; قواعد في العمل الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان قواعد في العمل الإسلامي

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1980

مشاهدات 82

نشر في العدد508

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 23-ديسمبر-1980

الأخذ بالإداريات مسألة تقررها مصلحة الدعوة

القاعدة الأولى:-

الإداريات لمصلحة الدعوة، فالحذر أن تكون عائقًا في طريق الدعوة... لابد لكل عمل يريد الإنتاجية والاستمرارية من أن يضع قواعد مُقنَّنة تضبط جوانب هذا الصرح الذي يُراد له الاستمرارية والنماء.. وتختلف هذه الإداريات من حيث الكثرة والتعقيد، حسب اتساع العمل ونمائه الأفقي والعمودي.. ولى هذا الأمر فلا إشكال ولا اختلاف في وجهات النظر، هل الضوابط الإدارية وضعت لذاتها وهي غاية في نفسها؟ أم هي وسيلة للغاية؟؟ ‎فتتباين وجهات النظر، وعدّها أنها وسيلة من الوسائل.. ثم بعد هذا الإقرار كذلك يكون الاختلاف، هل نقدم مصالح الدعوة التي تصطدم مع بعض الإداريات، ونكسر بعض القواعد التي اتفقنا عليها، أم نُقيِّد أنفسنا بأيدينا، ونُفوت علينًا كثيرًا من الفرص، التي قد لا تسنح لنا في وقت آخر، وهذا التساؤل لا يُوفق إلى الإجابة عنه وإيجاده في واقع العمل إلا صاحب تجربة، نبْهٌ دقيقٌ في مهمته، صاحب نضج في ترجيحاته.. ولكن هذا لا يمنع من أن نقول: بأن مع أهمية الضوابط الإدارية لسير العمل.. لا نجعلها حائلًا دون اغتنام بعض الفرص التي قد     لا تسنح مرة أخرى،‏ وفي هذا المجال لا يفوتنا أن نذكر بأن هذه الضوابط إنما وضعناه بأنفسنا ولمصلحتنا،     فلا يمنع من أن نُغيِّرها متى اقتضت المصلحة ذلك، فليست هي بنص التنزيل الذى لا يجوز في حقه النقص والتغيير، كما أن على من يضع هذه الضوابط أن يجعلها مرنة رطبة.. كالغصن الندي الذي يُمثِّل المسلم، إذا أتت المصلحة من الشمال مال معها، وكذلك الجنوب والشرق والغرب.. وأن نتحاشا إداريات، كشجر الأرز تأبى عند رياح المصالح إلا أن تنكسر!! ونحن في هذه القاعدة نستسمح أصحاب القانون والتقنيات الإدارية..

القاعدة الثانية: -

لابد لأصحاب الحركة من معرفة الجاهلية وطرقها، وأساليبها، وكيفية تفكيرها، وهذا أمر لنا به أسوة في تفكير حنيفه، حيث كان الناس يسألون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الخير، وكان يسأله عن الشر، وبهذا التصور نطق الفاروق فقال: «إنما تنقص عرى الاسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية»، وبذلك أكَّد شيخ الإسلام ابن تيمية، وجعل ذلك سببًا في أن الصحابة – رضوان الله عليهم – أعظم إيمانًا وجهادًا ممن بعدهم.. وليعلم الدعاة أن المفهوم من هذه القاعدة قد أخذت به أجهزة الطواغيت والتخطيطات الجاهلية والأصابع الخفية التي تُحرِّك الدمى والعرائس من خلف خشبة مسرح الحافل الماسونية.. فنرى تلك الدمى من المأجورين لحساب شهواتهم وأهوائهم، يضربون الحركات الإسلامية على أساس من العلم بالهرم التخطيطي، والبناء النفسي للأفراد داخل إطار الحركة الإسلامية، والاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تكون الرأي العام، والنفسية تحيا بها الجماهير.

وهذه الأصابع الشيطانية التي تدبر، وتخطط وتحرك العرائس المنفذة، يجب أن يعتقد أنها واحدة مهما اختلفت حركاتها، فهي إن سبحت أو تراقصت فلن تغير من كونها شيطانية إبليسية خبيثة.

وكذلك في النتيجة التي يُرمى إليها من وراء هذا التخطيط، فهي القتل أو الذبح، ولا يهم بعد ذلك أكانت الآلة خيط من حرير، أم سيف من حديد، كما أنها لا تهتم إن سجنت الحركات الإسلامية في المعتقلات وخلف القضبان الشائكة والحديدية، أو سجنتها في إطار خلافاتها الذاتية، وأنانياتها التعسفية، أو من وراء قضبان الوجاهات والمراكز المرموقة والتجارات الواسعة، أو في حضر الشهوات البهيمية المتعددة.. كل هذه وسائل، ولا تأبه التخطيطات الطاغوتية في أيها أخذت؛ المهم النتيجة النهائية.. هل تصل هذه التدابير إلى قبر الحركات الإسلامية أم لا؟؟ كما أنها علقت في شماعاتها أثوابًا كثيرة تأخذ منها ما يناسب القابل تغيُّر وتبدُّل، في الصباح والمساء لهم في ذلك قدوة في الحية الرقطاء ذات السم الزعاف القاتل!!

لهذا الذي ذكرناه وما يراه وما يسمعه الإنسان في كل مكان ومن كل جهة، ولتنفيذ أمر الله في قوله – سبحانه –: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام:‎٥٥‏) كان لابد لأصحاب الحركة الإسلامية من تبين سبيل المجرمين، ومعرفة حقيقة الجاهلية التي يتعاملون معها.. وسنذكر بعضًا من سبل المجرمين، على سبيل المثال لا‏ على سبيل الحصر..

إخراج الجماعة من الطريق المستقيم الوسط الذي يُشبِّهه النظم القرآني باللبن السائغ، الذي يخرج من بين الرفث والدم.. فهو طريق بين الإفراط والتفريط، وسبيل المجرمين لا يهتم للصورة التي تنحرف فيها المسيرة الربانية غلو أو تقصير إفراط أو تفريط، فالنتيجة واحدة وهي الانحراف، وتحقيق إلحاق الأندلسي الجديد للإسلام في مشرقه العربي!!

•       توظيف الجماعة الإسلامية في إجهاض الحركة الإسلامية ذاتها عن طريق سبل المجرمين الكثيرة.

أ-دس العناصر الجاسوسية التي تمثل الفضلات النتنة التي أفرزتها الصراعات الحربية والتشنجات العصبية الموجودة في داخل الإطار الطيني البشري الذي يحيط بالحركة الإسلامية، فترى هذه العناصر توظف نفسها لمصلحة الطاغوت بعلم أو بغير علم، وهذا كما ذكرنا لا يهم بالنسبة لأعداء الإسلام، وقد رأينا جماعات إسلامية تنساق إلى السجون وإلى المقاصل؛ حيث واد البراعم الناضجة، التي تمثل القواعد المترتبة من قبل الغيورين على الإسلام.. وعند بحثنا عن المقدمات التي سبقت هنه النتيجة وجدنا سببها تلك الإفرازات الجاسوسية التي تحاول بتوجيه أسيادها من الدمى والعرائس، أن تُنمِّط العقل الإسلامي والتَّصور الصافي إلى سطحيات وتفاهات العقل البشري الأرضي الجاهلي.. وحدث هذا!!

ولا حول ولا قوة إلا بالله.. وأجهضت حركات إسلامية في طفولتها البريئة.. بسبب تفكيرات بشرية طفحت على سطح العقلية القيادية لتلك التجمعات، فتصرفت بغفلة عن الوعي بسبيل المجرمين.. فانتهكت الحرمات واستبيحت المقدسات.. وبذلك دخلوا بأرجلهم مصيدة أعداء الله وأسهموا في إلحاق الأندلس الجديد!!! ‎

ب-تدليل بعض الجماعات، وتقريبها والتضخم فيها، وإعطاؤها من الحريات والفرص على حساب الجماعات الإسلامية الأخرى.. ولكن هذا التدليل لا يستمر، بل مثله كمثل إطعامنا الطعام والعلف للخروف ليسمن فنذبحه.. وهكذا بعد انتهاء الجماعة المدللة من دورها تُذبح، فأعداء الله لا يفرقون في حقدهم على الاتجاه الإسلامي، فكل ما هو إسلام خطر عليهم؛ حتى الذي يصنعونه بأيديهم وتحت أبصارهم، عندما ينتهي من الدور الذي أُعد له يذبح.. ولكنهم يقدمون إلى المقصلة أكثر الاتجاهات خطورة عليهم وهكذا يمكرون !!

القاعدة الثالثة:-

وهذه بدهية من البدهيات، وحقيقة مُسَّلم بها لدى أبسط الناس، وأقلهم فهمًا في أوليات الإسلام.. وما كان من عزم من ذكرها لولا أنى رأيت شبابًا ممن يحمل هذه الدعوة ينكرها، ولا يكتفي بذلك بل يعمل على حربها.. إنها.. حتمية التأمير في كل عمل من أعمال الإسلام، كبر هذا العمل – كبناء دولة – أم صغر – كسفر الى أقرب بلدة.

وإني لأمثل غياب هذه القضية المسلم بها على هؤلاء بمثل سؤال ذلك العالم لصاحبه عندما رأى بغلًا منتفخًا بطنه فقال لصاحبه: - متى تلد هذه البغلة؟؟!!

وهو بمثل هذا السؤال يُعبِّر عن غياب بديهيات كثيرة – لا يمكن أن يتصور عدم حضورها في ذهن الإنسان – لأسباب قد تكون ذاتية في نفس الإنسان، أو خارجية لظروف محيطة به، تدخلت عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية لإيجادها، وفى هذه القاعدة سأقف قليلا عند شرعية التأمير، ثم خطورة منهجية هؤلاء على أنفسهم وعلى مجموع القوى العاملة في الإسلام.

أما من حيث الشرعية:- فنقول من المسلم به عند جميع المسلمين؛ الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – لقوله تعالى:- ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21)، ولهذا القول:- لقد داوم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على بعث السرايا وأمر عليهم في كل مرة، نعم في كل مرة، ولم يترك هذا الأمر، ولم يتركه من بعده من الخلفاء، ولو جاز تركه لفعله – صلى الله عليه وسلم – مرة تعليمًا لنا على الجواز، ولكنه لم يفعل.. وهذا أمر يوافق العقول فيه صريح المنقول، ‏لأن الذين يجتمعون يحتاجون الى

اجتماع الرأس والكلمة، وهذا لايحصل إلا اذا كان عليهم أمير، يأمرهم فيطيعون، وإلا ما معنى الإمارة بدون طاعة.. وهذا الكلام المعقول وافق صريح المنقول «اذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم». صحيح الجامع تحت رقم 519.

وقد ذكر الشباني في كتاب السير الكبير ينقل ذلك السرى في شرحه للكتاب: «حديث سلمان بن عامر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان في بعض أسفار، فأسرى من تحت الليل فتقطع الناس – أي تفرقوا – في غلبة النوم، فمالت راحلتا أبي بكر، وأبي عبيدة – رضي الله عنهما – بهما إلى شجرة فجعلتا تصيبان منها وهما نائمان، فاستيقظا وقد مضى النبي – عليه السلام – وأصحابه، ونزلوا، فلما كانا بحيث يسمعهما النبي – صلى الله عليه وسلم – ناداهما: ألا هل أمرتما؟ قالا: بل يا رسول الله، فقال: ألا رشدتما»٠‏

إن كان هذا الحرص من النبي – صلى الله عليه وسلم – في مسائل السفر وقطع الأميال المعدودة من الأرض، فكيف يكون في شأن من يريد أن يحمل مشعل الدعوة لينير للبشرية طريق الهداية؟ كيف بشأن من يريد أن يزيل شرائع البشر ويحل محلها شرائع رب البشر؟؟!! ‎

أما إن قال ظاهري جامد: هذا النص أتى بالسفر، ونحمله على السفر فقط، فنقول له: ولله إنك لم تختلف عمَّن قال في قوله تعالى ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (إسراء:23) بأنه لو لم يجد من دلائل أخرى من النصوص ما يمنع ضربهما، لأجاز للابن أن يضرب الأب!!. ‏ ولكن هناك تنبيه، وهو أن هذه الأمارة ليست هي إمامة المسلمين ولا هي الإمارة العامة.. بل هي شبيهة بإمارة السفر.. فمن أراد أن يسافر مع هذه القافلة، فعليه أن يلتزم بطاعة أميرها بالمعروف، وإن أراد أن يسافر مع غير هذه القافلة فهو ليس مُلزمًا معهم بشيء.

أما من حيث خطورة منهج هؤلاء على أنفسهم، وعلى مجموع القوى العاملة للإسلام؛ فنقول: إن هؤلاء قد قاموا بما تقوم به أجهزة الرصد لمحاربة الحركات الإسلامية، من غسيل للمخ، فجلسوا مع أنفسهم وحصروا تفكيرهم فيما بينهم، وبدأوا يقرأون النصوص ويفهمونها حسب ما لديهم من قناعات، وخلفيات، وهكذا سهَّلوا على المجرمين ما أرادوه.. وهؤلاء إن استمروا على هذا المنوال، فسيؤول الأمر بهم الى تصرفات هستيرية تدمرهم، وتدمر من حولهم من الاتجاهات الإسلامية، فيفوز بها المحاربون للدعاة، الناصبون شباك المكر في الطرقات، وإني لأشتم رائحة هذه التصرفات من بعض أقوالهم المحمومة.. التي لا تعي ابسط أنواع قواعد الامر بالعروف والنهي عن المنكر.. والأكثر خطورة إنهم في محاربتهم لفكرة الإمارة.. يدعون إلى البحث عن الأمير القرشي وبيعته.. وتأتي الخطورة من أن مسالة الأمير القرشي ستظل تدور على ألسنتهم، ثم تتخمر بها أفكارهم فيخزنها العقل الباطن، وتظهر بعد ذلك في أحلام بإنسان يعرفونه.. وما أكثر القرشيين.‏ فيظهر هذا القرشي، ويبايعه هؤلاء ويعدونه هو الأمير الحق، وجماعتهم هي الجماعة المعنية في الحديث، و يكون الخارج عليهم قد شذ، ومن شذ، شذ في النار فيدخلون قفص الخوارج من حيث لا يشعرون.. فإلى هؤلاء أصرخ بأعلى صوتي حذاري!! حذاري!! فبداية الميل خطوة وعظمة الانفراج تبدأ من درجة فإلى أهل العلم فارجعوا، وإلى التروي والتريث فعودوا فو الله في هذا الزمان لا يعرف الإنسان من أين يؤتى، اللهم نسألك الثبات وأن تُرينا الحق حقًا وترزقنا اتِّباعه، وترينا الباطل باطل وترزقنا اجتنابه. 

الرابط المختصر :