العنوان الخمر بين الطب والفقه (الحلقة الثانية)
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1975
مشاهدات 78
نشر في العدد 247
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 29-أبريل-1975
الغول «الكحول» وعلم الأدوية والسموم
(أ) التداوي بالخمر
هل الكحول «الغول» وبالتالي الخمور دواء أم هي سم؟ يقول الدكتور أوبرى لوس رئيس قسم الأمراض النفسية في جامعة لندن في أكبر وأشهر مرجع طبي بريطاني «مرجع برايس الطبي» Price Textbook of Medicine: «إن الكحول هو السم الوحيد المرخص بتداوله على نطاق واسع في العالم كله. ويجده تحت يده كل من يريد أن يهرب من مشاكله. ولذا يتناوله بكثرة كل مضطربي الشخصية ويؤدي هو إلى اضطراب الشخصية ومرضها «Psychopatihc Anomaly»
إن جرعة واحدة من الكحول تسبب التسمم وتؤدي: أما الى الهيجان أو الخمود. وقد تؤدي إلى الغيبوبة.
أما شاربو الخمر المزمنون Chronic AlcohOlics فيتعرضوا للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون».
وقد كان الأطباء يزعمون في الأزمنة الغابرة وعلى زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعده وحتى عهد قريب أن للخمر بعض المنافع الطبية ثم تقدمت الاكتشافات العلمية وبطلت تلك المزاعم وتبين أنها أوهام، وأن كلام الصادق المصدوق عنها هو الحق الذي لا ريب فيه ولا التباس؛ فقد قال عنها -صلى الله عليه وسلم- لطارق الجعفي عندما سأله عن الخمر فنهاه فقال طارق: إنما أصفها للدواء، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنه ليس بدواء ولكنه داء" أخرجه مسلم والترمذي وعن أبي هريرة «نهى رسول الله عن الدواء الخبيث» أبو داود وأخرج أبو داود أيضاً في سننه: إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام.
وعن طارق بن سويد الحضرمي قال، قلت يا رسول الله إن بأرضنا أعنابا نعصرها فنشرب منها؟ قال: لا. فراجعته قلت: إنا نستشفي للمريض. قال: إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء. أخرجه مسلم.
وتوهم بعض المتقدمين أن في الخمر منافع طبية واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾. (البقرة: ٢١٩). وقد رد كثير من الأئمة على هذا الزعم. فيقول الأمير الصنعاني في كتابه سبل السلام: «وفي كتاب النجم الوهاج قال الشيخ: كل ما يقوله الأطباء من المنافع في الخمر وشربها كان عند شهادة القرآن أن فيها منافع للناس قبل. وأما بعد نزول آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ٩٠) الآية.
فإن الله تعالى الخالق لكل شيء سلبها المنافع جملة فليس فيها شيء من المنافع. وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر، والذي قاله منقول عن الربيع والضحاك. وفيه حديث أسنده الثعلبي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى لما حرم الخمر سلبها المنافع» ص ٣٦ الجزء الثاني.
والمنافع في الخمر موهومة فهي إما منافع مادية لمن يبيع الخمر ويتجر بها ولكنها طامة كبرى على المجتمع وخسارة مادية أي خسارة. وإما منافع طبية وصناعية وأغلبها موهوم، مثل الاعتقاد بأن الخمر تفتح الشهية. وقد استخدمت الخمر كفاتح للشهية منذ أقدم العصور واستخدمها اليونان والرومان والفرس والعرب وتفننوا فيها..
ويستخدمها الأوروبيون اليوم وخاصة الفرنسيون وتدعى Appertif أي فاتح الشهية، وعادتهم ألا يشربوا الأطعمة إلا النبيذ وكذلك الإيطاليون.. والخمر تفتح الشهية أول الأمر فتزيد من إفراز حامض المعدة كلور الماء Hydrochloric Acid
ولكنها بعد فترة تسبب التهاب المعدة وتعقب تلك المنفعة الموهومة مضرات وعواقب وبيلة وخيمة أولها التهابات المعدة وفقدان الشهية والقيء المتكرر وآخرها سرطان المريء.
ومن تلك المنافع الطبية الموهومة أنها تدفئ الجسم. وقد جاء وفد اليمن ووفد حضرموت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يسمح لهم بشرب الخمر بحجة أن بلادهم باردة فأبى عليهم ذلك؛ فقد روى ذلك أبو داود أن ديلم الحميري سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديداً، وإنا نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وبرد بلادنا؟ قال رسول الله هل يسكر؟ قال: نعم. قال: فاجتنبوه. قال: إن الناس غير تارکیه قال: فإن لم يتركوه فقاتلوهم.
وجاء الطب الحديث بعد هذه الحادثة بألف وأربعمائة عام تقريبا ليقول لنا إن ذلك الدفء ليس إلا من قبيل الوهم. فالخمر توسع الأوعية الدموية وخاصة تلك التي تحت الجلد فيشعر المرء بالدفء ويفقد حرارة جسمه في الجو القارس. وقد يؤدي ذلك إلى وفاته وهو ينعم بالدفء الكاذب. كما يحصل في أعياد رأس السنة وأعياد الميلاد في أوربا وأمريكا حيث يسكر كثير من الناس ويبقى بعضهم في الشوارع والحدائق يتعرضون للبرد القارس فيموتون من البرد وهم ينعمون بالإحساس الكاذب بالدفء.
ومن تلك المنافع استخدامها في الصناعة كحافظ لبعض المواد وكمادة منشفة للرطوبة Anti Freeze وكمذيب لبعض المواد القلوية والدهنية Dehydrating Agent Solvent كما يستخدم في الطب كمطهر للجلد وكمذيب لبعض الأدوية التي لا تذوب إلا في الكحول. كما يستخدم الكحول كمذيب للمواد العطرية ويستخدم بكثرة في صنع الروائح والعطور «الكولونيا والبارفان» وقد بطل استخدام الخمر كترياق ودواء في الطب الحديث ولكن بقي استعمال الكحول كمذيب لبعض الأدوية والعقاقير والعجيب حقاً أن علماء الإسلام قد بحثوا هذه المسألة بحثاً دقيقاً وأتوا فيها بالعجب العجاب. يقول مغني المحتاج:
«إن التداوي بالخمر حرام إذا كانت صرفاً غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه. أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم به التداوي من الطاهرات. فعندئذ يتبع حكم التداوي بنجس كلحم حية وبول.
وكذا يجوز التداوي بذلك لتعجيل الشفاء بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك، أو معرفته للتداوي به وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلاً لا يسكر».
ولا شك في حرمة الخمر الصرفة كدواء فهي داء وليست دواء. ولكن استعمالها في الترياق، وهي الآن تستعمل في كثير من الأدوية كمذيب لبعض المواد القلوية أو الدهنية التي لا تذوب في الماء، هذا الاستعمال هو المذكور في مغني المحتاج وهو جائز بشروط:
١- ألا يكون هناك دواء آخر خال من الكحول ينفع لتلك الحالة.
٢- أن يدل على ذلك طبيب مسلم عدل.
٣ - أن يكون القدر المستعمل قليلاً لا يسكر.
وإذا نظرنا إلى الأدوية الموجودة التي بها شيء من الكحول نجدها على ضربين: الأول مواد قلوية أو دهنية تستعمل كأدوية ولا بد لإذابتها من الكحول.
أما الثاني: فمواد يضاف إليها شيء يسير من الكحول لا لضرورة وإنما لإعطاء الشراب نكهة خاصة ومذاقاً خاصاً تعود عليه أهل أوربا وأمريكا أي من حيث يأتينا الدواء جاهزاً مصنعاً.
وهذا النوع الثاني لا شـك في حرمته. ولا بد للطبيب المسلم أن يتروى في وصف الأدوية التي بها شيء من الكحول وليتجنبها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
ولم يسمح أحد من فقهاء الإسلام باستخدام الخمر كدواء إلا عند الضرورة القصوى مثل أن يغص امرؤ ما بلقمة ولا يجد أمامه إلا الخمر فعندئذ يجوز شربها لإزالة الغصة.
ويقول سيد سابق في فقه السنة:
«ومثل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة فكاد يختنق ولم يجد ما يسيغها به بمن غص بلقمة سوى الخمر». ولكنه -أي سيد سابق- يقع في خطأ فاحش عندما يقول: أو من أشرف على الهلاك من البرد ولم يجد ما يدفع به هذا الهلاك غير كوب أو جرعة خمر. وقد أوضحنا زيف ذلك الوهم الذي يقول إن الخمر تدفئ الجسم وكذلك يقع في الخطأ الفاحش حين يقول: «أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت فعلم أو أخبره الطبيب بأنه لا يجد ما يدفع به الخطر سوی شرب مقدار معين من الخمر». فهذا أيضاً خطأ فاحش.. ووهم قاتل، فإن الخمر لا توسع الشرايين التاجية المغــذية للقلب كما كان موهوماً من قبل وإنما تضيقها وذلك بترسيب الدهنيات والكوليسترول في جوفها وبذلك تساعد على تسبب جلطات القلب والذبحة الصدرية وخاصة مع التدخين. فكلتا المادتين تساهم في انسداد الشرايين التاجية الأولى «أي الخمر» بترسيب الدهنيات والكوليسترول والثانية بانقباض الشرايين وتضييق مجراها.. وللخمر خاصية أخرى فهـي تصيب عضلة القلب بالتسمـم Toxic Myocarditis وسنعرض ذلك بالتفصيل عندما نتحدث عن الخمر والقلب والجهاز الدوري.. ونقول للشيخ سيد سابق غفر الله له إنها ليست من باب الضرورات التي تبيح المحظورات كما توهم. وإنما هي المضرات والمفاسد التي ينبغي أن تحظر. وقد أعجبني الإمام ابن القيم عندما تعرض لهذه النقطة في كتابه الطب النبوي. فقد كان عملاقاً شامخاً كالطود لم يهله ادعاء الأطباء في زمانه أن الخمر دواء فأوضح وأبان كيف هي داء.. وكان صدق إيمانه بربه وبرسوله قد انتهى به إلى النهايات الصحيحة وأتى بما لم يأت به الطب في زمانه بل والتفت إلى نقط دقيقة كل الدقة.. ولــم ينتبه لها الطب إلا في الآونة الأخيرة ومنها تأثير الاعتقاد في الدواء فإذا كان اعتقاد المريض في الدواء والطبيب حسنا حصل له نوع شفاء وأن كان اعتقاده سيئاً لم يحصل له ذلك.
ويسمى ذلك التأثير Placebo Effect ويعرفه الأطباء كافة. فيقول ابن القيم:
«إنما حرم الله على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه له حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسـب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل. فإنه وإن أثر في إزالتها «هذا الكلام حسب رأي الطــب في زمنه»، لكنه يعقب سقماً أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه، فيكون المداوي به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب». وتحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته. وهذا ضد مقصود الشارع».
«وهو داء كما نص عليه صاحب الشريعة فلا يجوز أن يتخذ دواء.
وهو يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالا بيناً. فإذا كانت کيفيته خبيثة أكسب الطبيعة منه خبثا، فكيف إذا كان خبثا في ذاته.
ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة لما تكتسب النفس من هيئة الخبث وصفته».
ولنا هنا تعليق سريع. فهذه المسألة في منتهى الدقة ولم يتبينها الطب بعد بالتفصيل. فإن الأغذية والأشربة تتحول بعد الهضم والامتصاص إما إلى طاقة تحرك الجسم ووقود للعقل والقلب أو إلى مواد لبناء الأنسجة وإبدال التالف منها بجديد صالح.
ونحن نعرف الآن أن المواد النشوية والدهنية تتحول إلى طاقة بينما تتحول المواد البروتينية إلى خلايا وأنسجة. ويقع ذلك ضمن عمليات كيماوية معقدة فدورة كريب Krebs Citric Acid Cycle مثلاً هي مجموعة من العمليات الكيماوية البالغة التعقيد التي تحول سكر الدم الجلوكوز في ميتوكوندريا الخلايا إلى طاقة مخزونة عبر ما يقرب من أربعين عملية كيماوية. وتتحول ضمن دورة كريب وخارجها مجموعة من الأحماض الأمينية Amino Acids الهامة لبناء الخلايا والأنسجة فالمواد البروتينية ليست إلا مجموعة ضخمة من الأحماض الأمينية هذه.
وهكذا ترى أن ما تأكله أو تشربه يتحول بالتالي إلى محرك لعضلة يدك أو عضلة قلبك أو قادح لزناد فكرك أو يتحول إلى نفس تلك العضلة في اليد أو اللسان أو القلب أو يجري في عروقك مع دمك مكونا الكرويات الحمراء أو البيضاء أو الصفائح، أو حيواناً منوياً يخرج من صلبك.
أفلا يدخل في تركيب جسمك وتكوين فكرك بعد هذا ما تأكله أو تشربه من الخبائث كالخمر ولحم الخنزير وغيرها مما حرمها الله؟ بلى إنها لكذلك.
أفلا يكون كلام ابن القيم بعد هذا دقيقاً كل الدقة بارعاً كل البراعة في وصف ما لم يهتم به الطب الحديث إلى اليوم؟ بلى إنه لكذلك. وإنه كما قال ابن القيم يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث. فكل أكل أو شرب يدخل الجوف ويجري في العروق مع الدم يتمثله الجسم إما بالهدم Catabolism فيتحول إلى طاقة نعيش بها ونتحرك، أو إلى بناء Anabolism فيتحول إلى خلايا وأنسجة.
فإذا دخل الخبث جوف ابن آدم وجرى في عروقه مجرى الدم.. وكان الخبث مصدر نشاط يده ولسانه وفكره وقلبه وكان الخبث عضلة من عضلات جسمه أو خلية من خلايا دمه أو حيواناً منوياً يخرج من صلبة فالخبث لا شك يؤثر في كل ذلك.
وهكذا تصدق عبارة ابن القيم «ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة لما تكتسب النفس من هيئة الخبث وصفته».
ونستطرد فنسمع لابن القيم قوله:
«إن في إباحة التداوي به «المحرم» ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها، مزيل لأسقامها جالب لشفائها فهذا أحب شيء إليها.
والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن. ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضاً وتعارضاً. وأيضاً فإن في هذا الدواء المحرم «ليس دواء» ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء وأخيراً يقول: «وهنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها. فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته. وهذا كلام يعرفه الأطباء، ويسمى هذا التأثيرPlacebo Effect.
ثم يقول ابن القيم: «ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين «الخمرة» مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول.
بل كلما كان العبد أعظم إيماناً كان أكره لها وأسوأ اعتقاداً فيها. وطبعه أكره شيء لها. فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء له لا دواء».
وهذا كلام عجيب والأبحاث الطبية اليوم تتجه إليه، وذلك: اختلاف تأثير الدواء الواحد في المجتمعات المختلفة فبينما يؤثر الدواء في مجتمع بعينه بطريقة خاصة يختلف ذلك التأثير ولو يسيراً في مجتمع آخر بل إن تأثير الدواء يختلف من شخص إلى آخر ويؤثر في ذلك عوامل عديدة ليس أقلها أهمية العامل النفسي لدى متناول الدواء فإن كان تلقيه للدواء بالقبول واعتقاد المنفعة حصل له ولو نوع شفاء وإن كان تلقيه له بسوء الظن فيه واعتقاد مضرته لم يحصل له نوع شفاء بل ربما حصل له نوع ضرر. وهذا باب جديد في الطب.
فلله در ابن القيم كيف استطاع أن يدرك التأثير النفسي في تلقي الدواء وهو أمر لم يدرك بعد على حقيقته بصورة واضحة إلى اليوم. والأبحاث لا تزال جارية في هذا الميدان.
أما تأثير الدواء الخبيث أو المأكل أو المشرب الخبيث في النسل فهو باب جديد من أبواب الطب. وقد كثر الكلام فيه بعد اكتشاف قصة عقار الثاليدوميد Thalidomide وهو عقار مهدئ خال من المضاعفات فلما أعطي للحوامل تشوهت الأجنة وخرج الأطفال بدون أطراف.
وثارت قضايا أمام المحاكم في أوروبا وخاصة في ألمانيا حيث اكتشف هذا الدواء. وسحب الدواء ولكن الشركة التي أنتجته أفلست لفرط ما دفعت من غرامات وتعويضات.
وقد اتضح أن أولاد مدمن الخمر يكونون في الغالب مدمنين وتكثر فيهم نزعة الإجرام كما يكثر فيهم الخلل العقلي والعته والجنون. ولكن هل ذلك ناتج من تأثير الخمر في الصبغيات «الكروموسومات» والناسلات «الجينات» التي تحمل الصفات الوراثية عبر الحيوان المنوي للرجل أو البويضة للأنثى. أم أن ذلك ناتج عن تأثير البيئة الفاسدة.
يجيب العلماء في هذا بقولهم: إننا لم نكتشف «جينًا» ناسلًا خاصًا في الحيوان المنوي أو البويضة يحمل خاصية الإدمان ولكننا نعلم أن نسبة المدمنين عالية جدًا بين الذين لهم تاريخ عائلي بالإدمان ٦٢ بالمائة بينما تكون النسبة لدى شاربي الكحول العاديين Social Drinkers منخفضة وهي ١٦ بالمائة كما يقول الدكاترة سيتل وفوجتلين ولامير الذين يعملون في مصح شارل لمعالجة الإدمان. وهو أشهر مصح لمعالجة الإدمان في الولايات المتحدة.. كما أجريت تجارب أخرى فنقل أولاد المدمنين من بيوت أسرهم وهم أطفال وأنشئوا نشأة عادية في بيئة بعيدة عن الإدمان فوجد أن نسبة كبيرة منهم انقلبت إلى الإدمان عندما تعرضت لشرب الخمور. وهذا يدل على أن هناك استعدادًا وراثيًا على الأقل للإدمان بين المدمنين. وأن شرب الخمور يؤدي بالتالي إلى إيجاد حيوانات منوية لدى الرجل أو بويضة لدى المرأة مصابة في إحدى ناسلاتها «جيناتها» بالاستعداد لشرب الخمور لدرجة الإدمان. وباختصار كما يقول الدكتور لنكولن ويلمز Dr. Lincolin Williams في كتابه القيم: Alcoholism Explained شرح إدمان الكحول «إن بذرة الإدمان تنمو بسرعة في تربة الإدمان العائلي».
وهكذا تتضافر عوامل الوراثة مع عوامل البيئة في إيجاد ذرية تميل إلى الإدمان أي أنها بمجرد شرب الخمور لا تملك القدرة على التوقف كما يتوقف معظم الشاربين وإنما يستمرون في الشراب حتى الثمالة.
وقبل أن ننهي هذا الفصل عن التداوي بالخمر نورد بعض الحوادث التي تدل على عمق الإيمان. وكيف كان المسلمون يتقبلون كلام الله ورسوله بالطاعة التامة.. ولا يصدقون في ذلك أقوال الأطباء في زمنهم.. ثم يتطور العلم ويتقدم الطب فإذا الطب الحديث يكتشف صدق ما ذهب إليه هؤلاء وزيف ما اعتقده الأطباء في تلك الأزمنة.
وقد أوردنا مقالة ابن القيم في هذا الصدد وقد قالها في زمن كان الطب مجمعًا فيه على أن الخمر دواء..
ورفض بصدق إيمانه تلك الخرافة ونعرض الآن لبعض ما روي عن الإمام جعفر الصادق في هذا الصدد ففيه غناء: «سأل أحدهم الإمام الصادق عن رجل به البواسير الشديد وقد وصف له دواء من نبيذ لا يريد به اللذة بل يريد الدواء فقال: لا ولا جرعة. قيل: ولم. قال: لأنه حرام وإن الله لم يجعل في شيء مما حرمه دواء ولا شفاء». وقد كان الطب في تلك الأزمنة الغابرة يظن أن علاج البواسير بالخمر، وما درى الطب آنذاك أن الخمر تسبب البواسير وتهيجها وذلك بطريقتين: مباشرة وثانيها بواسطة تليف الكبد وازدياد ضغط الدم في الوريد البابي..
وسنعرض لذلك عندما نتحدث عن الكبد إن شاء الله.
«قال أحدهم للإمام جعفر الصادق: إن بي وجعًا وأنا أشرب النبيذ ووصفه لي الطبيب فقال له ما يمنعك من الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي؟ قال: لا يوافقني.
قال: فما يمنعك من العسل الذي قال الله فيه شفاء للناس؟ قال: لا أجده. قال فما يمنعك من اللبن الذي نبت منه لحمك واشتد عظمك؟
قال لا يوافقني. قال: تريد أن آمرك بشرب الخمر لا والله لا آمرك.
وسئل الصادق عن الدواء يعجن بالخمر. فقال: ما أحببت أن أنظر إليه ولا أشمه فكيف أتداوى به؟
ونكتفي بهذا القدر في هذا الصدد فإن فيه غناء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل