العنوان تعال نؤمن ساعة - الذاتية الإيمانية
الكاتب جعفر يوسف الحداد
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1996
مشاهدات 78
نشر في العدد 1222
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 22-أكتوبر-1996
عن أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال فمن عاد منكم اليوم مريضًا، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة»([1]).
إن الاندفاع الذاتي والإيماني الذي تمثله أبوبكر الصديق في هذا الموقف يرسم لنا منهجًا تربويًا عميقًا في بناء الإيمان في القلوب، وتكوين الشخصية الإسلامية الشاملة والمتكاملة التي تندفع نحو الخير، وتقيم البرامج الإيمانية ذاتيًا دون توجيه أو أمر أو تكليف، وتلك الذاتية كانت سمة بارزة في ذلك الجيل القرآني الفريد، ولذا كان شأنهم عظيمًا، وسجلاتهم حافلة بالبطولات يوم أن عرفوا الحق فانطلقوا بهمة لا مثيل لها، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (الزمر: ٩)، فهو واحد في دلجة الليل يقوم الله رب العالمين، يربي نفسه على الطاعة، وينهض بها نحو حياة فيها السمو وطلب المعالي.
حاجتنا إلى الذاتية الإيمانية
اعلم- أخي الحبيب- أننا لو عدمنا هذه الخصلة نصبح مجرد منفذين لا مستشعرين للأجر، وستظهر العيوب في كل فرد، وسيتحول عندها العمل القائم على التقوى ومراقبة الله إلى تكاليف وقتية تنتهي الأعمال بانتهائها، وهذا عين الخطأ وسبيل الوهن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل»([2])، وهل العمل الخفي إلا مظهر من مظاهر الذاتية الإيمانية التي تحتاج إليها الدعوة؟ إن الدعوة بحاجة ماسة إلى أصحاب الذاتية الإيمانية كهذا الذي قال الحق فيه: ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس: ٢٠).
أو كالذي جاهد بلسانه وقد غمره الإيمان، فدافع عن موسى- عليه السلام- قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ (غافر: ٢٨).
فهم أصحاب نفوس ألزمتهم ذاتية الإيمان أن ينطلقوا ليبلغوا دعوة الله في الآفاق دون انتظار تكليف، أو توجيه أو طلب من إنسان.
نماذج من الذاتية الإيمانية
عن أبي ذر- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: قال: «ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله فرجل أتى قومًا فسألهم بالله، ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سرًا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به، نزلوا فوضعوا رؤوسهم، فقام أحدهم يتملقني ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا، وأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له»([3])، فما الذي دفع أولئك النفر الثلاثة إلى تلك الأعمال التي لا يعلم بها إلا الله؟ إنها ذاتية المؤمن التي تحلق به إلى المعالي، وتغرس فيه حقيقة الاتصال الوثيق بالله- عز وجل- ولقد ضرب لنا صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثال في ذاتيتهم واندفاعهم وحبهم للأجر ومواطن العمل، قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ (التوبة: ٩٢)، فأي إيمان هذا؟ وأي تربية إيمانية تلك التي تجعل المرء يتحسر على فوات موطن من مواطن الجهاد في سبيل الله- عز وجل-؟ إنها ذاتية الإيمان الدافعة والمحركة، فقد أتوا إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- ولم يأمرهم بذلك، ثم تلك الحسرة التي لذعت قلوبهم حتى أفضت بهم إلى البكاء.
وفي غزوة تبوك وصحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحرسون الجيش في ظلام الليل، إذ بهم يحدون رجلًا يحرسهم، فكان حارسًا للحرس، ذلك هو الصحابي الجليل «سلكان بن سلامة»، وحين أخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشأنه قال: «اللهم ارحم الحرس، وارحم حارس الحرس».
والصور في هذا المقام كثيرة، وما ذاك إلا معلم لتلك الأجيال الصاعدة التي حملت لواء الدعوة، فكانت أحق به وأهلاً له.
فردية التبعة
إن من حقائق الإيمان بالله- تبارك وتعالى- الإيمان بفردية تبعة الإنسان أمام الله، هذه الحقيقة التي تعمق المفهوم الحقيقي للذاتية الإيمانية، فاستشعار العبد بأنه سيحاسب وحده، ولن يجد إلا ما قدم لنفسه يوم الحساب، يدفع بالمرء إلى عبودية مطلقة لا ترتبط بكائن، فالتبعة فردية، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(الأنعام:164)، قال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: ٩٥)، أي بمفرده دون أهله وحسبه ونسبه وإخوانه وأعوانه ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، فهو وحده العمل الصالح الذي يسرع بالإنسان إلى أعالي الجنان، قال صلى الله عليه وسلم: «ومن بَطُؤَ به عمله لم يسرع به نسبه»([4])، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: ٤٠- ٤١)، فهي الأعمال يوفيها الله عباده دون ظلم، فالله قد حرم الظلم على نفسه في الحديث القدسي الذي يرويه أبو ذر الغفاري- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا» ثم يقول سبحانه: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد فيها خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»([5]).
إن استشعار هذا الأصل الإيماني سبيل نحو ذاتية المؤمن، بل وتسابقه إلى الباقيات الصالحات والاستزادة من الخيرات، فالتبعية فردية، والحساب فردي، وأنت في القبر فرد، ويوم العرض فرد، فأعد عدتك، وخذ أهبتك لذلك اليوم العظيم.
سباق ذاتي
عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه وأبو بكر- رضي الله عنه- على عبد الله بن مسعود وهو يقرأ القرآن، فقام فسمع قراءته، ثم ركع عبد الله وسجد، قال: فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سل تعطه، سل تعطه، قال: ثم مضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال: من سره أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأه من ابن أم عبد، قال: فأدلجت إلى عبد الله بن مسعود لأبشره بما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: فلما ضربت الباب، أو قال لما سمع صوتي قال: ما جاء بك هذه الساعة؟ قلت: جئت لأبشرك بما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: قد سبقك أبو بكر- رضي الله عنه- قلت: إن يفعل، فإنه سباق بالخيرات ما استبقت خيرًا إلا سبقنا إليه أبو بكر»([6])، فهي ذاتية تسابق فيها أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب- رضي الله عنهما- وهكذا كان شأنهما لا يتركان بابًا للخير إلا انطلقوا إليه مسرعين بذاتية لا يعرفها إلا رجال شمروا عن سواعدهم، وبادروا إلى جنة ربهم، وعلموا أن الحياة قصيرة، والحسنة في الميزان ثقيلة، فلا بد من رصيد للحياة..
رصيد الحياة الخير والبر والتقى وكل رصيد دونهن قشور
([1]) رواه مسلم.
([2]) صحيح الجامع الصغير.
([3]) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان والحاكم.
([4]) رواه مسلم.
([5]) رواه مسلم.
([6]) رواه أحمد.