العنوان اغتيال عبد الله عزام... لماذا
الكاتب حامد أحمد الرفاعى
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1989
مشاهدات 62
نشر في العدد 946
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 19-ديسمبر-1989
هذا التساؤل.. ليس نابعًا من غربة أن يلقى المجاهدون مثل هذا الغدر والكيد،
في ساحات الصراع بين الحق والباطل.. وليس مصدره، استهجان الشهادة في خنادق التضحية
والفداء، لا.. ليس هذا، وما ينبغي لمؤمن أن يفكر كذلك أو على نحو ذلك، فالجهاد في
سبيل الله ليس له مع الصابرين على صدق البيعة فيه مع الله تعالى إلا ثمرتان،
الشهادة أو النصر.. والشهادة في رصيد الفرد المؤمن تجميع الحسنيين، انتصار في
الدنيا، وهو يغذي بدمه روح الجهاد من بعد، وفوز بالآخرة -برضوان الله تعالى-
بأعلى مراتب الإكرام الرباني.. وأي إكرام وإعزاز يرقى لما أعد للشهداء..
فأرواحهم في حواصل طير خضر، تغدو وتروح في رياض الجنة، وتأوي إلى قناديل من ذهب
معلقة في عرش الرحمن سبحانه.. ويزين هاماتهم تاج الوقار الياقوتة منه خير من
الدنيا وما فيها، وغيره الكثير الكثير، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على
قلب بشر.. أجل، ليس في إطار هذه المعاني تولد هذا التساؤل.. إنما تولد غيره من
التساؤلات في أجواء المفاعلة الجادة مع أحداث المسيرة الإسلامية المعاصرة..
المفاعلة التي تعكس القراءة الواعية المبصرة لهذا الحدث وغيره.. ما دوافعه؟ ما
أبعاده الإقليمية؟ ما أبعاده العربية والإسلامية؟ ما أبعاده الدولية؟ ما الدروس
المستفادة منه؟
وبين يدي المفاعلة مع هذه التساؤلات لا بد من مراقبة دؤوبة ومتابعة جادة
لتسارع الأحداث العالمية وتغيراتها الإستراتيجية.. مع محاولة تحديد المعالم
الرئيسية للتوجهات العالمية.. والتي يمكن للمتتبع أن يلتمس بعضًا منها بكل يسر
وسهولة.. وهنا يمكن تحديد بعضًا من هذه التوجهات على النحو التالي :
- إن العالم اليوم يعيش مرحلة القرار العالمي والحدث الدولي.
- القرارات والأحداث الإقليمية، تفاعلات جزئية في ميكانيكية
المفاعلة الدولية للحدث العالمي.
- إن القدرة والكفاءة لأية جهة على التحكم في الحدث الإقليمي
وقراراته، مقوم فعال وأساسي في إعطائها فرصة التحكم أو المشاركة في صناعة
القرار والحدث العالمي.
- لا مكان للفردية السياسية مع منهجية التعاونيات السياسية
العالمية، وأحسب أن الهامش آخذ بانكماش أمام الكيانات والسيادات الإقليمية
التقليدية، إن لم تتدارك نفسها بالأخذ بمنهجية التعاونية أو
الاتحادية السياسية مع من تتكامل معهم ثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا
وجغرافيًا
.
وبعد وفي إطار هذه المعاني وغيرها.. يفهم المسلم، أو ينبغي أن يفهم أبعاد كل
حدث في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر.. وأحسب أن الساحة الأفغانية وأحداثها.. من
أدق وأخطر الأحداث التي تواجه مسيرة الانبعاث الإسلامي المعاصر.. وأحسب أن أخطر ما
في هذه الساحة أحداث التحدي الداخلي للنخبة المسلمة القائدة، يتبع ذلك خطر التحدي
الخارجي بكل أشكاله وألوانه، أجل إن أخطر ما في الساحة هو واقع النخبة المسؤولة أو
التي ينبغي أن تكون مسؤولة، تدرك أبعاد هذه المسؤولية، وترتضي بنفسها وبمواقفها
وتصرفاتها إلى مستوى هذه المسؤولية.. المسؤولية التي تضع الجهاد الأفغاني وأحداث
الجهاد الأفغاني في إطار مسؤوليات الانبعاث الإسلامي المعاصر.. وإطار التحديات
الجسام التي تواجه هذا الانبعاث.. المسؤولية التي تدرك قيمة وأبعاد الحشد
الإسلامي العالمي، الذي حشد لهذا الجهاد، ومسؤوليات هذا الحشد على كل مستوى وصعيد..
المسؤولية التي تدرك أو ينبغي أن تدرك المخاطر المترتبة على أية درجة من درجات
الانتكاس لهذا الجهاد -لا سمح الله- على أجيالنا المسلمة المعاصرة.. وأجيال
الإنسانية الباحثة عن الحل الحضاري الموعود.. المسؤولية التي تدرك أن هذا الجهاد
بات يشكل رهانًا خطيرًا على قدرة الكفاءة المسلمة والقيادات المسلمة في مواجهة
تحديات إقامة الحكم الإسلامي، وتحديات التعامل مع مسؤوليات الحكم الإسلامي..
فالفرق كبير وكبير جدًا بين القدرة على صناعة الموت.. وبين القدرة والكفاءة على
صناعة الحياة.. والفرق كبير وكبير جدًا بين القدرة على التضحيات في خنادق القتال
وبين القدرة والكفاءة على التضحيات في خنادق الصراع مع الذات والصراع مع المغانم..
ومن قبل، قيل للأخوة قادة الجهاد الأفغاني وفي أكثر من مناسبة، إن المطلوب منكم في
خنادق السياسة والحاكمية أعظم وأجل وأدق وأصعب على النفوس من تضحياتها في خنادق
الاستبسال والقتال.. أجل في إطار هذه المعاني التي بات ينبغي أن تُقرأ الساحة
الأفغانية، وينبغي أن تقرأ أحداثها.. وحدث اغتيال الأخ الحبيب الشيخ الشهيد عبدالله
عزام من الأحداث التي تشكل منعطفًا خطيرًا في مسيرة الجهاد الأفغاني، وحدثًا
خطيرًا في مسيرة التعامل مع أحداث هذا الجهاد.. بل هي رسالة ميدانية صارخة يجب أن
يدرك أبعادها ودلالاتها قادة الجهاد الأفغاني، كما ينبغي على كل مهتم بهذا الجهاد
أن يدرك أبعاد ودلالات هذه الرسالة الدموية.. وأحسب أن من الدلالات والدوافع
من وراء اغتيال الشهيد عبد الله عزام ما يلي :
أولًا: على الساحة الأفغانية:
1- القضاء على الخندق المتحرك على جميع الجبهات، تسليحًا
وتموينًا وتطبيبًا.
2- إسكات الصوت الإعلامي الأكثر تأثيرًا في الذود عن الجهاد وفضح
مكائد أعدائه وخصومه، والأكثر تأثيرًا في رفع المعنويات وبعث العزائم في النفوس
محليًا وعالميًا
3- قلع العين المبصرة والدائمة السهر في التحذير من حركات الالتفاف
والانقضاض على الجهاد الأفغاني وثمراته.. من عمائم وافدة وغريبة عن روح
الجهاد الأفغاني وأصول منطلقاته وتوجهاته .
4- القضاء على الخبير الماهر والفعال في نزع الفتيل، وتعطيل ألغام
التفجير التي تحرص جهات غادرة على زرعها بين قادة ورموز الجهاد الأفغاني.
5- تعطيل العامل المهم والفعال في تغطية، وتدارك كل ثغرة تخلفها
حالات الخلاف البارد والساخن بين قيادات الجهاد الأفغاني.
6- إضعاف مهابة الجهاد الأفغاني في نفوس
أهله وأنصاره، ومنح الجرأة للمتربصين بالجهاد من كل ملة ومذهب.
7- تشجيع الأعداء والخصوم للتحول من مواقع الدفاع إلى مواقع الهجوم
والانقضاض على مفاصل الجهاد وركائزه.
ثانيًا: على الساحة العربية والإسلامية:
عبدالله عزام شخصية جهادية، تمثل رمزية جادة لأبعاد ثلاثة في الجهاد
الأفغاني، البعد الفلسطيني، والبعد العربي والبعد الإسلامي، وأحسب أن لكل بعد من
هذه الأبعاد الثلاثة دلالاته وأهميته في تحديد الدوافع من وراء اغتيال عبدالله
عزام والتخلص منه.
1- البعد الإسلامي:
إن عملية الحشد الدؤوبة والبارعة- للطاقات والإمكانيات التي حمل لواءها
الشيخ عبدالله عزام على امتداد العالم الإسلامي، أعطت للجهاد الأفغاني البعد
الميداني الإسلامي وتجنيد المسؤولية الإسلامية في خدمة هذا الجهاد على المستويين
الشعبي والرسمي؛ مما جعل الاتحاد السوفياتي وعملاءه أمام خندق للجهاد
«قتاليًا وسياسيًا» امتداده يطال العالم الإسلامي بأسره.
2- البعد العربي :
معظم الساحات العربية «إلا من رحم ربي» وعلى مدى نصف قرن خضعت أجيالها
لتأثير ثقافي وسياسي، أضعف عندها حوافز المفاعلة مع الأحداث الإسلامية من خارج
المنطقة العربية، وأقامت تلك السياسات عزلة بين الحس العربي والحس الإسلامي بعامة،
فكان الجهاد الأفغاني الصوت الذي اخترق حاجز العزلة، وكان عبدالله عزام هو الصرخة
الأعلى والأقوى في اختراق هذا الحاجز.. بل كان الشيخ الأقدر على مفاعلة هذه الصرخة
مع وجدانيات الحس العربي ميدانيًا، مما جعل كثير من الساحات العربية، ساحات رديفة
للساحة الأفغانية. وللإنصاف لابد من الإشارة إلى الساحات الخليجية التي لبست بكل
جدارة وفعالية العمامة الأفغانية في كل خندق من خنادق الجهاد الأفغاني
المتنوعة.
3- البعد الفلسطيني:
أحسب أن هذا البعد كان أخطر الأبعاد وراء الدوافع في اغتيال الشهيد عبدالله
عزام.. إن فلسطين وبيت المقدس، هي مادة الحشد الفعال لطاقات المسلمين في العالم،
في معركة الصراع بين الحق والباطل.. والانتفاضة الفلسطينية رغم أنها ولادة «مبكرة»
للزحف المراد.. إلا أنها مع ذلك لها دلالاتها، ولها آثارها التي دخلت في أدق
الحسابات الدولية عامة، والحسابات الصهيونية خاصة.. ومن الحسابات الصهيونية
الدقيقة في إطار احتمالات تطور الانتفاضة.. أن تحول دون توفر زعامة عالمية لها،
ذات مواصفات علمية وميدانية، وهذا وغيره ما أحبه ممثلًا بكل جدارة بشخصية عبدالله
عزام.. فلابد إذن من المسارعة إلى تصفيته والخلاص منه.. وفق
المنهجية الصهيونية مع كل ظاهرة تتعارض مع أمن وجودها واستمرار بقائها .
ثالثًا: على المستوى العالمي:
الجهاد الأفغاني وما ولده على الساحات العربية والإسلامية من إحياء لروح
الجهاد.. وكسر لحاجز الخوف والتوجس من مواجهة القوى العظمى والتكنولوجيا القتالية
المتفوقة، والذي كان من آثاره الميدانية- وعلى أضعف ساحة عربية- ظاهرة الأطفال
والحجارة حول بيت المقدس، وآثار ذلك على الحس الإسلامي والعالمي، أجل إن هذه
الآثار للجهاد الأفغاني أدخل الكثير من التعديل على الموازنات والمعادلات الدولية
المحلية منها والعالمية.. انتهت بالمواقف الدولية -المتصارعة على
أكثر من ساحة- إلى اتفاق تام على أمر ما سبق للموقف الدولي أن اتحد على غيره مثلما
اتحد وتجانس من أجله.. ألا وهو إجهاض الجهاد الأفغاني وعدم إعطائه فرصة لتمام
النصر وألا يعطى فرصة لأية درجة من درجات الحاكمية الإسلامية.. ولتحقيق هذه الغاية..
فإن القوى العالمية آخذة في التعامل مع هذا الجهاد وفق محاور ثلاثة:
- تصفية ركائز القوة فيه وعزله وتجريده من كل عوامل القوة الداعمة
من خارجه، فكانت البداية بيتر الرئة الباكستانية لتنفسه، وتجديد دمائه فاغتالوا
الجنرال القائد محمد ضياء الحق رحمه الله تعالى، هذا القائد الذي لا يزال بعض
الحمقى المهزومين يغمزون قيادته الفذة وعهده الميمون.. وجاء من بعد غدرهم
ليغتال شهيدنا الشيخ عبدالله عزام..
- بعث وتغذية عوامل الصراع البارد والساخن بين قادة المجاهدين
سياسيًا وميدانيًا، وبث العناصر المؤججة لحرق هذا الصراع النكد مع ممارسة اللعبة
الماكرة الخسيسة.. لعبة التلويح بعهود التعاون مع طرف دون آخر عن طريق مخابرات
كابل حينًا أو عن طريق الاتصال الدولي المباشر أحايين كثيرة.
- دفع بعض الجهات المسماة بالوطنية أو غيرها من المنطقة ترفع رايات
الجهاد مزورة لتدخل الساحة الأفغانية، وتساوم وتكابد بغية إشعال فتنة الحرب
الأهلية طمعًا بذبح الشعب الأفغاني شر ذبحة وبأيدي أبنائه وما لبنان عنا ببعيد.
أجل هذه بعض معالم القراءة الموضوعية لحدث اغتيال البطل الشهيد عبد الله
عزام. أما عن الدروس المستفادة من هذا الحدث الجلل فإنها لكثيرة، والمقام لا يحتمل
التفصيل فيها، وأكتفي بأن أحيل إخواننا قادة الجهاد الأفغاني وكل مجاهد غيور وكل
مسلم مهتم.. أحيلهم جميعًا إلى أحداث جبل الرماة يوم أحد، ففيها الكثير الكثير من
الدروس والعظات.. ورحمك الله تعالى يا أبا محمد وتقبل منك.. لقد كانت حياتك كلها
دروس وعظات.. وها هو استشهادك يثري ساحات الجهاد بالدروس والعظات.. فسلام عليك
وعلى ولديك في الصالحين مع الأنبياء والشهداء.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين.
- وصية
كاتب الشعر.. تمهل
واحفظ القاعدة.. الأولى من الشعر
بصبر
وتمهل
جهز الحبر.. ودقق
ولأوراقك.. نسق
وانتبه.. لا تتعجل
ثم فكر.. في المعاني..
وتدبر «ربحك» المأمول فيها
والأماني..
ثم أي الشعر تأمل
ابدأ الشعر باسم القائد الملهم فضلًا
فهو البدر وأجمل
واذكر الفضل.. الذي جاءك منه
واذكر الحكمة.. والحنكة.. أيضًا
فهو.. بالحكمة.. أكمل
يا صديقي..
كل من يكتب.. شعرًا..
هو فنان.. و«تاجر»
«يعرض» الشعر.. فيحظى..
بملايين البشائر
والذي لا يحفظ القاعدة.. الأولى من
الشعر..
ولا يعرض شعرًا..
فهو مجنون.. و«كافر»
وهو أيضًا ليس شاعر
إنما يصبح.. كالماشي على الماء
وفي النار يغامر!
محمد حمود زيد الموشكي