; المجتمع الأسري.(1259) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري.(1259)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1997

مشاهدات 72

نشر في العدد 1259

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 22-يوليو-1997

ما أحسن لحظة في حياتك؟

القاهرة: محمد ثابت

التفوق، تفاهم الأب والأم، استضافة الأولاد يوم الإجازة، موقع مرموق، قدر معقول من المال طاعة الله والقناعة، من منا تسعده وتريح قلبه دقائق الصلاة الغالية أكثر من تحقيق ربح تجاري؟! لا مانع من أن نفرح بالخير والرزق الحلال يأتينا من الله، ولكن الحضور في العبادة والإخلاص في الطاعة واجب شرعي يسبق هذا كله.

الانطباع الأولي عن البشر قد لا يعبر عن الحقيقة، ففي زحام الحياة الشديدة قد تلتقي بعضهم وتظن للوهلة الأولى أنهم لا يعانون أي منغصات في الحياة، وحينما تتجاذب معهم أطراف الحديث تجد الأمر مختلفًا، والظاهر لا يعبر عن الباطن، فكل منهم لديه مشكلة أو مشكلات تكدر صفو حياته، الأمر الذي يجعله يتطلع بشغف وتوق إلى لحظة سعيدة في الحياة.

لتحقيق هذه المسألة التقينا عددًا من الصبية والفتيات والرجال والنساء للتعرف على اللحظة التي يحلمون بها، ورؤية الدين وعلم النفس لتقديمها عبر هذه السطور.

عمرو محمد- 10 سنوات أبي يعمل في القوات الجوية راتبه ليس قليلًا، ينفقه علينا، ولكن أمي غير راضية، وهي تظن أننا ستسعد أكثر لو انتقلنا إلى شقة جديدة أو إذا اشترت لنا ملابس أغلى إنها لا تعرف أن لحظة السعادة  -«الفرحة»- التي أجدها هي اللحظة التي نراها قد توقفت.

رجاء رشدي- طالبة جامعية لحظة الهناء التي أنتظرها هي لحظة تفوقي، فأنا طوال سنوات تعليمي اجتهد انتظارًا لها، لحظة سعادتي هي لحظة التميز، فأنا طالبة في الدفعة هذا أمر عادي، ولكنني أعمل طوال العام واجتهد في المذاكرة وأحضر جميع المحاضرات، لكن كله يهون انتظارًا للحظة ظهور النتيجة، كي أجد نفسي في المتفوقات هذه هي اللحظة الحلوة التي أطلبها من الله في الجامعة عند التخرج الشجار مع أبي حول المال وغيره.

داليا خالد- ۱۲ عاما، طالبة بالمرحلة الإعدادية: قال لنا معلم اللغة العربية إن الأشياء المحيطة بنا لا تحزن ولا تسعد، ولكني أفرح وأرى الكون كله كذلك كلما جلست إلى أمي أحكي لها كل ما يحدث معي من تفاهات وأمور عظيمة وحتى دروسي أذاكرها ولا أفهم منها شيئًا إلا حينما أجلس بجوارها، بصراحة الدنيا هي أمي لكنها عندما تزوجت بعد طلاقها من أبي لم يعد للحياة طعم، وأظلمت الدنيا في وجهي، فكم كنت أتمنى أن تسود بينهما علاقات الود والحب وأسعد بجانبهما، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

 أم رحاب- ربة منزل ٤٦ عامًا: حينما كنت صغيرة كنت أتخيل أني حينما أبدو جميلة في العيون فإنه شيء عظيم، وبعدما عرفت الحياة أصبحت أوصي بناتي- حتى بعد زواجهن- بأن يحرصن على جمال الروح فإنه الأبقى. 

اللحظة الحلوة التي أحياها وأنتظرها كلما بعدت هي تلك التي يتجمع فيها أبنائي من حولي المتزوج منهم والمتزوجة... كل جمعة اقضي يوما كله سعادة وحين يخرج الرجال لصلاة الجمعة أخلو بزوجات الجميع لا أستطيع أن أعبر عن مقدار هذه السعادة حينما أسمع إليهن وأتأكد من توفيقهن، لأحاول حل مشكلاتهن بصراحة أنا أحيا هذه اللحظة.

رجاء رشدي- طالبة جامعية لحظة الهناء التي أنتظرها هي لحظة تفوقي، فأنا طوال سنوات تعليمي اجتهد انتظارًا لها، لحظة سعادتي هي لحظة التميز، فأنا طالبة في الدفعة هذا أمر عادي، ولكنني أعمل طوال العام واجتهد في المذاكرة وأحضر جميع المحاضرات، لكن كله يهون انتظارًا للحظة ظهور النتيجة، كي أجد نفسي في المتفوقات هذه هي اللحظة الحلوة التي أطلبها من الله في الجامعة عند التخرج.

أم إسراء-معلمة- ٣٤ عامًا: ابتسامة ابنتي الصغيرة تساوي عندي الدنيا وما فيها، أجد الراحة حينما أنظر إلى وجهها أنسى متاعب النهار كله الشجار مع الزميلات تعسف المديرة.

توفيق محمد- بكالوريوس تجارة ٢٥-عامًا: بصراحة سعادتي فيما سيأتي غدًا من الأحلام التي انتظر تحقيقها، حينما أصبح محاسبًا لي مكتب خاص، وأحقق اسمًا معروفًا بين الناس، حينما يجئ هذا اليوم سوف أحس بلحظة- الفرحة، وإحساسي بالراحة يقترب كلما وضعت قدمي وسرت في هذا الطريق ولو بعمل ضئيل.

أحمد نصر- مهندس ببساطة %٩٠ من- السعادة يساوي المال الوفير، أنا لم أقل إن- السعادة هي المال، ولكن اللحظة الحلوة هي التي- تجئ ولدي من المال ما يزيد على حاجتي- الضرورية.. المال يجلب كثيرًا من الأشياء التي تسعد.

طارق عبد الحميد- موظف حينما كنت صغيرًا كنت أتخيل نفسي وأنا في منصب كبير وعندي من الملابس الكثير ولدي زوجة وأولاد فأتخيل أنني سأكون في قمة السعادة، وعندما حققت كل ذلك اكتشفت أن السعادة الحقيقية ليست في الدنيا، وتيقنت أن أسبابها لن تجتمع لشخص واحد قط، لدي الآن المنصب والأولاد، ولكن أين هي الصحة التي كانت؟! صغار الشباب ينسون أو يتناسون ما لديهم من فضل الله عليهم ويذهبون للبحث عن النقود، وكأنها كل شيء، لا يتذكرون أن لديهم من النعم الكثير، وأن المال سوف يأتي على مهل، وأصحاب المال لديهم من المتاعب والمنغصات والمشاكل والمشاغل ما يكفيهم.. لقد وزع الله أسباب السعادة والشقاء على البشر بالعدل، لا أقول إنني أتمنى أن أكون فقيرًا ولدي صحة لأنني أعلم أنني لن أخذ أكثر من نصيبي ولأني ساعتها سوف أجد من المتاعب ما هو بديل، ولكني أقول إن السعادة هي اليوم الذي يمر عليّ دون أن أتألم ألمًا لا أستطيع تحمله.

الحاج سيد عويس- رجل أعمال ۷۱ عامًا: اللحظات الحلوة في حياتي أجدها في مقاومة متاعب الشيخوخة لأداء الصلوات والعيش وسط مجتمع المسجد.. وأنا أرى أن الراحة والطمأنينة تسكن في القلب المتفائل الذي يرى من الحياة نصفها الممتلئ بالخير بدلًا من التركيز على المشكلات والمنغصات والقرب من الله هو المعيار الذي يجعلها أكثر نضارة، ذلك حينما نقنع أنفسنا بأن ما عند الله خير وأبقى.

نوال العريض -مديرة روضة- ٥٥ عامًا:

القناعة بما لدينا والتسليم بكل ما اختاره الله لنا هذه عندي هي اللحظة التي تسعدني.. إنني أتطلع إلى الحياة وقد عركناها وعركتنا، فأجد أنني ما ابتغيت أمرًا وصممت عليه معتمدة على قدراتي إلا وفقدته مهما كان سهلًا، وما نويت السعي مخلصة مسلمة الأمر لله إلا وحصلت على ما أريد مهما يكن صعبا، ولو ثبتنا هذا المعنى في نفوس صغارنا منذ نعومة أظافرهم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في نصحه لعبد الله بن عباس وهو غلام صغير لجنينا خيرًا كثيرًا.

مفتاح

وتعليقًا على ذلك يقول د. فضل أبو الليل -أستاذ الصحة النفسية- لحظة الهناء، أو الاطمئنان تمثل أعلى طموح للإنسان، لذا فإنها لدى كل فرد تعكس ما بداخله، فالذي يهدف من حياته إلى جمع المال وتكوين ثروة، لن تجده مستريحًا قرير العين إلا حينما يحصل عليه.. والذي يقف بآماله وأمانيه عند حدود المتع الحسية لن تجده مسرورًا إلا حينما يحصل عليها، وكذلك الإنسان الانفعالي أو العاطفي.

والمطلوب أن تكون كل هذه الأشياء متوافرة لدينا، نسعى إليها، ولا نخجل من اعترافنا بحاجتنا إلى المال كي نسد جوانب نقص في حياتنا، ولكن ما المال؟ ولماذا احتاجه وإلى أي مدى احتاجه؟ هذه أسئلة ليست بسيطة، وينبغي الإجابة عليها لتحديد الهدف من الحياة.. النفس السوية تحتاج إلى المال ليسد رغباتها، ويغنيها عما في يد الناس فحيث وجدته زاد حمدها لله.

ويضيف: إن الإعلاء من دوافع الطموح والتفوق في الحياة -وفق الإمكانات- تشير إلى أن صاحبها يسير على الطريق الصحيح، أما الأحداث التي تصيب الإنسان أحيانا فتزلزل حياته، أو تجعله يتوقف عن مواصلة السير، فهذا يعني أن المشكلة -أو المصيبة- قد أصابته في مقتل، وذلك لأنه علق آماله على ما لا دوام ولا استقرار لحاله.. وحتى لا يصاب المرء بمثل حالة التوقف هذه فإن عليه أن يعلي من دوافعه، ويقتنع بمبادئ ومثل وغايات أعلى من مجرد هدف عابر وفي قمة هذا السعي إلى رضى الله تعالى.

نصيبك

أما الداعية المهندس رمضان عبد العظيم فيرى المسألة من زاوية قول الله تعالى: ﴿وَمَا الحَياةُ الدُّنيا إِلّا لَعِبٌ وَلَهوٌ﴾ (الأنعام: ٣٢)، وقوله سبحانه ﴿وَابتَغِ فيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصيبَكَ مِنَ الدُّنيا وَأَحسِن كَما أَحسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ﴾ (القصص:٧٧)، فمع أن هجران الدنيا وترك ما فيها من الحلال وتحريمه على النفس والناس ليس مما له في ديننا سند، فإن التوسع في تأميل الدنيا وطلبها يشغل الإنسان عن الغايات السامية، ويعطي بعض اللحظات قيمة أعلى وأسمى مما تستحق، ويمكنك أن تكتشف هذا إذا قارنت بين لحظة الربح في صفقة تجارية ولحظة الوقوف في الصلاة بين يدي الله جل وعلا، فمن منا تسعده وتريح قلبه دقائق الصلاة الغالية أكثر من تحقيق ربح تجاري؟ لا مانع من أن نفرح بالخير والرزق الحلال يأتينا من الله، ولكن الحضور في العبادة والإخلاص في الطاعة واجب شرعي يسبق هذا كله. 

لمسات في التربية من جدي «الشيخ علي الطنطاوي» (۲۱)

الاعتناء بالأشياء

الشيخ علي الطنطاوي

لست أدري إن كانت هذه الحلقة والتي تليها، لمسة تربوية خاصة بجدي، أم أنها أسلوب حياة نشأ عليه معظم أهل الشام واعتادوه، فصار تقليدًا عامًا، وعرفًا متبعًا، لكن الذي أعرفه أن جدي عاش حياة مميزة حافلة بالتغيرات، فكان العالم الذي فتح عليه عينيه ودرج فيه أيام طفولته غير العالم الذي نعرفه ونعيش فيه اليوم، لم تكن في دمشق في تلك الأيام -كما ذكر في كثير من كتبه- شوارع كبيرة، ولا عمارات عالية، ولم تكن بيوتها تضاء بالكهرباء، ولا عرف الناس الراديو ولا التليفزيون ولا التليفون ولا مواقد الغاز ولا الغسالات ولا البرادات، ولم تكن في الشام يومذاك غير خمس سيارات صغيرات، ولم يركب أحد من أهلها الطائرات، ولم يكن شيء من مظاهر هذه الحياة النافعة.

ثم تبدلت هذه الحياة شيئًا بعد شيء، فعايش جدي التطور التقني من أوله، وتابع المخترعات والمكتشفات، فأدرك أينشتاين، ومدام كوري، وأديسون، وماركوني، وكثيرًا من رواد هذا العصر وأعلام العلم فيه، وهو قد علق على ذلك فقال: «تبدلت الأحوال وتغير المجتمع في هذه السنين الخمسين أضعاف أضعاف ما تبدلت في القرون الخمسة الماضية، كان الدهر دولابًا يدور ببطء عقرب الساعة فصار يدور بسرعة مراوح الطيارة». 

هذه الحياة الحافلة التي بدأت صعبة شاقة ثم دخلها التطور فصارت سهلة مريحة، جعلت للأشياء قيمة في ذلك الزمان، وأشعرت من جرب الغسيل بيديه والمشي على قدميه بروعة الفرق بين ذلك وبين استعمال الغسالة وركوب السيارة.

وخوفًا من أن يصيبنا داء البطر، أو نعتاد الاستهتار -لأننا لم نعان كما عانى جدي ولم نعش الحياة القاسية التي عاشها- أشعرنا بقيمة الأشياء في حياتنا لما تقدمه لنا من سرعة في الأداء وتوفره علينا من الجهد والعناء، وواجبنا -بالتالي- أن نحافظ عليها لتخدمنا فترة أطول، فكانت هذه المفاهيم من أوائل ما نشأنا عليه ولقناه في بيت جدي، أن نحافظ على أغراض البيت بصفة عامة وأشيائنا بصفة خاصة، فنستعملها بالأسلوب الصحيح، وفي الوقت المناسب، فالسرير صنع للنوم، والأرائك للجلوس، والطاولات لتوضع عليها الأشياء، فلا يسمح لنا باستخدام أثاث المنزل للقفز أو العبث المفسد أو اللعب المؤذي، والذي كان يميز توجيه جدي لنا في هذا المقام وحرصه على أن نتعلم الاعتناء بالأشياء اهتمامه بالأشياء الصغيرة -التي لا تخطر بالبال- بقدر اهتمامه بالأمور الكبيرة الواضحة، فلم يكن ليقلل من قيمة أي مخالفة لهذا التوجيه لأن السلوك غير المناسب إذا لم يعدل في أول أمره ازداد تمكنًا حتى يصير عادة يصعب التخلص منها والقضاء عليها، فمن ذلك مثلًا: إن من عادة البعض -إذا انهمك في الحديث- أن يتناول ما تقع عليه يده من التحف والأشياء التي تصف عادة على الطاولات للزينة فيعبث بها أو يقلبها بين يديه، فكان ينهانا عن ذلك لأنه مدعاة إلى مفسدتها وخروج عما وضعت له هذه الأشياء من أغراض، وكان يهتم بشريط الهاتف اللولبي فلا يسمح لأحدنا بالمبالغة بشده لأنه سيفقد -عندئذ- مرونته ولا يعود أبدًا إلى طوله وشكله الطبيعيين وفي هذا إفساد له وتشويه لمنظره.

لم نرم في بيت جدي شيئًا، ولم يكن في قاموسنا أن الأشياء تُرمى، فكل شيء في بيتنا كان مرتبًا نظيفًا جيدًا حاله، وكان يتم إصلاح الأشياء التي تفسد لتصبح صالحة للاستعمال من جديد، أما الأشياء التي أصبح طرازها قديمًا أو التي أنهكتها الأيام وأذهب بريقها كثرة الاستعمال من ملابس وألعاب وأدوات طبخ وسواها، فإنها تعطى لعائلة مستورة فيحصل لها النفع باستخدامها، ولنا الشكر عليها من الناس والثواب من الله.

 ذلك كان الدرس العظيم الذي حملناه طوال حياتنا: احفظ نعم الله يدمها عليك، واشكره عليها بتقديرها وعدم الاستهتار بها يزدك منها، وأفض على من يحتاج من عباده ما يزيد على حاجتك منها تفز بشكر الناس ورضا رب الناس.

عابدة فضيل العظم

الرابط المختصر :