العنوان الصراع الرهيب (قصة الأسبوع)
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1978
مشاهدات 62
نشر في العدد 405
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 25-يوليو-1978
كان محمود يصيح بغضب، وبوجه مقطب، تقلص وجهه إلى درجة واضحة. وأطل من عينيه بريق غريب كأن سكينًا تمزق أحشاءه، فسكت وأطرق وأحدق في الأرض.
لاحظ أخوه سكوته المفاجئ، ولمح بريق عينيه الخاطف، وخشي أن يكون قد تسبب فيها حدث له أو أن يكون كلامه قد أثر في نفسه، فقال:
- محمود.. أنا.. لم أقصد إلا مصلحتك
هز محمود رأسه دون أن ينطق، وأطرق نحو الأرض أكثر، وضع يده على بطنه ثم ضغط عليها كأنه يريد أن ينتزع السكين من أحشائه، وكان الوقت يقترب من ساعة العصر. واقترح عليه أخوه أن يقوم إلى فراشه وينام لعله يسترد نشاطه، ولكنه رفض الاقتراح لأنه يفكر في الخروج.
بدا وجهه كلون الليمون؛ بريق عينيه وأوشك أن ينطفئ. لم يجد أخوه كلامًا يقوله. فأسرع إلى الوقوف وأخذه من يده، ودخل به حجرة نومه، وقال بعد أن تردد:
- لا تخرج.. أنت في حاجة إلى الراحة.
قال محمود وهو يفرد جسمه ويتصنع الصحة:
- ليست الحالة سيئة كما تتصور.. لا بد من الخروج..
أنا ذاهب لأنظف عيادة الطبيب.. وسأنتظره ليكشف على
- بماذا تشعر؟
- بألم حاد في المعدة.. استمر لمدة دقيقة وبدأ يزول.. ومع ذلك.. من الأفضل أن أعرض حالتي على الطبيب ولن يكلفني ذلك فلسًا واحدًا.
ذهب إلى العيادة، وفرغ من تنظيفها كالعادة، وجلس ينتظر الطبيب كشخص مريض لا يزال وجهه أصفر. قالت له الممرضة بعد أن سجلت اسمه في أول قائمة المرضى لم أرك من قبل جالسًا في مقعد.. كنت دائم الحركة
- أجلستني أمامك عين الحسود
ضحكت الفتاة ثم قالت:
- على أي حال.. لست أنا التي حسدتك.
- الذي حسدني شخص حقود.. من المحتمل أن يكون أحد الموظفين في الوزارة .. اشتريت سيارة جديدة لا يركبها غير كبار الموظفين.. وأنا كما تعلمين.. مجرد موظف صغير. وأرسل من جوفه ما يدل على الضيق وقال:
- حقًّا الصحة تاج فوق الرؤوس كما يقولون.
وقال للطبيب عقب الانتهاء من الكشف:
- هل خلعت تاج الصحة؟
ابتسم الطبيب، وقال مازحًا:
- لم تخلعه بعد.. جسمك سليم. وصحتك أحسن من صحتي.. ولكنك رغم ذلك.. يجب أن تهتم بنفسك.
- هي مسألة حسد كما قلت للممرضة منذ قليل. اتسعت ابتسامة الطبيب قبل أن يقول:
- هذا لا يمنع أن تأخذ هذا الدواء الذي كتبته لك.. وتعطي لجسمك شيئًا من الراحة..
ولما كان وقت الطبيب لا يسمح بالوقوف طويلًا، شكره وخرج من الباب الزجاجي العريض، ومر بمكان الممرضة وقال لها بصوت خفيض:
- أكد لي الطبيب أنه حسد.. وإن.. صحتي كصحة الأسد.. ضحكت الفتاة وشيعته بعينيها، من خلف منظار طبي، وأشارت بيدها لأحد المرضى ليدخل حجرة الصحي، وحين ركب محمود سيارته الفارهة، انطلق بها إلى المطعم الذي يعمل فيه حتى ساعة تسبق منتصف الليل، ونسى الورقة المكتوب فيها الدواء، ولم يشعر بشيء في معدته يذكره بنصيحة الطبيب. ثم ضاعت الورقة دون أن يدري.
ودارت عجلة الحياة، وكان لا بد أن تدور بنفس السرعة التي يعدو بها محمود، وإن كان في الحقيقة هو يمشي على قدميه ولا يجري كما يظن الآخرون. سماه أحد الموظفين بالنحلة، وقال على مسمع منه:
- هو يستحق هذا الاسم.. يدور ويطير في كل مكان.. لأنه أتنكر ذلك یا محمود؟
قال محمود بصوت الخائف من الحسد:
- حركتي سريعة.. ولولا ذلك لفشلت في عملي.. قال الموظف نفسه:
- سمعت أنك تعمل في عيادة.. وفي مطعم.. وفي.. قاطعه بقوله:
- كلام الناس كثير..
وهرب من حجرة الموظفين وقد تأكد أن الحاسد موجود داخلها. ودهش من تفكير البشر. لماذا لا يتركونه يعمل كما يشاء ما دامت صحته تسمح له بالعمل.
في ساعة متأخرة من الليل، همس بمخاوفه إلى زوجته. ولو اطلعت زوجته على أعماقه لعرفت أنه يرغب في معرفة الحقيقة. هل هو الحسد الذي يجره إلى منطقة المتاعب، أم هو المرض؟ قالت الزوجة:
- حتى يوم الجمعة.. يوم الإجازة.. أنت تفكر في أن تملأ ساعاته بعمل أنت إنسان يا محمود..
- مفهوم.. ولكن طاقة العمل عندي بلا حدود.
- تفكير خاطئ.. وتقصير في حق الأولاد.
- أنت وأخي.. كأنكما واعظان في المساجد
- حتى المسجد.. لم تعد تعرف الطريق إليه
- أوه . أسألك عن الحسد.. تتحدثين عن المسجد.. من المستحسن أن تنام.. توزيع الصحف في الفجر ..
- ألم تكن تصلي الفجر من قبل؟
- بلى.. وعملي طوال النهار.. من. أوله إلى آخره.. هو عبادة خالصة لله.
- هو عبادة خالصة لنفسك أنت تحب نفسك وتعبدها.. وتريد أن تجعل من نفسك شخصًا آخر يعيش في مستوى الكبار.. والحسد مذكور في القرآن.. ولن ينقذك منه إلا الله.
آثر الصمت حتى يعطي عقله فرصة للتفكير. لم يغلق عينيه. فقد تسلل النعاس الذي كاد يطويه، وتركه في حالة يقظة لم يسبق لها مثيل. كان عقله يعمل بسرعة رهيبة كما يعمل جسمه في ساعات الحركة طوال النهار. انتقل الصراع الرهيب من حركة الجسم إلى حركة العقل، فدب نشاط عجيب في ذهنه. فاق حدود تفكيره إلى أن أصابه بصداع شدید. وسمع غطيط زوجته. وكانت قد غرقت في نوم عميق، فضاعف صوت غطيتها من الصداع. وصار لا يستطيع أن يفكر، ولا يستطيع أن ينام. قفز من فراشه، وتجول في أرجاء الشقة، وجد الأولاد يصدرون صوتًا كأنه لحن يعزفه النوم.
لاذ بركن بعيد عن الجميع، وجلس مع نفسه. حاول أن يعود إلى التفكير ولكن ذهنه كان ضحية الصداع الشديد. استسلم إلى الصمت، واليأس من الوصول إلى حل. ما هذا الأرق والقلق إلا نوع من الحسد. أو نتیجة وقوفه في مفترق الطرق يعرف ماذا يريد من وجوده في الحياه؟
أغرق وجهه بين كفيه. ان الصداع مطرقة تضرب أعلى الرأس، وإن العذاب يشمل كل النفس. مال بقامته فوق بطنه. وتكوم كشخص يشكو من شيء في المعدة. عادت السكين تمزق الأحشاء، وفي الحال تذكر الدواء. كيف نسى أن يشتريه؟ فيم كان ذهابه الى حجرة الطبيب وانتظاره؟
ترامى إلى أذنيه رنين الجرس. آن له أن يذهب الى مكتب توزيع الصحف تنبه على حركة آتية من جهة حجرة نومه، رفع بصره، رأی زوجته قادمه وهي تتعثر في مشيتها. سألته:
- ألم تنم يا محمود؟
- نعم.. لم أنم.. وبطني تؤلمني
- أنت محير.. لا تسمع كلامي..
ولا كلام أخيك ولا كلام الطبيب.. وأهملت وضيعت الورقة المكتوب فيها الدواء.. وظننت أنه الحسد سبب البلاء بدلًا من التفكير في العلاج
- أهذا ما يقال في الصباح.. إني ذاهب.. فأنا لا أمشي على بطني وإنما أمشي على قدمي.
وبدل ملابسه وخرج يجري في هذه المرة
- البقية في العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل