحولت إقتصادات الدول التي إعتمدت على هذا الأسلوب، ومنها الإقتصاد المصري، إلى إقتصادات تولد الأزمات، تخرج من أزمة لتدخل في أخرى دون ظهور أي ضوء في نهاية النفق، لذلك فليس أمام الدول المدينة سوى وقف الإقتراض الخارجي، والإعتماد على الموارد الذاتية، وتنشيط المشروعات الإنتاجية التي تدعم النمو الإقتصادي ولا تكون عبئًا عليه، مع إعادة الإهتمام بالقطاعات الإنتاجية التي تضررت بالسياسات السابقة مثل قطاعي الزراعة والصناعة، ودعمها بدل بيعها تحت دعاوی الخصخصة، علاوة على تصفية المشاريع الخاسرة والفاشلة، وقبل كل ذلك وبعده لا بد من محاربة الفساد المالي والإداري الذي أسهم - ولا يزال- في الكثير من الأزمات الإقتصادية ابتداءً من أزمة السيولة مرورًا بهروب رجال الأعمال، وتهريب الأموال إلى الخارج، وانتهاء بأزمة الدولار، وأخيرًا العجز الهائل في ميزان المدفوعات.

 

الرابط المختصر :